الدرس في شرح منظومة الألبيري 1، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
توضح المقدمة أن منظومة الألبيري ليست وصية لابنه بل رد شعري على صديق عابه في صباه، فاختار الألبيري مواجهة الإساءة بالنصح والتذكير. ويبرز الشارح كرم خلق الألبيري وإقراره بكثرة عيوبه المستورة مستدلاً بعظمة ستر الله لعباده.
يروي المقطع كيف رد أبو إسحاق بأدب وتواضع على من عابه معترفاً بقلة ما ذُكر من عيوبه مسترشداً بهدي النبي صلى الله عليه وسلم في عدم الانتقام. ويؤكد أن الإخلاص والصدق يورثان بقاء الأثر وانتشار الذكر بينما تضمحل طعنات المغرضين.
يبيّن المقطع أن إخلاص الإمام النووي جعل كتابه رياض الصالحين مقبولاً متداولاً في كل بيت مستشهداً بقول ابن تيمية عن دوام أمر الصادقين. ويضرب أمثلة لجماعات وأفراد دامت دعوتهم لاستقامتهم وإخلاصهم بينما انقطعت دعوات من طلبوا الدنيا بالكذب.
تصف المقدمة قصيدة طويلة ذات ألفاظ جميلة جامعة للآداب والأخلاق تحث على العلم والاعتناء به وتتميز بالنصح والإحسان. وتذكر أن ترجمة القصيدة مقدمة من نانسي قنقر.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فكما تم الاختيار وبعد الانتهاء من لامية شيخ الإسلام، تم الاتفاق على شرح منظومة الألبيري رحمه الله تعالى. وهذه المنظومة هي لعالم أندلسي من علماء القرن الخامس الهجري، فقد توفي سنة ستين وأربعمائة للهجرة، ويكنى بأبي إسحاق إبراهيم بن مسعود الألبيري الأندلسي، يكنى بأبي إسحاق، وهو فقيه وشاعر وزاهد، وشعره أغلبه أكثره في الزهديات والوعظ، فهو واعظ مؤثر في شعره. وهذه القصيدة التي بين أيدينا هي وصية حافلة بالمعاني العظيمة، فيها حث على طلب العلم والعناية به وبيان فضل العلم، وفيها كذلك أهمية اغتنام الأوقات وعدم إضاعتها. وفي هذه المنظومة أيضاً وصايا عظيمة، توجيهات سديدة من هذا العالم الفقيه رحمه الله تعالى. وهذه المنظومة اشتهرت، بل طُبع على بعض نسخها أنها وصية منه لابنه أبي بكر، وهذا ليس بصحيح. بل هذه القصيدة وصية من أبي إسحاق الألبيري إلى صديق وزميل له. ذكر هذا الزميل من عيوب هذا العالم وهو في وقت الصبا، يعني وقت الشباب. فظاهر هذه القصيدة، قصيدة أبي إسحاق، أنها رد على ما كتبه ذلك المعاتب أو ذلك العائب لأبي إسحاق، فرد عليه بهذه القصيدة. فهي موجهة لرجل عاصره، وقد يكون رافقه وزامله في مرحلة الصبا، فأخذ هذا الرجل يتكلم على أبي إسحاق ويذم أبا إسحاق ويذكر من عيوبه. فأبو إسحاق تجاهل كل ما قاله فيه أو ما قاله عنه وتغافل عنه، واشتغل بمناصحته وتذكيره. ما قابل الإساءة بالإساءة. ذاك الرجل ذكر عيوب أبي إسحاق، وأبو إسحاق ما ذكر عيوب هذا الرجل وما ذمه وانتصر لنفسه، وإنما قابل تلك القصيدة بالوعظ والنصح والتذكير والإرشاد. طيب، قد يقول قائل: ما هو الدليل على أن هذه القصيدة ليست موجهة لابنه أبي بكر بل هي لذاك الرجل المعيب؟ في نفس القصيدة هناك أبيات تدل على أن الخطاب ليس لولده. فمثلا انظر البيت سبع وثمانين وما بعده، يقول فيه الألبيري: «ولا تنكر فإن الأمر جد * وليس كما حسبت ولا ظننت * أبا بكر كشفت أقل عيبي * وأكثره ومعظمه سترت * فقل ما شئت في من المخازي * وضاعفها فإنك قد صدقت * ومهما عبتني فلفرط جهلي * بباطنته كأنك قد مدحت». هذا الخطاب، هل يمكن أن يصدر لابن؟ كيف يقول له: «كشفت أقل عيبي»؟ هل الابن هو الذي كشف عيب أبيه؟ وهو يخاطب ويقول: «فقل ما شئت فيه من المخازي». هل يمكن أن يقول هذا لولده: «يا ولدي قل ما شئت فيه من المخازي»؟ هذا يستبعد. وقال: «ومهما عبتني»، فمعنى هذا: الرجل يعيب أبا إسحاق. فهذا دليل على أنه ليس ولده، وإنما هو رجل عاصره، ولربما زامله وصادقه في زمن الصبا. فلما كبر أبو إسحاق، جعل هذا الرجل يعيب أبا إسحاق بما كان يفعل في وقت غفلته، وفي وقت عدم استقامته أو نحو ذلك. وسيأتي شرح هذه الأبيات، وفيها حسن خلق هذا العالم الجليل أبي إسحاق رحمه الله تعالى، إذ لم يقابل السيئة بالسيئة، بل بيّن لهذا الرجل أن عيبه كثير، وأن ما ستره الله أعظم مما علمه هذا الرجل، مما علمه هذا الرجل من عيوب أبي إسحاق. وهذا في كل إنسان، ما يظهر من مخازي وكذلك مساوي وذنوب العبد للناس إلا الشيء القليل، أما أكثره فقد ستره الله عز وجل. وكما قال أحد السلف: «لولا ستر الله لافتضحنا»، وقال آخر: «لو أن للذنوب رائحة ما استطاع أحد أن يجالسنا». تصور لو أن الذنب طلع منه رائحة كريهة منك، هل سيجلس معك أحد من الناس؟ كم هي ذنوبنا كثيرة! ولكن الله عز وجل يستر، يستر عباده. فهكذا يقول أبو إسحاق لهذا الرجل، وقد عابه وذكر مخازيه، فقال له: «فقل ما شئت فيه من المخازي وضاعفها فإنك قد صدقت». وقبل ذلك قال له: «أبا بكر كشفت أقل عيبي». هذه العيوب التي ذكرت هي القليل منها، ولذلك قال له بعده: «فأكثره ومعظمه سترت». يعني ما ذكرته وذلك لعدم علمه به، أو أنه تواضع أبو إسحاق تواضع أبو إسحاق لهذا الرجل، وقال له: من جميل أخلاقك أنك ذكرت بعض العيوب وتعلم بكثير منها لكن ما ذكرتها. يحتمل هذا وهذا. ثم قالوا: «ومهما عبتني فلفرط جهلي»، ومعنى «لفرط جهلي» يعني: لعظيم جهلك، لعظيم جهلي. «فلفرط جهلي بباطنتي كأنك قد مدح». فإنه مدح، ذكرك للقليل من العيوب هو في الحقيقة مدح وليس ذم. مدح وليس ذم. ولذلك أهل العلم يقولون: لو قيل: فلان أخطأ في عشرة أحاديث أو في عشرين حديثاً، قالوا: هذا مدح وليس بذم. لأن الإنسان عرض للخطأ، صح، وعرض للزلل، والنسيان، ونحو ذلك. فكونه يخطئ بهذا العدد القليل هذا ليس ذم، بل هو مدح. بل هو مدح. وهكذا هذا الرجل لما ذكر القليل من عيوب أبي إسحاق قال له: «كأنك قد مدحت»، لأنك ذكرت القليل من هذه العيوب، وإلا فعيوب أكثر من هذا. إذا ذكرت مئة فهي ملايين العيوب. فهذا هو المعنى. فالمهم: هذه الأبيات تدل على أن هذا الخطاب ليس لولده، وإنما هو لرجل عابه وذمه بشعر، فرد عليه بهذا الشعر. ولكنه شعر مؤدب، لم يتعرض أبو إسحاق لتفاصيل عيوب هذا الرجل، وإنما ذكر حال هذا الرجل على وجه العموم، فوعظه ونصحه، وحثه على