شرح تطهير الإعتقاد 17

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 17، ألقاها

تحذير من الشرك في العبادات وتوضيح مفهومه

يناقش المقطع مفهوم الشرك بالله ويحذر من ممارسات مثل التوسل بالأموات أو التبرك بالأشجار أو الأحجار. يبين أن هذه الأفعال تعتبر شركًا بالله وتشبه أفعال الجاهلية.

الاعتقاد في غير الله والشرك الأكبر

يشرح النص أن الاعتقاد في غير الله تعالى مثل الأموات أو الأولياء هو شرك أكبر. يعتبر هذا الاعتقاد توكيلًا لغير الله في أمور الكون، وهو ما لا يجوز إلا لله وحده.

الفرق بين شرك الأولين والمتأخرين وتحليل شرك المتأخرين

يشرح المقطع الفرق بين شرك الأولين والمتأخرين، ويبين أن شرك المتأخرين أشد وأنه يعتبر شركًا أكبر. يُظهر أن المتأخرين يعتقدون أن الأموات ينفعون أو يضرون بذاتهم.

التحذير من صرف العبادات لغير الله وتوضيح أنواع العبادات

يحذر المقطع من صرف العبادات لغير الله ويعتبر ذلك من العقائد الشركية الكفرية. يعدد أنواع العبادات التي يجب أن تكون لله وحده مثل الدعاء والذبح والنذر.

