شرح العقيدة الواسطية 71

الدرس في شرح العقيدة الواسطية 71، ألقاها

موقف أهل السنة والجماعة من باب الوعيد وأقوال المرجئة

يشرح موقف أهل السنة والجماعة من باب الوعيد ويركز على الوسطية بين المرجئة والوعيدية. يبين أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.

وسطية أهل السنة بين المرجئة والوعيدية في مسائل الإيمان

يتناول شرح وسطية أهل السنة والجماعة بين المرجئة والوعيدية في مسائل الإيمان والوعيد. يبين اعتقادهم بأن الإيمان يزيد وينقص.

تطبيق الوسطية في مسائل الأسماء والأحكام وأصحاب رسول الله

يشرح تطبيق وسطية أهل السنة في مسائل الأسماء والأحكام ومعاملة أصحاب رسول الله، حيث يتوسطون بين مختلف الفرق الإسلامية.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «وفي باب الوعيد إلى آخر كلامه»، قال: يعني أن أهل السنة والجماعة وسط في باب الوعيد. ومعنى باب الوعيد: ما توعد الله جل وعلا به العصاة والمذنبين. فباب الوعيد معناه: هذا المعنى، ما توعد الله جل وعلا به العصاة من الوعيد. فهو يقول: إن أهل السنة والجماعة وسط في باب الوعيد بين المفرطين من المرجئة، الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة. وزعموا أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب، وإن لم ينطق به، وسموا بذلك نسبة إلى الإرجاء، أي التأخير؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان. يقول الشارح رحمه الله: إن أهل السنة والجماعة وسط في هذا الباب أيضا بين المفرطين، أي المضيعين لهذا الباب، لباب الوعيد من المرجئة. والمرجئة سيأتي معنا بإذن الله عز وجل: أنهم على طوائف، منهم من يقول: إن الإيمان إنما هو مجرد القول، وإن لم يعتقد. يقول: مجرد كلمة، وإن لم يعتقد. ومنهم من يقول: إن الإيمان مجرد المعرفة، وإن لم ينطق ولم يعتقد. ومنهم من يقول: إن الإيمان هو التصديق مع النطق من غير أعمال، من غير أعمال. وهؤلاء يسميهم العلماء -أي الطائفة الأخيرة- بمرجئة الفقهاء. وما ذكر أولا يقال فيهم: بأنهم غلاة المرجئة. وغلاة المرجئة كفرهم لإثمهم، رحمهم الله تعالى؛ لأن معنى هذا أنهم يفتحون باب الكفر على مصراعيه. فمن يقول: عرف الله فهو مؤمن، وإن لم ينطق بلسانه، على هذا التعريف: فرعون ما حكمه؟ وإبليس ما حكمه؟ هؤلاء جماعة: مسلم يكون على هذا التعريف مؤمن، ما هو؟ فقط مسلم، مؤمن وليس أي مؤمن، إيمان كإيمان جبريل، إيمان كإيمان جبريل عليه السلام. وهذا كما ترون من الباطل والزور والبهتان بمكان. وآخرون يقولون: إذا نطق بشهادتين، إن كان قلبهم مكذبا لها، فإنه كذلك مؤمن. على هذا: أبي بن السلول رأس المنافقين، قال: «أشهد أن لا إله إلا الله»، أم لا؟ هل على قول هؤلاء هو من أهل الإيمان أم من أهل النفاق؟ والبهتان من أهل الإيمان، وإيمان كإيمان من؟ كإيمان جبريل. فهذا كما ترون من الأقوال الباطلة. وأما مرجئة الفقهاء الذين أشار إليهم الشارح رحمه الله تعالى هاهنا في قوله: «وسموا بذلك نسبة إلى الإرجاء، أي التأخير؛ لأن الإرجاء أرجأ الشيء، أي أخره». فسموا مرجئة؛ لأنهم أخروا الأعمال عن الإيمان، بمعنى أنهم لم يدخلوا الأعمال في مسمى الإيمان. فقال هؤلاء: إنه يتصور إيمان بغير عمل. يتصور إيمان بغير عمل، بمعنى أن الرجل لو قال: «أشهد أن لا إله إلا الله»، وقلبه مصدق بذلك، فإنه مؤمن، ولو لم يفعل خيرا قط، ولم يلتزم بالشرائع الظاهرة، ولا شعائر الإسلام المعروفة. يقال بأنه مؤمن. وأي إيمان هذا؟ قالوا: إيمانه كإيمان جبريل، وكإيمان محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وهذا كما ترون مجازفة واضحة، مجازفة واضحة من هؤلاء. لذا اشتد تكفير السلف على هؤلاء، وبدعوهم، وأنكروا عليهم، وأنكروا عليهم هذه المقالة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، عليه رحمة الله. قال رحمه الله تعالى: قال -أي من قولهم- الذين قالوا: «لا يضر مع الإيمان ذنب، كما لا تنفع مع الكفر طاعة». معنى هذا: أن هؤلاء المرجئة يقولون: ما دام نطق بلسانه، وصدق بقلبه، فهو مؤمن، وإن فعل من المعاصي ما فعل، وإن فعل من المعاصي ما فعل، وإن شرب الخمر، وإن أتى بالفواحش، وإن فعل ما فعل، فإنه مؤمن. وأي إيمان إيمانه؟ إيمانه كإيمان جبريل عليه السلام. فهذا القول كما ترون من قول المرجئة، وهو قول باطل فاسد. إذا كما سمعتم: اشتد تكفير العلماء رحمهم الله تعالى على هؤلاء. فهؤلاء إذا قيل لهم: الله جل وعلا يقول: كذا وكذا. ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها، وغضب الله عليه، ولعنه، وأعد له عذابا عظيما. الله جل وعلا قال في مثلا السرقة: «نكالا من الله، إن الله عزيز حكيم». فيه: بعدا. قال: «والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزان بما كسب نكالا من الله، والله عزيز حكيم». فإن تاب من بعد ذلك وأصلح، فإن الله غفور -الآية-. جماعة نعم، فإن تاب إذا كأصلح، فإن الله غفور رحيم. الشاهد: يقولون: ماذا في مثل هؤلاء؟ يقولون في مثل هؤلاء: أنه ماذا؟ أنه مؤمن. يأتوني إلى الزنا، وقد قال الله عز وجل في الزنا ما قال. كذلك يقولون: بأنه ماذا؟ هؤلاء إيمانهم كامل الإيمان. هؤلاء إيمانهم كاملون الإيمان. قد ذكر وثبت عن أبي حنيفة -أو ذكر بعضهم- أنه قد ثبت عن أبي حنيفة: أنه مر بسكران، فقيل له: أمؤمن هذا؟ فقال: «إيمانك إيمان جبريل». وهو كان من مرجئة الفقهاء. من مرجئة الفقهاء. فشهد أن هذا القول من هذا الباب: فيه ماذا؟ فيه تضييع لهذا الباب تماما. الوعيد الذي قال نبينا صلى الله عليه وسلم في هؤلاء العصاة كله لا عبرة به. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليها أبصارهم وهو مؤمن». وهؤلاء يقولون: بلى هو مؤمن. وأي إيمان الإيمان الذي يمدح صاحبه؟ فهذا من المنازع -كما ترون- لكتاب الله جل وعلا، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بمكان. فإذن هؤلاء ضيعوا هذا الباب تماما. أنت مؤمن: لا يضر مع الإيمان معصية. لا يضر مع الإيمان معصية. ثم قالوا: كما لا تنفع مع الكفر طاعة. قياس باطل. قياس باطل؛ لأنه إذا وقد الكفر، فإنها لا تنفع الأعمال. أما إذا وقد الإيمان: فالمعاصي تؤثر في الإيمان؛ لأن الإيمان شعب. الإيمان شعب، كما قال النبي رسول الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون، وفي رواية: وسبعون شعبة». وهي التي يرجعها العلامة الألباني رحمه الله تعالى يقول: أن هي الأصوب: «بضع وسبعون شعبة». بضع وسبعون شعبة. أين هؤلاء الشعب عند هؤلاء؟ ماذا هم؟ سواء عند هؤلاء. هم سواء. قال رحمه الله تعالى: «ولا شك أن الإرجاء بهذا المعنى كفر يخرج صاحبه من الملة؛ فإنه لا بد في الإيمان من قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالأركان. فإذا اختل واحد منها، لم يكن الرجل مؤمنا». أي: لا بد إذن في الإيمان من قول اللسان وعمله، ومن قول القلب وعمله. إذن الإيمان حقيقة مركبة -كما يقول أهل السنة والجماعة- من قول القلب وعمله، وكذلك من قول الجوارح وعملها. من قول الجوارح وعملها. فالإيمان: قول باللسان، واعتقاد بالجنان، وعمل بالجوارح والأركان. يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. وسأتي لهذا بإذن الله عز وجل مزيد كلام في باب خاص، أو في فصل خاص في الكتاب بإذن الله عز وجل. وإنما المراد هاهنا: بيان وسطية أهل السنة والجماعة بين هذه الفرق. قال رحمه الله تعالى: «وأما الإرجاء الذي نسب إلى بعض الأئمة من أهل الكوفة، كأبي حنيفة وغيره، وهو قولهم: إن الأعمال ليست من الإيمان». ولكنهم مع ذلك يوافقون أهل السنة والجماعة على أن الله يعذب من يعذب من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم منها بالشفاعة وغيرها. وعلى أنه لا بد في الإيمان من نطق باللسان. وعلى أن الأعمال المفروضة واجبا يستحق تركها الذنب والعقاب. فهذا النوع من الإرجاء ليس كفرا، وإن كان قولا باطلا مبتدعا؛ لإخراجهم الأعمال عن الإيمان. كما ذكرنا: أن غلاة المرجئة كفار. غلاة المرجئة كفار، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في المجلد السابع من مجموع الفتاوى. وأما مرجئة الفقهاء: فإنهم ليسوا بكفار، وإن كانوا قالوا قولا باطلا، ومنكرا، وبدعة لم يقل بها أحد، ولم يدل عليها دليل لا من قريب ولا من بعيد. وكما يقال: بالشيء يذكر الأشعرية في هذا الباب، في باب الإيمان. الأشعرية -أو الأشعرية في هذا الباب في باب الإيمان- له قولان. قول يوافق فيه أهل السنة، وقد ذهب إليه بعض أصحابه. وقول: أن الإيمان هو مجرد تصديق القلب ومعرفته. فتارة يقولون: كقول جهم. وتارة يقولون: هو التصديق، وهو قول جمهور الأشاعرة، وهو قول جمهور الأشاعرة. ولهذا عدهم أهل المقالة في المرجئة. ولهذا عدهم أهل المقالة في ماذا؟ في المرجئة. أي: اشتهر عنهم القول الثاني. لكن تارة يقولون: بأن الإيمان هو المعرفة، كقول الجهمية. وتارة أخرى يقولون: هو التصديق. يقولون: هو التصديق. فهم يقولون بأقوال بأقوال ماذا؟ بأقوال المرجئة. قال رحمه الله تعالى: «وأما الوعيدية». وأما الوعيدية: الطائفة الأولى سموا ماذا؟ مرجئة. والطائفة الثانية سموا ماذا؟ وعيدية. لماذا وعيدية؟ لأنهم غلوا في إثبات الوعيد. الطائفة الأولى جفوا في إثبات الوعيد. فقالوا: لا يضر مع الإيمان معصية. إذن لا يصل الذنب، ولا العقوبة لمن كان مؤمنا، ولو فعل من الفواحش والظلم والجور ما فعل. الطائفة الأخرى وعيدية: لماذا قيل لها وعيدية؟ لأنهم غلوا في باب ماذا؟ في باب الوعيد. فنسب إليهم هذا الأمر. قال: فهم القائلون بأن الله يحب، أن الله يجب عليه عقلا أن يعذب العاصي، كما يجب عليه أن يثيب المطيع. فمن مات على كبيرة ولم يتب منها، لا يجوز عندهم أن يغفر الله له. ومذهبهم باطل، مخالف الكتاب والسنة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. وقد استفاضت الأحاديث في خروج عصاة الموحدين من النار، ودخولهم الجنة. قال: وأما الوعيدية: فهم القائلون بأن الله يجب عليه عقلا يجب عليه عقلا أن يعذب العاصي، كما يجب عليه أن يثيب المطيع -كما ذكرنا-. ومر معنا: أن هؤلاء قاسوا ربهم جل وعلا على خلقه. فهم في هذا الباب ماذا؟ ممثلة في باب أفعال الله جل وعلا ممثلة. لذا قالوا: ما يجب على العبد وجب على الله. وما جاز للعبد جاز في حق الله. وهو امتنع في حق العبد، امتنع في حق الله جل وعلا. إذن هم ممثلة في باب أفعال الله جل وعلا. لذا قالوا بهذه المقالة. قالوا: بأنه يجب على الله يجب على الله. انظر: من الذي أوجب على الله؟ هم الذين أوجبوا على ربهم جل وعلا. وكفى هذا إساءة أدب مع ربهم جل وعلا. كفى بهذه المقالة ما فيها من إساءة الأدب مع الله جل وعلا؛ لأنهم يوجبون على ربهم جل وعلا يوجبون على ربهم جل وعلا أن يفعل شيئا، وأنه إذا فعل خلافه فهو ظالم -والعياذ بالله-. وأنه يجب عليه وجوبا لا من باب الفضل، ولا من باب العدل، لا يجب عليه وجوبا يجب عليه وجوبا أن يفعل ما يفعل، وإلا كان ظالما -والعياذ بالله-. لذا قالوا: من مات على كبيرة ولم يتب منها، لا يجوز عندهم أن يغفر الله له؛ لأن الإيمان عندهم يوجد جملة، أو يفقد جملة. هذا هو سر المسألة. سر المسألة بين الخوارج والمرجئة -أو قل- سر الفرق أو المسألة بين أهل السنة والجماعة، الفرقة الوسط، وبين ماذا؟ وبين الوعيدية، وبين المرجئة: هو أن المرجئة والوعيدية لم يتصور من الإيمان إلا حقيقة واحدة مركبة لا تتجزأ. الإيمان عندهم لا يتجزأ، ولا يتبعض. لا يتجزأ، ولا يتبعض، بمعنى: إما أن يوجد جملة، وإما أن ينفى ماذا؟ جملة، جملة واحدة. لذا قال المرجئة: ماذا؟ نظر فيمن شرب خمرا، هل يكفر بذلك؟ يقولون: الدليل دل على أنه ماذا؟ لا يكفر. السارق، الزاني إلى غير ذلك: دل على أنه توعد بوعيده، ولكنه ماذا؟ لا يكفر. واضحة جماعة. قالوا: إذن ماذا؟ لا يضر مع الإيمان ماذا؟ معصية. لماذا؟ لأن الإيمان عندهم حقيقة مركبة، والناس فيها سواء. والناس فيها ماذا؟ سواء. واضحة جماعة. الوعيدية: نظروا إلى أدلة الوعيد. من فعل كذا فليس بمؤمن. من فعل كذا: قتال المؤمن، سباب المسلم فسوق، وقتاله ماذا؟ كفروا. نظروا إلى هذه الأدلة، فقالوا: ماذا؟ قالوا: إذن من فعل هذه الأفعال من الكبائر ليس بمؤمن. لماذا؟ لأن الإيمان حقيقة واحدة لا يتجزأ. فلا يتأتى وجود إيمان مع وجود هذه المعاصي. إذا وجدت المعاصي سقط الإيمان. واضحة جماعة. أولئك يقولون: إذا وجد الإيمان سقطت المعاصي. لا يضر مع الإيمان ماذا؟ معصية؛ لأن الإيمان شيء واحد مركب، شيء واحد مركب يوجد جملة، أو يذهب ماذا؟ جملة. واضحة جماعة. كما ذكر رحمه الله تعالى: فالحاصل أن سبب قولهم هذه المقالة هي هذه الفتنة التي فتنوا فيها، وأنهم لم يفهموا من الإيمان إلا أنه شيء واحد يذهب جملة، أو يبقى جملة. لذا كانوا طرفين. قال رحمه الله تعالى: «فمن ذهبوا إلى السنة والجماعة وسط بين نفاة الوعيد من المرجئة، وبين موجبيه من القدرية». فمن مات على كبيرة عندهم، فأمره مفوض إلى الله. إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه، كما دلت عليه الآية السابقة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. قال رحمه الله: «وإذا عاقبه بها، فإنه لا يخلد خلود الكفار، بل يخرج من النار، ويدخل الجنة يوما من الدهر، ولا بد أن يخرجه الله جل وعلا من النار، ويدخل الجنة، كما دلت على ذلك النصوص، كما دلت على ذلك النصوص». من أن الله جل وعلا يخرج من النار يخرجوا من النار أقواما، وأقواما، وأقواما، وأقواما، بعد ماذا؟ بعد ما صاروا حمما، وصاروا فحما. يخرجهم الله جل وعلا إلى الجنة. يخرجوا من النار، فيدخلهم الجنة. فهذا هو الحق في هذه المسألة. وسيأتي معنا بإذن الله عز وجل فصل خاص. وإنما المقصود: بيان وسطية أهل السنة والجماعة بين هؤلاء وهؤلاء، بين وسطية السنة والجماعة بين هؤلاء وهؤلاء. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله: «وفي باب أسماء الإيمان إلى آخره». كانت مسألة الأسماء والأحكام من أول ما وقع فيه النزاع في الإسلام بين الطوائف المختلفة. وكان لأحداث السياسة والحروب التي جرت -وكان لأحداث السياسة والحروب التي جرت- بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما في ذلك الحين، وما ترتب عليها من ظهور الخوارج والرافضة والقدرية: أثر كبير في ذلك النزاع. والمراد بالأسماء هنا: أسماء الدين، مثل مؤمن ومسلم وكافر وفاسق إلى آخره. والمراد بالأحكام: أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة. فالخوارج -قوله رحمه الله تعالى- في أسماء الإيمان: وكما ذكر رحمه الله تعالى: أن هذه المسألة هي أول مسألة التي وقع فيها نزاع في هذه الأمة. أول مسألة مطلقا وقع فيها النزاع في هذه الأمة في هذه المسألة: مسألة الأسماء والأحكام. الأسماء والأحكام. فالأسماء -كما ذكر رحمه الله تعالى- هنا: أسماء الدين، مثل مؤمن ومسلم وكافر وفاسق إلى غير ذلك. والأحكام: المراد بالأحكام أحكام أصحابها في الدنيا والآخرة، بمعنى أن من فعل كبيرة ما حكمه؟ يحكم عليه. ظهرت تلك الفتنة: أنه يقال بأنه ماذا؟ بأنه كافر. على يد من؟ على يد الخوارج. ظهرت هذه المقالة حينما حصل بين علي رضي الله عنه ومعاوية رضي الله عنه في قصة التحكيم. في قصة التحكيم لما حكم رضي الله عنهما المحكمين في هذه القضية حقنا لدماء المسلمين. قالوا هؤلاء الخوارج: قالوا: «حكم الرجال حكم الرجال، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. إن الحكم إلا لله. إذن حكم الرجال، والله جل وعلا يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. إذن من حكم الرجال فهو ماذا؟ فهو كافر. ومن رضي بتحكيم الرجال فهو ماذا؟ فهو كافر. إذن علي ومعاوية كفار عند هؤلاء. ومن رضي بحكم علي ومعاوية -أي من الجيشين والطرفين- فهم كذلك ماذا؟ كفار. فكفروا جميع الصحابة. وإذا كفروهم: سلبوا عنهم اسم ماذا؟ الإيمان. واضحة جماعة. أول فتنة: هذه التسمية سلبوا عنهم اسم الإيمان بمجرد ماذا؟ بمجرد المعصية. فرض؛ لأنها معصية، وإلا فإنها ليست معصية. واضحة جماعة. ثم تفرع على هذا الأمر الذي هو التسمية: الحكم عليهم الأخروي. الحكم عليهم في الدنيا، وفي الآخرة. في الدنيا، وفي الآخرة: ما أحكوا في الدنيا؟ هل دماؤهم حلال أم ليست بحلال؟ وفي الآخرة: هل هم من أهل الجنة أو من أهل النار؟ واضحة جماعة. أما إذا معنا التسمية: هذا هو المراد. ظهرت في زمان الخوارج حينما سلبوا عن هؤلاء اسم الإيمان، وسموهم باسم الكفار. ثم بعد ذلك ظهر في زمن المعتزلة، وفي زمن واصل بن عطاء: التسمية الثانية. وهي القول بأنهم في منزل بين ماذا؟ بين منزلتين. لا مؤمنين، ليسوا بالمؤمنين، ولا كفار، ليسوا بالمؤمنين، ولا كفار. حينما سأل سائل الإمام الحسن البصري، فقال له: قاتل النفس، أو مرتكب الكبيرة: هل هو مؤمن أم هو كافر؟ هل هو مؤمن أم هو كافر؟ فانبرى له واصل بن عطاء، وكان في حلقة الحسن، فقال: لا مؤمن، ولا كافر، بل هو بمنزل بين ماذا؟ بين منزلتين. هذا في ماذا؟ في التسمية. واضحة يا جماعة. ليس بمؤمن، لا نسميه مؤمنا، ولا نسميه كذلك ماذا؟ كافر. ماذا نسميه؟ قال: بمنزلتين، بين منزلتين. ومعنى منزل بين منزلتين: أطلقوا عليه فيما بعد بأنه ماذا؟ بأنه فاسق. يقال له بأنه ماذا؟ فاسق. فلا يقال بأنه مؤمن، ولا يقال بأنه كافر، بل يقال بأنه فاسق. هذا في الدنيا. وماذا يترتب عليه من الأحكام في الأخرى؟ يترتب عليه من الأحكام في الأخرى: بأنه خالد مخلد في نار جهنم. خالد مخلد في نار جهنم. قال رحمه الله: «فالخوارج الحرورية والمعتزلة ذهبوا إلى أنه لا يستحق اسم الإيمان إلا من صدق بجنانه، وأقر بلسانه، وأقام بجميع الواجبات، وقام بجميع الواجبات، واجتنب جميع الكبائر». فمتكب الكبيرة عندهم لا يسمى مؤمنا باتفاق بين الفريقين -أي خوارج المعتزلة-. ولكنهم اختلفوا: هل يسمى كافرا أو لا؟ فالخوارج يسمونه كافرا، ويستحلون دمه وماله. ولهذا كفروا عليا ومعاوية وأصحابهما، واستحلوا منهم ما يستحلون من الكفار. وأما المعتزلة: فقالوا: إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان، إن مرتكب الكبيرة خرج من الإيمان، ولم يدخل في الكفر. فهو بمنزلة بين المنزلتين. وهذا أحد الأصول التي قام عليها مذهب الاعتزال. واتفق الفريقان أيضا على أن من مات على كبيرة ولم يتوب منها، فهو مخلد في النار. فوقع الاتفاق بينهما في أمرين: أولا: نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة. ثانيا: خلوده في النار مع الكفار. ووقع الخلاف أيضا في موضعين: أحدهما: تسميته كافرا. الخوارج يقولون: مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن، فما هو إذن؟ يقولون: فهو كافر. واضحة جماعة. لا يقولون بأنه كافر. المعتزلة يقولون: ليس بمؤمن، فما هو إذن؟ يقولون: هو بمنزلة بين منزلتين، بمنزلة بين منزلتين. وهذا الأصل هو أول أصول المعتزلة. وهذا الأصل هو أول أصول المعتزلة الخمسة التي بنى عليها المعتزلة أصولهم. قال رحمه الله: «وأما المرجئة فقد سبق بيان مذهبهم». وهو أنه لا يضر مع الإيمان معصية. فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان. ولا يستحق دخول النار. فمذهب أهل السنة والجماعة: قوله: «أما المرجئة فقد سبق بيان مذهبهم، وهو أنه لا يضر مع الإيمان معصية». فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن، وأي إيمان؟ كامل الإيمان. وفي الآخرة لا يستحق دخول النار، بل يدخل جنة بإيمان. فهو مؤمن في الدنيا، ومن أهل جنة في ماذا؟ في الآخرة. فالله قال: «فمذهب أهل السنة والجماعة وسط بين هذين المذهبين». فمرتكب الكبيرة عندهم مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص من إيمانه بقدر مرتكب من معصية. فلا ينفون عنه الإيمان أصلا كالخوارج والمعتزلة. ولا يقولون بأنه كامل الإيمان كالمرجئة الجهمية. وحكمه في الآخرة عندهم: أنه قد يعفو الله عز وجل عنه، فيدخل الجنة -كما سبق-. وهذا الحكم أيضا وسط بين من يقول بخلود في النار، وبين من يقول: إنه لا يستحقه على المعصية حقابا. فأهل السنة والجماعة -كما تقدم- في باب الوعيد، كذلك في باب الأحكام: يقولون في باب الأحكام: أن من ارتكب كبيرة من الكبائر، فإنه يسلب عنه وصف الإيمان الكامل. يسلب عنه وصف الإيمان الكامل. فلا يكون ماذا؟ من أهل الإيمان الكامل. ولا يكون كذلك ماذا؟ بذلك أو بتلك المعصية لا يكون مؤمنا. بل هو مؤمن بإيمانه، وفاسق بماذا؟ بمعصيته. مؤمن بإيمانه، وفاسق بماذا؟ بمعصيته. أو يقال بأنه مؤمن ناقص الإيمان. مؤمن ناقص الإيمان. إذن مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة: يسلب عنه إيمان، ويثبت له إيمان. يسلب عنه إيمان الذي هو الإيمان الكامل الذي يمدح عليه صاحبه. ويثبت له إيمان هو أصل الإيمان الذي يفرق بينه وبين الكافر. واضحة جماعة. فأهل السنة والجماعة في هذا الباب: بين هؤلاء وبين هؤلاء. لم يقولوا كما قال الوعيدية من الخوارج والمعتزلة: بأن مرتكب الكبيرة ليس بمؤمن. بل يقولون بأنه ماذا؟ مؤمن بإيمانه. عنده أصل الإيمان. ولم يقولوا كما قالت المرجئة: أن إيمانه كامل كإيمان جبريل. بل يقولون: إن الإيمان الكامل الذي يمدح عليه صاحبه قد سلب عنه. سلب عنه بماذا؟ في تلك المعصية. قال النبي رسول الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». أي: مؤمن كامل الإيمان. «ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن». أي: مؤمن كامل الإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». ما معنى: يؤمن بالله واليوم الآخر؟ هل معنى: أن من لم يقل خيرا يكون كافرا؟ الجواب ماذا؟ الجواب: لا. الجواب: معنى هذا الحديث: أن من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إيمانا تاما كاملا، فليقل خيرا أو ماذا؟ أو ليسكت. قال النبي صلى الله عليه وسلم كذلك: «في الإسلام: المسلم من سلم المسلمون من ماذا؟ من لسانه ويده». المسلم: ما المراد بالمسلم هاهنا؟ المسلم الكامل. المسلم الكامل. معناه: أن من لم يسلم المسلمون من لسانه ويده، فهو ماذا؟ ليس مسلما كاملا في إسلامه. ولكنه نقص من إسلامه بقدر ماذا؟ بقدر مخالفته. واضحة جماعة. فيسلب عنه الوصف الذي يمدح عليه صاحبه. الذي قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾. أولئك هم المؤمنون ماذا؟ حقا. أي: المؤمنون الذين يستحقون المدح، ويستحقون السناء، ويستحقون الإكرام، ويستحقون التفضيل. وليس معنى هذا: أن غيرهم ليس بمؤمن. ولكن يسلب عنه هذا الوصف -أي الإيمان الكامل-. إذن أهل سنة والجماعة في هذا الباب: بين هؤلاء وبين هؤلاء. بالنسبة للأحكام، وفي الدنيا، في أحكام الدنيا: كذلك يقولون: هذا ماذا؟ هذا فاسق بمعصية. فلا يجعلون الناس سواء: من كان من أهل الطاعات، ومن كان من أهل المعاصي. بل يكون فيه من الولاء والبراء بحسب طاعة المطيع، وبحسب معصية ماذا؟ المعاصي. ثم في الآخرة: ما حكمه في الآخرة؟ حكمه تحت مشيئة الله جل وعلا. إن شاء غفر له، فأدخله الجنة دخولا أوليا بفضل الله جل وعلا وكرمه. وإن شاء ماذا؟ عذبه. وإذا عذبه لم يخلدهم؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. والله أعلى وأعلم. قال: قوله: «وفي أصحاب رسول الله إلى آخره». المعروف: أن الرافض قبحهم الله يسبون الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويلعنونهم، وربما كفروهم، أو كفروا بعضهم. والغالبية منهم: مع سبهم لكثير من الصحابة والخلفاء يغلون في علي وأولاده، ويعتقدون فيهم الإلهية. وقد ظهر هؤلاء في حياة علي رضي الله تعالى عنه: بزعامة عبد الله بن سبأ، الذي كان يهوديا، وأسلم، وأراد أن يكيد للإسلام وأهله -كما كاد اليهود من قبل للنصرانية، كما كاد اليهود من قبل للنصرانية وأفسدوها على أهلها-. وقد حرقهم علي بالنار لإطفاء فتنتهم. قوله عنه في ذلك: قوله: «لما رأيت الأمر أمرا منكرا أججت ناري ودعوت قنبرة». أججت ناري، ودعوت قنبرة. قال رحمه الله تعالى: «وفي أصحاب رسول الله». أي: حكم أهل السنة والجماعة، ووسطية أهل السنة والجماعة في باب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: بين الرافضة وبين الخوارج. الرافضة قبحهم الله: كفروا جميع الصحابة، وغلوا في ماذا؟ وغلوا في أهل البيت. ظلموا في أهل البيت. أما بقية الصحابة: فكفروهم. لماذا كفروهم؟ قالوا: لأنهم انتزعوا الخلافة عن علي رضي الله عنه وأرضاه، وهو أحق الناس بالخلافة، وهو أحق الناس بالخلافة: كذبا وزورا وبهتانا. وإلا فإن عليا رضي الله عنه وأرضاه: هو ممن بايع لهؤلاء الأئمة قبله: لأبي بكر، ولعمر، وشهد لهما بالفضل، وشهد لهما بالفضل. فالحاصل: أن هؤلاء كفروا من كفروا من الصحابة على حساب ماذا؟ على حساب الغلو في علي. فغلوا في علي حتى قالوا: أولا بأنه أحق الناس بالخلافة. حتى إذا استقر ذلك في أنفسهم، وما زالوا يغلون فيه حتى قالوا: إن عليا أحق بالنبوة أحق بالنبوة من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ثم قال قائل منهم: إن جبريل أخطأ في الرسالة، وإن الرسالة إنما كانت لمن؟ كانت لعلي. فأنزلها جبريل على محمد. قالوا: لماذا؟ قالوا: أنهما كانا متشابهين -كأنهما غرابين-. كأنهما غرابين: الإنسان إذا رأى غرابا وغرابا، هل يستطيع أن يميز بينهما؟ يقولون: كأنهما غرابين. فأنزلها جبريل على محمد

شاركنا على