شرح تطهير الإعتقاد 32

الدرس في شرح تطهير الإعتقاد 32، ألقاها

النذر لغير الله تعالى و حكمه

النذر لغير الله تعالى يعتبر شركًا بالله ولا ينعقد أصلا، ويجب التوبة والرجوع إلى الله ورد المال إلى صاحبه. النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن النذر لا يأتي بخير.

قبض النذور على الأموات وحكمه

القابض للنذور على الأموات يعتبر آكلاً لأموال الناس بالباطل ودالاً على الشرك بالله، حيث يقبض النذور ويتصرف فيها بحجة أن النذر لولي أو سيد معين. هذا الفعل حرام لأنه يقر النذر على الشرك.

دعوة الرسل إلى التوحيد والتحذير من الشرك

جاء الرسل بدعوة التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله، ونهوا عن كل ما يؤدي إلى الشرك بالله تعالى. وقد أكتفى المتحدث بهذا القدر في الحديث عن هذا الموضوع.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام محمد بن إسماعيل بن الأمير الصنعاني رحمه الله تعالى: قال فإن قلت: هذه النذر والنحائر ما حكمها؟ قلت: قد علم كل عاقل أن الأموال عزيزة عند أهلها، يسعون في جمعها ولو بارتكاب كل معصية، ويقطعون الفيافية من أدنى الأرض والأقاصي، فلا يبذل أحد من ماله شيئًا إلا معتقدًا لجلب نفع أكثر منه أو دفع ضر. فالناذر للقبر ما أخرج ماله إلا لذلك، وهذا اعتقاد باطل. ولو عرف الناذر بطلان ما أراده ما أخرج درهمًا، ما أخرج درهمًا؛ فإن الأموال عزيزة عند أهلها. قال تعالى: ﴿ولا يسألكم أموالكم إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم﴾. فهذه الفقرة من الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى فيها بيان أن الناذر والناحر لا يفعل ذلك إلا متقربًا إلى ذلك المنذور له والمنحور له، معتقدًا فيه أنه يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا، معتقدًا فيه أنه يجلب النفع وأنه يدفع الضر، وهذا شرك بالله جل وعلا. وهذه عقيدة باطلة، عقيدة خبيثة، عقيدة شركية. فهو بهذا الاعتبار -أي باعتبار العقيدة التي في قلبه- وقع منه الشرك بالله جل وعلا، إلى جانب ما تقدم ذكره فيما مضى معنا في الدرس الماضي من أن النذر عبادة، وكذلك النحر عبادة، وأن صرفها لغير الله جل وعلا شرك بالله تبارك وتعالى. والإمام الصنعاني رحمه الله تعالى أراد أن يقرر وأن يحاج القبوريين الذين ينكرون أن تكون هذه الأعمال شركًا بالله جل وعلا. فيقول رحمه الله تعالى: معلوم أن الأموال عند أربابها، عند أصحابها عزيزة ثمينة، بل ربما فعل الإنسان ما فعل من المحرمات لأجل تحصيل ذلك المال. فكونهم يدعونه أو يضعونه في مكان لا يضعه في ذلك المكان إلا وهو يعلم أو يعتقد أن ذلك المكان له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر، وهذه العقيدة هي عقيدة -كما سمعتم- شركية. ففي تقرير لهذا المعنى -من أن النذر وكذلك النحر لغير الله جل وعلا- ما فعل الناذر والنحر الناحر النحر إلا تقربًا لذلك المتقرب له، معتقدًا فيه عقيدة لا تجوز أن تكون إلا لله رب العالمين جل وعلا. وهذا هو حقيقة الشرك، إن حقيقة الشرك تسوية غير الله جل وعلا بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: فالواجب تعريف من أخرج النذر بأنه إضاعة لماله، وأنه لا ينفعه ما يخرجه ولا يدفع عنه ضرًا، بل إن هذه عقيدة شركية كفرية. ومن فعلها فقد وقع في الشرك بالله جل وعلا. قال: وقد قال صلى الله عليه وسلم: «إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل». فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر في هذا الحديث بأن النذر لا يأتي بخير، وإنما هو استخراج يستخرج به من البخيل الذي لا يعطي شيئًا إلا لأجر مقابل. فكيف إذا كان ذلك الشيء لغير الله جل وعلا، وانتظر من غير الله جل وعلا جلب نفع أو دفع ضر، واعتقد ذلك، ووجه قلبه وعقيدته إلى غير الله جل وعلا؟ فهذا شرك بالله جل وعلا، بل هو أعظم الشرك بالله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: ويجب رده إليه، أي: من فعل هذا الفعل -نذر لغير الله جل وعلا- فالواجب ألا يفي بذلك النذر. بل إن هذا النذر -كما يقول علماء الإسلام رحمهم الله تعالى- أصلا لا ينعقد؛ هذا النذر أصلا لا ينعقد لأنه نذر شركي، وهو لا ينعقد بإجماع، ولا يجوز الوفاء به بإجماع. وفرق بين النذر الذي هو النذر الشركي، والنذر الذي هو نذر معصية. نذر المعصية وقع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى في كفارة من لم يفي به، بخلاف نذر الشرك بالله جل وعلا؛ فإنه لا ينعقد أصلا ورأسًا. والفرق بينهما أن النذر الشركي -نذر إن عقد لغير الله جل وعلا- كان يقول: نذر على نذر لأولياء الفلاني، للشياطين، للشجر، للحجر، إلى غير ذلك. هذا نذر شركي: أن أفعل كذا، أن أذبح كذا، أن أتصدق بكذا. وهذا لا ينعقد أصلا ورأسًا. وعلى من فعل ذلك أن يتوب إلى الله جل وعلا، وأن يرجع إلى الله جل وعلا؛ لأنه وقع في شرك بالله جل وعلا. وأما نذر المعصية -نذر لله جل وعلا ولكن على معصية- كان يقول إنسان: نذر نذرت لله جل وعلا لئن شفى الله مريضي لأفطرن رمضان. هذا نذر معصية، لكن النذر لله، ولكن نذر معصية. فهذا لا يجوز الوفاء به، ومسألة الكفارة خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، وإن كان الراجح أنه لا كفارة فيه على الصحيح من أقوال العلماء؛ لعدم صحة الحديث الذي جاء في ذلك. قال رحمه الله تعالى: ويجب رده إليه، فلا ينعقد، ويجب رد المال إلى من نذره؛ لأنه نذر فاسد باطل. قال: وأما القابض للنذر الذي يسمى القيوم على القبر، أو ما شابه ذلك من أسماء السادن على القبر، القائم على القبر، فهذا يسمى القابض للنذور. قال: فإنه حرام. وأما القابض للنذر فإنه حرام عليه قبضه؛ هذا حال كثير من الدجالين من أكلة أموال الناس بالباطل. تجده يقول: القوام أو القائم أو النائب عن نذور الولي الفلاني، السيد الفلاني. فإذا جاءت الأموال وجاءت النذور أكلها وتصرف فيها، ووضع شيئًا لذلك الولي -إما سرجًا، إما لباسًا، أو ما شابه ذلك- والباقي أكلها. فهذا آكل لأموال الناس بالباطل، وهذا كذلك دال، ناصر، راضٍ بالشرك بالله جل وعلا. ومن رضي بالشرك فهو مشرك، من رضي بالشرك ودعا إليه وزيّنه فإنه كذلك، والعياذ بالله. لذا قال الإمام الصنعاني رحمه الله: قال: ويحرم قبضه؛ أما القابض للنذر فإنه حرام عليه قبضه؛ لأنه أكل لمال الناس بالباطل لا في مقابلة شيء. وقد قال تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾. وهذا كله بالباطل. قال: ولأنه تقرير للنذر على شركه، وقبح اعتقاده، ورضاه بذلك. ولا يخفى حكم الراضي بالشرك؛ بمعنى أن الراضي بالشرك مشرك، كما أن الراضي بالكفر كافر بالله جل وعلا. قال: فهو مثل حلوان الكاهن ومهر البغي، بل هو أشد؛ لأن حلوان الكاهن ومهر البغي -الكاهن مقارب لهذا الخبيث في الفعل- وأما مهر البغي فهو في ماذا؟ فيه فاحشة. أما ذاك في شرك، في تقرير شرك، ودعوة إلى شرك، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: ولأنه تدليس على الناذر، وإيهام له أنه ينفعه الولي ويضره. فهو داع إلى الشرك بالله جل وعلا، مقر له، ومزين له. قال: فأي تقرير لمنكر أعظم من قبض النذر على الميت؟ وأي تدليس أعظم؟ وأي رضا بالمعصية العظمى أبلغ من هذا؟ وأي تصيير للمنكر معروفًا أعجب من هذا؟ وما كانت النذور للأصنام والأوثان إلا على هذا الأسلوب -أي في الزمن الأول، في زمن الجاهلية الأولى-؛ يعتقد الناذر جلب النفع من الصنم ودفع الضر، فينذر له جزاء من ماله، أو يقاسمه في غلات أطيانه، ويأتي به إلى سدنة الأصنام فيقبضونه منه، ويهمونه ويهمونه حقية عقيدته. وكذلك يأتي بنحيرته فينحرها بباب بيت الصنم. وهذه الأفعال هي التي بعث الله الرسل لإزالتها وإحراقها وإتلافها والنهي عنها؛ لأنها من الشرك بالله جل وعلا. وقد قال الله جل وعلا: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن يعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾. قال الله جل وعلا: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾. فالرسل من أولهم إلى آخرهم جاءوا بالدعوة إلى التوحيد، والنهي والتحذير عن الشرك بالله جل وعلا، وعن وسائله، وعن كل ما يكون سببًا للشرك بالله جل وعلا. ونكتفي بهذا القدر في هذه الليلة إلى هنا. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على