كتاب البيوع 28

الدرس في كتاب البيوع 28، ألقاها

مقدمة في شروط صحة السلم

درس يتناول شروط صحة السلم واختلاف العلماء في عددها، مع التركيز على الشرط الأول. يُوضح أن السلم لا يصح في المعاملات التي يدخلها الربا.

تفاصيل شروط صحة عقد السلم

ذكر شروط لصحة عقد السلم مثل أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفة، ومعرفة مقداره، وتأجيله إلى أجل معلوم، مع اختلاف العلماء في بعض التفاصيل.

تتمة الكلام عن شروط عقد السلم

تناول شروط صحة عقد السلم مثل أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله، وأن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد، مع اختلاف الفقهاء في بعض هذه الشروط.

رأي الجمهور في القبض الثاني في السلم وخاتمة

الراجح قول الجمهور بجواز تأخير القبض الثاني، مع الإشارة إلى انتهاء أهم مسائل السلم.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباراة فيك من يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم ما بعد، لقد تكلمنا في الدرس الماضي عن بعض المسائل المتعلقة بالسلم، وسنجمل اليوم بإذن الله عز وجل ما تيسر من ذكر شروط السلم ومسائل السلم. باب السلم واسع، ولو استرسلنا لأخذ وقتا طويلا، لكن كما سمعتم نأخذ جمل ذلك. أولى هذه المسائل التي سنتكلم عليها اليوم هي أن السلم لا يصح إلا بشروط. العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا في عدد هذه الشروط، فمنهم من ذكر ستة شروط، ومنهم من زاد شرطا سابعا، ومنهم من ذكر تسعة شروط، ومنهم من قال ليست إلا ثلاثة شروط. فنذكر بإذن الله جل وعلا الشروط التي تكاد تكون متفق عليها بين العلماء رحمهم الله تعالى. أولى هذه الشروط أو الشرط الأول هو أن يكون الثمن والمثمن مما يجوز فيه النساء، وامتناع فيما لا يجوز فيه النساء. يعني أن لا يشتري شيئا مما يدخله الربا، كأن يشتري شيء من جنسه مؤجلا. لماذا؟ لأن هذا الباب باب الربا، فلا يجوز أن يشتري مثلا عشرة دراهم من الفضة على أن يأتيه بخمسة دنانير بعد شهر. هذا لا يدخله السلم؛ لأنه يجب فيه التقابض. هذه الأشياء يجب فيها التقابض. طيب، هذا الشرط الأول يعني يشترط فيه أن يكون الثمن والمثمن مما يجوز فيه النساء. مثلا دراهم تدفعها لإنسان، وتقول له أريد أن تصنع لي سيارة من نوع كذا، أو تشتري لي سيارة من نوع كذا وكذا، هذا جائز. لكن أن يسلف مثلا شيء بشيء، كأن يعطيه تمرا مقابل أن يعطيه تمرا بعد شهر، هذا لا يجوز؛ لأن التمر بالتمر لا بد أن يشترط فيه التقابض والتماثل. الشرط الثاني هو أن يكون المسلم فيه مما ينضبط بالصفات التي يختلف الثمن باختلافها ظاهرا. قالوا فلا يصح فيما لا ينضبط بالصفة، كالجواهر من اللؤلؤ والياقوت والزبرجد ونحوها؛ لأن أثمانها تختلف اختلافا متبايرا بالصغر والكبر وحسن التدوير وزيادة ضوئها وصفائها. هذا القول هو قول الشافعي ومذهب أحمد ومذهب أصحاب الرأي. الشرط الثالث هو معرفة مقدار المسلم فيه بالكيل إن كان مكيلا، وبالوزن إن كان موزونا، وبالعدد إن كان معدودا. لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافا. الشرط الرابع هو أن يكون مؤجلا أجلا معلوما. وتحت هذا الشرط مسائل، منها هل يصح السلم في الحال أم يشترط فيه الأجل؟ هذه مسألة خلافية بين أهل العلم. ذهب مالك والأوزاعي وأحمد وأبو حنيفة إلى أنه لا يصح حتى يشترط الأجل، أي لا بد أن يكون في أجل معلوم. وذهب الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إلى جواز ذلك، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها الذي رواه الإمام أحمد وغيره. الجمهور استدلوا بظاهر حديث ابن عباس رضي الله عنهما وفيه: إلى أجل معلوم. فالنبي صلى الله عليه وسلم حينما أذن بالسلم ذكر من شروط السلم أن يكون إلى أجل معلوم. المسألة الثانية تحت هذا الشرط هي هل يصح أن يكون الأجل إلى الحصاد أو الجزاز؟ قولان لأهل العلم. فذهب مالك وأبو ثور وأحمد في رواية إلى أنه لا بأس بذلك، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد في رواية إلى المنع. المانعون عللوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إلى أجل معلوم، وهذا الأجل ليس بمعلوم؛ لأنه لا ينضبط، فربما تقدم وربما تأخر. والمجيزون قالوا: إن هذا أجل معلوم في عرف الناس، فجاز العمل به؛ لأن العبرة بالوقت الذي يحصل به الحصاد المعتاد أو الجزاز المعتاد عند الناس. المسألة الثالثة تحت هذا الشرط هي هل من شرط الأجل أن يكون له مدة لها أثر في الثمن؟ ذهب الحنابلة إلى اشتراط ذلك، وقدر الإمام ابن مفلح هذه المدة بشهر وما قاربه. وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه لو قدره بنصف يوم لجاز. والراجح أن هذا الشرط ليس عليه دليل، فالأصل عدم الشرط. الشرط الخامس هو أن يكون المسلم فيه عام الوجود في محله. مثلا للثمار من مدينة الفلانية في تاريخ كذا في شار كذا. فإذا كان كذلك أمكن تسليمه عند وجوب تسليمه. وإذا لم يكن عام الوجود لم يكن موجودا عند المحل بحكم الظاهر، فلم يمكن تسليمه، فلم يصح بيعه. كبيع الآبق، بل أولى؛ لأن السلام لا بد أن يكون على شيء معلوم. المسألة الأولى تحت هذا الشرط هي هل يشترط كون المسلم فيه موجودا حال السلم؟ هذه مسألة فيها خلاف. فذهب الجمهور إلى الجواز، وذهب الثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي إلى المنع. والراجح الأول؛ لأنه حق للمسلم، فلا يسقط بل هو بالخيار. المسألة الثانية تحت هذا الشرط هي إذا تعذر تسليم المسلم فيه عند المحل، إما لغيبة المسلم إليه أو عجزه عن التسليم، حتى عدم المسلم فيه أو لم تحمل الثمار تلك السنة. ماذا يصنع؟ ذهب الجمهور إلى أن المسلم بالخيار بين أن يصبر إلى أن يوجد فيطالب به، وبين أن يفسخ العقد ويرجع بالثمن إن كان موجودا، أو بمثله إن كان مثليا، أو بقيمته إن لم يكن له مثل. الشرط السادس هو أن يقبض رأس مال السلم في مجلس العقد. فإن تفرقا قبل ذلك بطل العقد. وبه قال الشافعي وأحمد وأبو حنيفة. الإمام مالك رحمه الله تعالى وافق هذا الشرط من حيث الجملة، ولكن قال: يجوز أن يتأخر القبض يوما أو يومين أو ثلاثة. والراجح قول الجمهور الأول؛ لأن على القبض الثاني يجوز أن يكون بعد يوم أو يومين أو ثلاثة، فيدخل في بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الدين بالدين. وبهذا نكون إن شاء الله تعالى انتهينا من أهم مسائل السلم. والله تعالى أعلم. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على