شرح أعلام السنة المنشورة  81

شرح أعلام السنة المنشورة 81

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 81، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مسألة ذكر الرسل في القرآن

القرآن لم يذكر جميع الرسل بل بعضهم فقط، ونؤمن بالجميع إجمالًا وتفصيلًا لمن علمنا عنهم. يُفسر سبب ذكر بعض الأنبياء دون غيرهم.

خصائص وفوائد قصص القرآن

قصص القرآن من أصدق وأحسن القصص، وتحتوي على معاني عظيمة وأسلوب تربوي. الفائدة الرئيسية هي الاعتبار والاتعاظ بعقوبة الله للمكذبين.

الحكمة من ذكر أخبار الأنبياء والرسل

الله تعالى قص أخبار الأنبياء للاعتبار والتأسي بهم وتخليد ذكراهم. يُطلب من الله النفع بما قيل والصلاة على النبي وآله.

التفريغ النصي الكامل

نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: هل قصَّى الله جميع الرسل في القرآن؟ ربنا سبحانه وتعالى ذكر لنا في كتابه ما يتعلق بأنبيائه ورسله، لكن بقي هل من ذكرهم ربنا في القرآن هل هم هم جميع الرسل؟ فسأل المؤلف رحمه الله تعالى هذا السؤال: هل قصَّى الله جميع الرسل في القرآن؟ قال: قد قصَّى الله علينا من أنبائهم ما فيه كفاية وموعظة وعبرة، ثم قال تعالى: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلِ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾، قال: فَنُؤْمِنُ بِجَمِيعِهِمْ تَفْصِيلًا. إذن الجواب: لا، لم يذكر ربنا سبحانه وتعالى ما يتعلق بجميع الأنبياء ورسله، وإنما قال سبحانه: "ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل". هناك أنبياء ورسل قد ذكرهم لنا ربنا في كتابه: إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، ويوسف، ولوط، ويونس، ويوسف عليهم السلام، وغيرهم، هؤلاء جماعة من الأنبياء والرسل، ذكر لنا ربنا سبحانه وتعالى شيئًا عن أخبارهم، وشيئًا عن أمورهم، وما كان مع أقوامهم. وبالمقابل، قال: "ورسلا لم نقصصهم عليك"، ومن أنبياء الله لا علم لنا بهم، ما نعرف ما يتعلق بحياتهم وببعثتهم، وما كان من أسمائهم، وما كان من أمر دعوتهم، وكيف كانت قضيتهم مع أقوامهم، وبماذا انتهت، الله أعلم بهؤلاء، وهم الأكثر، أكثر الرسل وأكثر الأنبياء لم نعلم عنهم شيئًا؛ لأن الله لم يعطينا شيئًا من أخبارهم. إذن ما العمل؟ العمل: الذين قد علمنا من أخبارهم نؤمن بهم الإيمان التفصيلي، نؤمن بما جرى مع الأنبياء مع أقوامهم بالتفصيل الذي ذكره لنا ربنا في كتابه. وأما من لم نعلم عنهم شيئًا من حياتهم، فنؤمن بهم إجمالًا. وقد مر هذا معنا في أوائل مبحث الإيمان بالرسل: أننا نؤمن بهم جميعًا، من عرفناهم ومن لم نعرفهم، آمنا بالرسل بجميع الرسل جملة وتفصيلًا، لا نشك في ذلك، قيد أن له. لكن من علمنا من أخبارهم، فنؤمن بأخبارهم وما جرى مع أقوامهم، ولماذا ربنا سبحانه وتعالى ذكر البعض وترك البعض؟ عبر العلماء رحمهم الله تعالى ببعض العلل، إذ أن الله سبحانه وتعالى إنما ذكر لنا من الأنبياء من كانت لهم شهرة عند بني إسرائيل خاصة، لماذا؟ في قضية محاجاتهم بأنبيائهم. وقيل أيضًا: أن الله عز وجل اكتفى بذكر هؤلاء في كتابه، ولم يذكر كل نبي مع قومه؛ لأن من ذكرهم الله عز وجل هم من أكثر الأنبياء، كانت في حياتهم عبرة وعظة وكفاية، عظة وعبرة وكفاية، فنكتفي بهؤلاء عن من لم يذكرهم لنا ربنا سبحانه وتعالى. ولنعلم إخواني في الله كذلك: أن قصص الأنبياء الذين حكاها الله سبحانه وتعالى في كتابه تميزت بعدة أمور، تميزت بعدة أمور، فربنا كما قص لنا من أخباره بشيء الكثير، ومن أعظم ما تميزت به قصص القرآن خاصة: أن قصص القرآن إخواني في الله تعتبر من أصدق القصص، من أصدق القصص. ولهذا يقول ابن سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾، فما من قصة ذكرها لنا ربنا في كتابه، وخاصة ما كان من نبيه ورسوله ورسله، فهي من القصص الصادقة التي وافقت الواقع تمام الموافقة، ليس فيها كذب وليس فيها دجل حاشاه، ومن أصدق من الله حديثًا؟ فهي قصص حقيقية. وأريد بهذا المقام إخواني في الله أن ننبه إلى بعض الناس ممن تأثر ببعض الأفكار اللادينية، إذ أن بعضهم زعم أن الذي يذكره ربنا في كتابه من القصص أنها ليست تاريخية وليست حقيقية، وإنما هي تعتبر فن من الفنون، الخيال فن من فنون الخيال يذكرها لنا ربنا في كتابه حتى يكون فيها جذب الناس إلى القرآن وإلى الإسلام. ومن هنا دعا من دعا إلى مزاولة الفن اقتداء بهذا الفن الموجود، فن الخيال، وهذا نقول كما قال العلماء: كفر وردة، من شكك في قصص القرآن وزعم أنها من نسج الخيال وأنها نوع من أنواع الفنون وأنها ليست بقصص تاريخية، لا يا عبد الله، بل هي حقيقية تاريخية واقعية حصلت لكل نبي مع قومه. فمما تميزت به قصص الأنبياء أنها من أصدق القصص، وأيضًا مما تميزت به قصص القرآن، وخاصة ما كان من قصة كل نبي مع قومه: أن قصصهم تُعتبر من أحسن القصص، من أحسنها، كما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾. فمن أحسن القصص وحسنها يكمن في مبناها وفي معناها، فحسن القصة الموجودة في القرآن حسنها من جهة المبنى؛ إذ أن مبناها في غاية من الفصاحة وغاية من البلاغة، ما يمكن لأحد من المفكرين ولا من الكتاب ولا من الروائيين أن يكتب ويؤلف كقصص القرآن المذكورة في كتاب الله، فهي من أحسن القصص بلاغة وفصاحة. وهي كذلك من أحسن القصص في معناها؛ إذ أن فيها من المعاني العظيمة، دعك يا عبد الله ما يكتبه بعض القصاص ويأتون بقصص لربما إما ركيكة في مبناها أو ضعيفة في معناها، يريد أن يوصل معلومة لكن يضعف عن إيصالها بهذه القصة، لكن انظر لقصص القرآن تجد أنها من الحسن أن معناها من أفضل المعاني، من أفضل المعاني. كذلك مما تميز به قصص القرآن إخواني في الله: أنها تعتبر من أعظمها انتفاعًا، من أعظمها انتفاعًا، كما قال ربنا: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، عبرة يعتبر ويتعظ، ففي هذه القصص إخواني في الله أسلوب تربوي، يستفيد المسلم من هذه القصص ما يتعلق بماذا؟ ما يتعلق بأخلاقه، ما يتعلق بعقائده، ما يتعلق بأقواله، ما يتعلق بأفعاله وأعماله، يعتبر ويتعظ بقصص القرآن. فهذه من أعظم الخصائص التي تميزت به قصص القرآن، هذه الثلاث: أنها من أصدقها، ومن أحسنها، ومن أعظمها انتفاعًا. نأتي هنا إخواني في الله بما أن المؤلف رحمه الله تعالى تكلم عن قصص القرآن، ما الذي يستفيده المسلم من وجود هذه القصص في القرآن؟ ما الذي يعود عليه نفعه إلينا نحن؟ وما الذي يعود نفعه إلى رسول الله؟ ويقرأ هذه القصص الموجودة في كتاب الله سبحانه وتعالى. الأمور إخواني في الله والمنافع التي ينتفع بها الناس من وجود قصص القرآن، وخاصة قصص الأنبياء والرسل، كثيرة وكثيرة جدًا. ومن أعظمها: الاعتبار والاتعاظ، هذه أعظم فائدة قصص القرآن إخواني في الله، ليس وجودها وليست قراءتها إنما تكمن في باب الترفيه أو في باب التسلية أو ما يسمى بإشغال الأوقات، ليس هذا يا عبد الله هي الفائدة من قصص القرآن. وإنما الفائدة يا عبد الله أن تعتبر، أن تتعظ، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، يعتبر من كان ذا لب، من كان ذا عقل، يعتبر، تأمل يا عبد الله في أحوال الأنبياء مع أقوامهم، حين تعتبر كيف أن الله جل وعلا أهلك المكذبين، عذبهم في الدنيا قبل الآخرة، أهلكهم، ولا زالت هذه الأشياء والأحداث موجودة. ليس عندنا فقط كأهل الإسلام، بل ما من أمة، ما من ملة، إلا وجاءها شيء من هذه العظة والعبرة. انظر ما يتعلق بعقوبة الله لقوم نوح عندما كذبوا واستهزأوا به وأعرضوا عنه عن دعوته، ما الذي حق بهم؟ أرسل عليهم ربنا الطوفان الذي غمر الأرض، وما من أمة حتى الآن وهي تعترف بهذا، ليس عندنا فقط، عند اليهود يعترفون بالطوفان، وعند النصارى يعترفون بالطوفان، كلهم يعترفون، جعل الله آية وعبرة. وهكذا ما يتعلق بإغراق فرعون، متى أغرق فرعون؟ عندما تمرد وعصى، تمرد عن اتباع موسى عليه السلام، ونأى بجانبه، فأرسل الله عليه المياه فأغرق، ما غرق في أرض مصر إلا أن الله جعله عبرة لكل أهل زمان ومكان، حتى الآن إن ذهبت عند النصارى، اسألهم: أهذا عندكم إغراق فرعون؟ قالوا: نعم، نعرف هذا، سأل اليهود عن إغراق فرعون يقرون بهذا، ما أحد يكابر، هذه آيات جعلها ربنا عز وجل عبرة. فيعتبر الكافر بما حق بالكاذبين بأنبياء الله أن لا يصيبهم مثل ما أصابهم، وهكذا يا عبد الله العكس، ويعتبر أهل الإيمان، يعتبر بماذا؟ يعتبرون بحال المؤمنين الذين آمنوا برسل الله وصدقوهم واتبعوهم، كيف كانت لهم النجاة؟ نجاهم الله، وكان حقًا علينا نصر المؤمنين في تلك الأزمان، لا في تلك الأزمان، ومن سيأتي معهم من كان مصدقًا لنبيه، فإن الله ينجيه، وكذلك ننجي المؤمنين. فأهل الإيمان لهم النجاة، أهل الإيمان لهم النصرة، هذا ما نستفيده من اعتبارنا بأحوال أنبياء الله ورسله، كيف كانوا مع أقوامهم؟ كانوا الناس على فرقين: فرقة كفرت أهلكها الله في الدنيا قبل الآخرة، وقسم آمن بالله ورسله فكان من أمرهم النجاة، هذا اعتبار. وهذا من أعظم ما يستفيده الناس من قصص الأنبياء في كتاب الله سبحانه وتعالى. زد أيضًا إخواني في الله مما نستفيده من قصص الأنبياء في كتاب الله: إثبات الرسالة لنبينا عليه الصلاة والسلام، فأين نبينا في عهده؟ وأين أزمان تلكم الرسل؟ بعضهم لربما كان بينه وبين رسول الله لا أقول عشرات السنين ولا مئات السنين، بل بآلاف السنين بينه وبين نبينا، ومع ذلك هاهو نبينا في زمنه يحكي قصة كل نبي بحذافيرها، بحذافيرها. حتى أن من كان في زمنه من اليهود والنصارى أقر بما يتلفظ به نبينا، من أين جاء هذا؟ من أين علم نبينا بتفاصيل قصة كل نبي؟ إبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، ولوط، ويوسف، وبينهم البون الشاسع، أحقاب طويلة من الأزمان، ما الذي أعلمه؟ وحي الله سبحانه وتعالى، فهذا في قصص القرآن إثبات لنبوة نبينا عليه الصلاة والسلام، كما قال ربنا: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾. وأيضًا إخواننا في الله مما يستفيده المسلم من قصص القرآن: إضاح الرسائل، نفهم إخواننا في الله بالأمس مر معنا مسألة: هل اتفقت الأنبياء في شيء؟ نعم اتفقت، ماذا؟ في وحدانية الله؟ في عبودية الله؟ من أين علمنا أنهم اشتركوا في هذا المبدأ؟ وذلك بما قد قصه الله سبحانه وتعالى علينا بما قصه الله سبحانه وتعالى علينا من أمرهم، علمنا ما كان من أصولهم وما كان من اعتقاداتهم التي اشتركوا بها. وأيضًا إخواني في الله مما يستفيده المسلم: تثبيت الفؤاد وتثبيت القلب، ولهذا ربنا عز وجل عندما ذكر قصص الأنبياء لرسوله عليه الصلاة والسلام قال سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فهذه عبرة إخواني في الله تثبيت الفؤاد. أنك يا عبد الله إذا واجهت في مأزق أو شيء تريد أن تثبت من إيمانك، تذكر بما كان من أنبياء الله ورسله، وكيف أن الله عز وجل جعل لهذا النبي من الابتلاءات، فحين تستشعر يا عبد الله بأنك لست الأوحد في هذا الطريق وفي هذا المضمار، فتتسلَّ يا عبد الله. فكلما أنت سلكت مضمار الدعوة ورأيت مثلًا من كان من أهل بيتك ومن قرابتك من نأى عن اتباعك، تعرف أن هذا قد وقع لنوح عليه السلام وللوط من أهل بيته. وإذا رأيت يا عبد الله أقوامك لربما آذوك وأعرضوا عنك، تتسلَّ بما كان من حال أنبياء الله ورسله مع أقوامهم، استهزأوا بهم وتطاولوا عليهم وهكذا. إخواني في الله فكان ذلك من أعظم ما يستفاد. وأيضًا إخواني في الله مما يستفيده الناس من قصص القرآن: أن في ذلك تخليد ذكراهم، وأيضًا إبقاء لآثارهم ومآثرهم تبقى، لو لم تذكر هذه القصص لنذرت أخبارهم، وما كان من فضائلهم، وما كان من محاسنهم، لما علمنا حينها صبر أيوب الذي يضرب به المثل في صبره. وما كان علمنا عفة يوسف عليه السلام بما آتاه الله من جمال ومن عظم البلاء الذي ابتلي به في باب الشهوات إلا أنه أعرض، أين نستفيد من ذلك؟ فوجود قصص القرآن هو تخليد آثارهم التي أبقاها الله سبحانه وتعالى لنا. وهكذا إخواني في الله الشيء الكثير يذكره العلماء رحمهم الله تعالى في هذا الموطن في الحكمة أن الله سبحانه وتعالى قص علينا من أخبار بعض الأنبياء والرسل، وذلك للاعتبار والاتعاظ والتخليد ذكراهم، وهكذا التأسي بهم والتسلي بما كانوا عليه، وغير ذلك من الحكم الكثيرة. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.