كتاب البيوع 81

الدرس في كتاب البيوع 81، ألقاها

أحكام الوصية في الإسلام وتفاصيلها

الوصية في الإسلام لها خمسة أحكام تختلف حسب الجهة والمتعلق ومقتضيات الوصية. الوصية الواجبة تكون لحفظ حقوق الغير، والمستحبة تكون بالثلث أو أقل دون إضرار بالورثة.

مسائل فقهية متعلقة بالوصية والرجوع عنها

تناول المقطع تحريم الوصية لوارث إلا بإجازة الورثة، وحرمة الوصية المحرمة، وإجازة الرجوع عن الوصية، وولاية الموصى له على أولاد الموصي. كما ناقش تعدد الوصايا لشخصين مختلفين.

شروط صحة الوصية لمن تصح إليه

تصح الوصية إلى الرجل العاقل المسلم الحر العدل، ولا تصح إلى مجنون أو طفل أو سفيه أو كافر. كما تصح الوصية إلى المرأة العاقلة الرشيدة وإلى الأعمى لتمكنه من التوكيل.

ختام درس الوصايا والانتقال إلى كتاب الفرائض

تم الانتهاء من مسائل الوصايا وسيتم الانتقال إلى كتاب الفرائض في الدرس القادم بإذن الله. الدرس تم اختتمه بالذكر والتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله كثيرًا مباركًا فيه، من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، ما زلنا في باب الوصايا، ونأخذ فيها الدرس بإذن الله عز وجل. تتمة لمسائل هذا الباب، المسألة الحادية والعشرون: حكم الوصية. ذكر طائفة من العلماء بأنها تدور بحسب جهاتها ومتعلقاتها ومقتضياتها وما يترتب عليها إلى خمسة أحكام، هي: إما واجبة، وإما مستحبة، وإما مكروهة، وإما محرمة، وإما مباحة. فالواجبة: ما يترتب عليها فوات حقوق الغير، حقوق للغير ليست عليها بينات، ونحو ذلك. أي: ليس عليها بينات، ليس هناك شهود أو مستندات أو أوراق تثبت أن لذلك الغير حقًا، وذلك يؤدي إلى ضياع حق ذلك الغير، ولا سيما إذا كان ذلك الغير هو نفسه أيضًا لا يدري، أو كان يدري ونسي ما له من الحق عند ذلك الغير. فالحاصل أن مثل هذا، أي: ما يكون سببًا لفوات حق الغير، تكون وصية به واجبة؛ لأن به يثبت الحق لذلك الغير، وبه تبرأ ذمة ذلك الذي عليه الحق. والمستحبة: فيما كانت بالثلث فما دون، بغير إضرار بالورثة، بأن يبقى لهم الكثير. عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: «لو أن الناس وضعوا عن الثلث، لكان خيرًا»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الثلث، والثلث كثير». المباحة: فيما كانت بالثلث، فيما دون، بغير إضرار بالورثة، يكون حكمها كحكم الصدقة بعد الموت. هذه تكون من الصدقات، حكمها كحكم الصدقة بعد الموت، فيكون مما قرب الميت لله عز وجل، قربة منه إلى ربه عز وجل، عسى أن ينفعه الله جل وعلا به غدًا، إذا وقف بين يدي الله جل وعلا، فهي مستحبة بهذا الاعتبار، ما لم يكن فيها ضرر على أحد من الورثة. والنوع المكروه: تكره من فقير، وارثه محتاج، أي: يكون ورثته محتاجين، ما عندهم إلا الشيء اليسير، ومع هذا يخرج الثلث. فبعض أهل العلم ذهب إلى أن هذه الوصية مكروهة؛ لأن الأولى أن يغني ورثته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم فقراء يتكففون الناس». فإغناء الورثة أولى في مثل هذا. والنوع الخامس هو المحرم: بأن يوصي بأكثر من الثلث، أو لوارث، أي: بمعنى إما أن يوصي بأكثر من الثلث، كأن يوصي مثلًا بالنصف، بالثلثين، وما شابه ذلك. هذا لا يجوز؛ لأن الوصية يجب أن تكون، أي: أعلى حد لها، أن تكون بالثلث فما دون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم -كما جاء في حديث سعد- قال: «الثلث، والثلث كثير». وكما جاء في الحديث الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أوصى لرجل مات وترك ستة عبيد، وليس له مال إلا هم، أقرع بينهم النبي صلى الله عليه وسلم، وجعل للورثة الثلثين، وأخرج الثلث: عبدان. قالوا: المحرم بأن يوصي بأكثر من الثلث، أو لوارث، ما لم تجز الورثة، أي: الوارث لا يجزئ الوصية لوارث. قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا وصية لوارث». فمن أوصى لوارث، فقد وقع في مخالفة نهي النبي صلى الله عليه وسلم. لكن بعض أهل العلم قالوا: إذا أجاز الورثة تلك الوصية، باعتبار أنه حق لم ينازل عنه، فهذا لا بأس به. قال: أو يوصي بأشياء محرمة، أو يوصي بأشياء محرمة من البدع، أو آلة له المحرمة، ونحوها. هذه كذلك وصية محرمة. والوصية المحرمة لا تنفذ، الوصية المحرمة محرمة فاسدة باطلة لا تنفذ، ويكون صاحبها آثمًا. المسألة الثانية والعشرون: أجمع أهل العلم على أن للموصي أن يرجع عن جميع ما أوصى به، وفي بعضه، إلا الوصية بالإعتاق، أي: وقع فيها الخلاف، والأكثر على جواز الرجوع في الوصية به