الخير، وحذره من الاستمرار في الغفلة والبعد عن العلم والاستقامة. وهذا الرجل اسمه أبو بكر، لأنه خاطبه بهذا: «أبا بكر». وفي أول القصيدة، كما سيأتي، في قوله: «أبا بكر دعوتك لو أجبت * إلى ما فيه حظك لو عقلت». فهذا الرجل اسمه أو يقال له أبو بكر، سواء كان بكنيته أو باسمه. ومن العجيب أن قصيدة هذا الرجل الذي عاب أبا إسحاق لم تنتشر، ولم يدر عنها، ولم يطلع عليها أحد. ما يدرى أين هذه القصيدة. في المقابل، قصيدة أبي إسحاق انتشرت في الآفاق، وتداولها طلاب العلم، فضلاً عن العلماء، رحمهم الله تعالى. وأردت من هذا أن أشير إلى أمر، وهو أن الإخلاص والصدق ثمرته تبقى، ثمرته تبقى، وصاحبه يستمر أثره، يستمر أثره. فانظر إلى هذين الشخصين: أحدهما يعيب الآخر ويلمزه ويطعن فيه ويعدد معائبه في أبيات كتبها، فلم تعرف ولم يدرَ عنها. والآخر تغافل عن ذلك الطعن واللمز، واشتغل بالنصح ديانة وتذكيراً وتعليماً ونصحاً، وتجرد عن حظوظ النفس، فلم يدافع عن نفسه، ما دافع عن نفسه. وهكذا الصادق والمخلص، ما يدافع عن نفسه، إنما يدافع عن الحق. أما شخصه فإنه لا يدافع عنه. ولذلك جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان لا يغضب لنفسه، لا يغضب لنفسه. يأتيه الأعرابي فيجذبه جذبة شديدة، ينزع الرداء من على كتفيه، فلم ينهره النبي عليه الصلاة والسلام، ويقول له: «أعطني من مال»، لا، ليس مال أبيك ولا أمك، فيتبسم النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه، لأنه ما ينتقم لنفسه. أهل الطائف فعلوا به ما فعلوا، رموه بالحجارة وأدموه، واستهزأوا به، وصلوا عليه سفهاؤهم وأطفالهم. فلما جاءه ملك الجبال ليأمره بأمره، وما شاء، هل انتقم النبي عليه الصلاة والسلام من نفسه؟ قال: «هؤلاء استهزأوا بي، وهؤلاء كادوني، وهؤلاء رموني»؟ أبداً. قال: «لا، أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً». فالصادق كما تقدم، والمخلص، ثمرته تبقى، وأثره يبقى وينتشر بصدقه وإخلاصه. حتى قال العلماء في «رياض الصالحين» تعرفون «رياض الصالحين»، الإمام النووي، وعبارة عن أحاديث بوب عليها في الآداب، في الأذكار، في المناهي، في الفضائل. فانظر، ما من بيت إلا وفيه هذا الكتاب، وما من عالم وطالب علم إلا وهو لا يستغني عن هذا الكتاب في وعظه، في إرشاده، في تعليمه. قال العلماء: ولعل سبب ذلك إخلاص الإمام النووي رحمه الله، إخلاص الإمام النووي رحمه الله. وهذا كما ذكرنا يدفعنا إلى أن نخلص في أعمالنا، وأن نصدق مع الله عز وجل، فيستمر أمرك، وتبقى ثمرة جهادك وطلبك للعلم. وهناك عبارة ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله في شرح الأصبهانية، صفحة ٦٨٢، قال شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله: «فالصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع أمرهم». قال: «وهذا أمر جرت به العادة، وسنة الله التي لن تجد لها تبديلاً». تجد الصادق كما ذكر يدوم أمرهم. ما معنى يدوم؟ يعني يستمر. ما كان لله بقي وتم، وما كان لغير الله انقطع وانتهى. فما كان لله بقي، وهذا حال الصادقين. فالصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع أمرهم. وهناك مثل للعوام، ماذا يقولون؟ ومثل حق يوافق ما نحن فيه الآن. يقولون: «الكذب حبله قصير». الكذب حبله قصير. الذي يكذب، هذا ما يدوم أمره، سرعان ما ينقطع أمره، مثل الحبل القصير. أما الصادق فحبله طويل، مستمر، لا ينقطع، لأنه ما يعمل لغرض نفسي، أو لمطمع دنيوي، أو لانتصار لشخصه ونفسه أبداً. يعمل لله، فهو معتصم بالله، لا يبالي بما يعترضه في طريقه، لا يبالي، يستمر، لا يؤثر فيه البلاء، لا يؤثر فيه كذلك القيل والقال، لأنه ما يتعامل مع الخلق، له هدف وغاية عظمى، وهو رضا الله، وهو نفع نفسه ونفع المسلمين. فكما ذكر: الصادقون يدوم أمرهم، والكذابون ينقطع أمرهم، والواقع يشهد بذلك. ولذلك قال شيخ الإسلام بعد ذلك: «وهذا أمر جرت به العادة»، يعني واقع الناس يدل عليه، بل وسنة الله التي لن تجد لها تبديلاً، سواء كان على مستوى الجماعات، أو على مستوى الأفراد، أو على مستوى الدعوات. فمن كان صادقاً دام أمره واستمر، ومن كان كاذباً انقطع أمره وذهبت دعوته. فانظر مثلاً إلى الإخوان المسلمين، مثلاً للأحزاب والدعوات، كان قبل فترة ليست ببعيدة لهم صولة وجولة، وأتباع، بل ومسؤوليات. لكنهم كذابون، ما أرادوا نصرة الإسلام، ما أرادوا نصرة الدين، إنما أرادوا مطامع دنيوية، وهذا واقعهم من الأموال والرئاسات والانتخابات ونحو ذلك. فانظر إلى حالهم اليوم: انقطع أمرهم، وكرههم الناس، وعرفوا كذبهم وباطلهم. وأما دعوة أهل السنة، فمنذ عرفناها وهي ولله الحمد في استمرار، وفي تقدم، وفي كذلك محبة من قبل الخلق، لأنها دعوة الله، لأنها دعوة الصادقين، ظاهرها كباطنها، ما عندهم مطامع دنيوية، ما عندهم سياسات كاذبة ومطامع سياسية أو مصالح دنيوية أبداً. فلذلك دامت دعوتهم واستمرت ولم تنقطع. فهي هي منذ أن عرفها الناس إلى يومنا هذا، ما غيرت ولا بدلت. هذا على مستوى الجماعات. وكذلك على مستوى الأفراد: كم من شخص كانت له صولة وجولة، وأتباع، وهكذا فصاحة وبلاغة، ومركز، ونحو ذلك. فلما كان كاذباً ومختفٍ بدعوة أخرى تخالف دعوة الحق، انقطع أمره. أقرب مثال على ذلك: أبو الحسن المصري. كيف كان في رفعة، رفعة وأتباع، ومساجد، ونحو ذلك. فانظر الآن إلى حاله. هذه نماذج في الجماعات وفي الأفراد، فاقس على ذلك. فأشهد من هذا أن أبا إسحاق الألبيري رحمه الله تعالى، لما كان صادقاً ولما كان مخلصاً، نحسبه كذلك والله حسيبه، انتشرت منظومته وارتفع شأنه. وذاك الرجل لما كان كاذباً وظالماً انقطع أمره، فلم يعرف عن قصيدته، ولم يعرف عما في هذه القصيدة. فهكذا ينبغي لطالب العلم أن يستفيد من مثل هذه الوقائع. وهذه القصيدة طويلة، ولكن ألفاظها ألفاظ جميلة ورائعة، غاية في النصح، وكذلك الإحسان، فهي منظومة جامعة في الآداب والأخلاق، والحث على العلم والاعتناء به، ونحو ذلك، فيما ستسمعه في هذه القصيدة. ترجمة نانسي قنقر