  • 27 جمادى الآخرة 1435هـ - 27/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله: فصلٌ، قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد في شجرٍ أو حجرٍ أو قبرٍ أو ملكٍ أو جنيٍ أو حيٍ أو ميتٍ أنه ينفع ويضر وأنه يقرِّب إلى الله أو يشفع عنده في حاجةٍ من حوائج الدنيا بمجرد التشفُّع به والتوسُّل به إلى الرب تعالى، إلا ما ورد في حديثٍ فيه مقال في حق نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم بخصوصه أو نحو ذلك، فإن هذا أشرك مع الله غيره واعتقد ما لا يحلُّ اعتقاده كما اعتقد المُشركون في الأوثان، فضلاً عمَّن ينذُرُ بماله وولده لميتٍ أو حيٍ يطلب من ذلك ما لا يُطلب إلا من الله تعالى من الحاجات من عافية مريضه أو قدوم غائبه أو نيله لأي مطلبٍ من المطالب. فإن هذا هو الشرك بعينه الذي كانت عليه عباد الأوثان والأصنام، والنُّذورُ بالأموال والنُّذورُ بالمال على الميت ونحوه، والنحر على قبره والتوسُّل به وطلب الحاجات منه هو بعينه الذي كانت تفعله الجاهلية، وإنما يفعلونه لما يُسمُّونه وثنًا وصنمًا، وفعله القبوريون لما يُسمُّونه وليًّا وقبرًا ومشهدًا، والأسماء لا أثر لها ولا تُغيِّر المعاني ضرورةً لغوية وعقلية وشرعية. فإن من شرب الخمر وسماه ماءً ما شرب إلا خمرًا، وعقابه عقاب شارب الخمر، ولعلَّه يزيد عقابًا للتدليس والكذب في التسمية، وقد ثبت في الأحاديث أنه يأتي أقوام يشربون الخمر يُسمونها بغير اسمها، وصدق صلى الله عليه وسلم، قد أتى طوائف من الفسقة الشرب الخمر وأول من سمَّى ما فيه غضب الله وعصيانه بالأسماء المحبوبة عند السامعين. فإن إبليس لعنه الله فإنه قال لأبي البشر آدم عليه السلام: ﴿يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾، فسمَّى الشجرة التي نهى الله تعالى آدم عن قُربانها شجرة الخلد بالاسم الذي اخترعه لها، كما سمَّى إخوانه المقلِّدون له الحشيشة بلقمة الراحة، والحشيشة نوعٌ من المخدِّر. قال كما سمَّى إخوانه المقلِّدون له -أي المقلِّدون لإبليس في تغيير الأسماء- بلقمة الراحة، وكما يُسمِّي الظالمون ما يقبضونه من أموال عباد الله ظلمًا وعدوانًا أدبًا، فيقولون: أدب القتل، أدب السرقة، أدب التهمة، بتحريف اسم الظلم إلى اسم الأدب، كما يُحرِّفون في بعض المقبوضات إلى اسم النفاعة، وفي بعضها إلى اسم السياقة، وفي بعضها أدب المكاييل والموازين، وكل ذلك اسمه عند الله ظلمٌ وعدوان كما يعرفه من شمَّ رائحة الكتاب والسنة. وكل ذلك مأخوذٌ عن إبليس حيث سمَّى الشجرة المنهية عنها شجرة الخلد، فكذلك تسمية القبر مشهدًا، ومن يعتقدون فيه وليًّا لا تُخرِجُه عن اسم الصنم والوثن، إذ هم معاملون لها معاملة المشركين لأصنامهم، ويطوفون بهم طواف الحجاج ببيت الله الحرام، ويلتمسونه التماسهم لأركان البيت، ويُخاطِبون الميت بالكلمات الكفرية من قولهم: على الله وعليك أي توكلنا واعتمدنا على الله وعليك، ويهتفون بأسمائهم عند الشدائد ونحوها. وكل قومٍ لهم رجلٌ ينادونه، قوله رحمه الله تعالى في هذا الفاصل وهو فصلٌ عظيم ويحتاجُ إلى معرفةٍ وإلى تحقيقٍ وتدقيقٍ في النظر إلى هذا الفاصل، يقول رحمه الله تعالى: قد عرفت من هذا كله -أي مما تقدَّم ذكره مما قدَّمه بين يدي هذا الفاصل مما ذكره رحمه الله- أن من اعتقد في شجرٍ أو حجرٍ أو قبرٍ أو ملكٍ أو جنيٍ أو حيٍ أو ميتٍ أنه ينفع ويضر. كما تقدَّم معنى قوله: أنه ينفع ويضر، الخطاب هاهنا مع من؟ مع المتأخرين من القبورية، الخطاب هاهنا مع المتأخرين من القبورية، ومنه يُعلم أن ما ذُكر قبل في قوله في الفقرة السابقة من أنهم -أي المُشركون الأول- أنهم يعتقدون في آلهتهم أنهم يضرون وينفعون يكون على الاحتمالين السابقين. أما هاهنا فالكلام فيه على القبورية المتأخرين، لذا يقول: فإذا عرفت أو قال: قد عرفت من هذا كله أن من اعتقد -لا يتكلم على المشركين الأول لأنه قد تقدَّم الكلام عليهم- لكن كأنه أسس قاعدة أو قواعدة فيما تقدَّم، والآن يذكر ثمارًا ونتائجًا ما تقدَّم ذكره. وهو أن من اعتقد في أي شيء سواء كان ملكًا مقربًا أو نبيًّا مرسلاً أو وليًّا من الأولياء أو شجرًا أو حجرًا أو شمسًا أو قمرًا أو غير ذلك، اعتقد فيه اعتقادًا لا يجوز إلا أو لا يصح إلا لله، ولا يكون إلا لله رب العالمين