أيضًا. روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «يغير الرجل ما شاء من وصيته». وبه قال عطاء، وجابر بن زيد، والزهري، وقتادة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الشعبي، وابن سيرين، وابن شبرمة، والنخعي: «يغير منها ما شاء إلا العتق؛ لأنه اعتاق بعد الموت، فلم يملك تغييره كالتدبير». والصحيح الأول؛ لأنها وصية، فملك الرجوع عنها كغيرها من العتق. ولأنها عطية تنجز بالموت، فجاز له الرجوع عنها قبل تخييرها. والله أعلم. المسألة الثالثة والعشرون: إذا أوصى رجل إلى رجل، فجعل له التصرف بعد موته فيما كان له من التصرف، فيما كان له من قضاء ديونه، أو قضائها، ورد الودائع، واستردادها، وتفريق وصيته، والولاية على أولاده الذين له الولاية عليهم، من الصبيان، والمجانين، ومن لم يؤنس رشده، والنظر لهم في أموالهم بحفظها، والتصرف فيها بما لهم الحظ فيه. فأما من لا ولاية له عليهم، كالعقلاء الراشدين، وغيرهم من أولاده، من إخوة، وأعمام، وسائر من على الأولاد، فلا تصح الوصية عليهم؛ لأنه لا ولاية للموصي عليهم في الحياة، فلا يكون ذلك لنائبه بعد الممات. قال ابن قدامة: «ولا نعلم في هذا كله خلافًا». وبه يقول مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد كذلك، إلا أن أبا حنيفة، والشافعي قالا: يرث ولاية على ابن ابنه، وإن سفل؛ لأنه له ولاية وتعصيب، فأشبه الأب. وللشافعي في الأم، عند عدم الأب والجد، وجهان: أحدهما: أن لها ولاية؛ لأنها أحد الأبوين، فأشبهت الأب. المسألة الرابعة والعشرون: إذا أوصى لرجل، ثم أوصى لرجل، فهما وصيان، إلا أن يقول: قد أخرجت الأول، أو قد عزلته. فإن كانت الوصية لهما جميعًا، فلا ينصرف، أو فلا يتصرف أحدهما إلا بإذن الآخر؛ لاشتراكهما في الوصية، أي: أنهم مشتركان في هذه الوصية، كلاهما صار وصيًا. وإذا كانا وصيين، فلا يتصرف أحدهما إلا بإذن الآخر. قالوا: للشراكة في الوصية. فإن أوصى لهما جميعًا، وجعل لكل واحد منهما التصرف منفردًا، فيقول: أوصيت إلى كل واحد منكما أن ينفرد بالتصرف. فكل واحد منهما يتصرف منفردًا. قال ابن قدامة: «وهاتان الصورتان لا أعلم فيهما خلافًا». بمعنى أنه إذا أطلق، قال: فلان وفلان وصيان، أو قال: أشركتهما في الوصية فقط، فها هنا لا يصح تصرف أحدهما إلا بتصرف، أو إلا بإذن الآخر. وإن قال: قد أوصيت لكما، ولكل واحد منكما أن يفعل ما يراه حسنا دون الرجوع إلى صاحبه، أو ما شابه ذلك، فكانت وصية صحيحة ونافذة. المسألة الخامسة والعشرون: شروط من تصح إليه الوصية، ومن لا تصح. قال العلماء رحمهم الله تعالى: تصح الوصية إلى الرجل العاقل المسلم الحر العدل، إجماعًا. أي: أن يكون رجلًا، أن يكون عاقلًا، أن يكون مسلمًا، أن يكون حُرًا، أن يكون عدلًا. وهذه شروط كما ذكر مجمع عليها. ولا تصح إلى مجنون، ولا طفل، ولا سفيه، ولا وصية مسلم إلى كافر، بغير خلاف. هذه أيضًا لا خلاف فيها؛ لأن المجنون والطفل ليس من أهل التصرف في أموالهما، فلا يليان على غيرهما من باب أولى. وكذا السفيه، والكافر ليس له ولاية على مسلم؛ ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾. قال: وتصح الوصية إلى المرأة العاقلة الرشيدة، في قول أكثر العلماء. وقال عطاء: لا تصح؛ لأنها لا تكون قاضية، فلا تكون وصية كالمجنون. والراجح الأول؛ لما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه أوصى إلى حفصة رضي الله عنها. ولم يعلم له مخالف، يكون كالإجماع بين الصحابة رضي الله عنهم. ولأنها من أهل الشهادة، فأشبهت الرجل. وتخالف القضاء؛ فإنه يعتبر له الكمال في الخلقة والاجتهاد، بخلاف الوصية. وتصح الوصية للأعمى. وقال أصحاب الشافعي: فيه وجه أنه لا تصح الوصية إليه؛ بناء منهم على أنه لا يصح بيعه، ولا شراؤه، فلا يوجد فيه معنى الولاية. والصحيح: صحتها؛ لأنه يمكنه التوكيل في ذلك، وهو من أهل الشهادة والولاية في النكاح، والولاية على أولاده الصغار، فصح التوصية إليه كالبصير. المسألة السادسة والعشرون: هل يعتبر وجود هذه الشروط في الوصية حال العقد والموت، أو بعد الموت؟ ذهب بعض الحنابلة إلى أن المعتبر حال العقد وبعد الموت. وذهب آخرون منهم إلى أن المعتبر حال الموت كالوصية له. قال الأول: بل المعتبر حال العقد؛ لأنها شروط لصحة وجودها كسائر العقد. وهذا من حيث النظر قوي. والله أعلم. بهذا نكون انتهينا من جملة من مسائل الوصايا، وننتقل بإذن الله جل وعلا إلى كتاب الفرائض فيما بعد ذلك في الدرس القادم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على