جل وعلا، ومنه اعتقاد النفع والضر في ذلك المتقرب إليه في ذلك المتعبد له من دون الله جل وعلا. اعتقاد أنه ينفع أو يضر نفعًا مطلقًا، سواء كان ذلك النفع أو الضر نفعًا جزئيًا ولكنه بذاته أو نفعًا وضر كليًا، كاعتقاد بعض القبورية في أوليائهم وأقطابهم وأوتادهم أنهم لهم تصرف في الكون بأجمعه، يحركون الكون وينزلون الغيث ويحيون الموت ويميتون الأحياء ويرزقون من شاء بما شاء كيف شاء إلى غير ذلك. هذا اعتقاد نفع وضر في غير الله جل وعلا، اعتقاد مطلق أنهم ينفعون ويضرون نفعًا مطلقًا بذاتهم بذواتهم، وهؤلاء كما قيل: ما أبقوا لله رب العالمين جل وعلا شيئًا، ومنهم من قد يعتقدون في غير الله جل وعلا من الآلهة والمعبودات من أنه يملك شيئًا من النفع أو الضر لكن بذاته بذاته. وهذا اعتقاد أن غير الله جل وعلا ينفع بذاته أو يضر بذاته، كذلك من الشرك الأكبر بالله جل وعلا، إذ لا ينفع بذاته ويضر بذاته إلا رب العالمين جل وعلا، وأما غير الله جل وعلا فإنه ينفع بإذن الله جل وعلا، قال الله جل وعلا عن نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فمن اعتقد في غير الله جل وعلا أنه ينفع بذاته من دون الله جل وعلا أو يضر بذاته من دون الله جل وعلا فقد اتخذه ربًّا مع الله ووقع منه الشرك في الربوبية كما وقع منه الشرك في الألوهية، وهذه من المفارقات بين شرك الأولين وشرك المتأخرين. فشرك المتأخرين أشد من شرك المتقدمين، وذلك لأن المشركين من القبورية من المتأخرين يعتقدون في من يعبدونهم ويتقربون إليهم ويتخذونهم وسائط وشفعًا أنهم ينفعون نفعًا بذواتهم ويضرون ضرًا بذواتهم من دون الله جل وعلا، من دون الله جل وعلا. فتجدهم يعتقدون في قرارة أنفسهم أن لهم قدرة على جلب المنافع أو دفع المضار، وإذا نزل بهم الكرب في السراء أو في الضراء لجأوا واستغاثوا وأنابوا وخضعوا وتضرعوا لغير الله جل وعلا، وهذا خير شاهد على أنهم يعتقدون أنهم ينفعون أو يضرون من دون الله جل وعلا. أما المشركون الأول كان إذا نزل بهم البؤس والضراء والشدة توجهوا إلى الله جل وعلا وحده لا شريك له، أخلصوا الدعاء لله جل وعلا وحده لا شريك له، دعوا الله مخلصين له الدين، بخلاف المشركين المتأخرين إذا نزل بهم الضراء نزلت بهم الضراء والكرب والشدة. تجدهم يلهجون بقلوبهم قبل ألسنتهم ويتضرعون ويخشعون ويبكون ويتذللون لغير الله جل وعلا: يا سيد فلان أغثنا أغثنا أغثنا، يا سيدي يا سيد فلانة أغثنا إلى غير ذلك، هذا شرك بالله جل وعلا، ومن آتاه الله جل وعلا أدنى مسكة عقل يعلم أن هذا شرك بالله جل وعلا. فمن فقه وعلم التوحيد الذي جاءت به الرسل وحققه وتحقق ذلك في قلبه لم يخالجه شك في أن ما يصدر من أولئك القبورية من اعتقاد في غير الله جل وعلا وتقرب وعبادة لغير الله جل وعلا لأن هذا من الشرك الأكبر الذي لا يختلف فيه اثنان ولا ينتطح فيه عنزان من أهل التوحيد. ولكن الجهل نزل على كثير من المتأخرين فصاروا ينكرون المعروف ويعرفون المنكر، إذا سمعوا الإنسان يبين أن هذا شرك بالله جل وعلا وأن هذا منابذ لدعوة الرسل لدعوة التوحيد، قالوا: هؤلاء يكفرون وهؤلاء متشددون وهؤلاء متنطعون، سبحان الله إذا جاءهم الحق ببراهينه من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أفبعد هذا يرد بحجة أن هذا تشدد، هذا طعن في دين الله جل وعلا، من يزعم أن ذلك تشدد فهو يزعم أن الله جل وعلا دينهم الذي شرعه لعباده ووصفه بقوله: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ أنه دين تشدد والعياذ بالله. وأما العاقل العاقل فضلاً عن من وفقه الله جل وعلا لطلب العلم، يعتقد عقيدة جازمة بأن ما يظهر من أفعال وأقوال من أولئك القبورية من اعتقادات في غير الله جل وعلا أنهم أن غير الله جل وعلا ينفع بذاته ويضر بذاته من دون الله جل وعلا. وأنه يستحق أن يتقرب إليه بأنواع من القربات من دعاء واستغاثة واستعانة لا يقدر عليها إلا الله، وذبح ونذر وطواف وسجود وركوع، من يشك في أن صرف هذه العبادات لغير الله جل وعلا بأن نشر إلا من ظلم نفسه والعياذ بالله. فالحاصل أن هذه العقائد عقائد شركية كفرية، وسيأتي مزيد بيان لهذا الفصل بإذن الله جل وعلا في الدرس اللاحق، نكتفي بهذا لانتهاء الوقت إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على