الدرس في كتاب البيوع 60، ألقاها
تناول المقطع آراء الجمهور وأهل العلم حول تفضيل بعض الأبناء على بعض في الهبة، وأشار إلى وجوب التعديل بين الأبناء في الهبات والنفقات. استعرض شيخ الإسلام بعض الاستثناءات والصور المتعلقة بهذه المسألة.
ناقش المقطع آراء علماء الدين حول التفاوت في العطاء بين الأبناء، حيث اختلفوا بين وجوب التعديل في الإنفاق وفق الحاجة، وجواز التفاوت لأسباب معقولة مثل المرض أو اشتغال بالعلم.
تناول المقطع تفاصيل التسوية بين الأبناء في الهبات والعطايا، وأشار إلى اختلاف العلماء حول التسوية بين الذكور والإناث، ورجح التسوية بينهم استنادًا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
أوضح المقطع أن التسوية بين الأولاد في العطية واجبة كما جاء في الحديث، ولا تشمل جميع الأقارب، فليس هناك إلزام بالتسوية بينهم أو إعطائهم على قدر واحد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، ما زلنا في مسائل متعلقة في باب الهبة، وكانت مسألة أخيرة مرت معنا في الدرس الماضي حكم تفضيل بعض الأبناء على بعض في الهبة. وذكرنا أن الجمهور ذهبوا إلى الكراهية، وأنه إذا وقع جاز، أي نفذ. وذهب جماعة من أهل العلم إلى وجوب التسوية، وأنه إذا وقع فإنه لا يكون ولا يجزئ إلا إذا عمل أحد أمرين: إما أن يسوي بين الجميع، فيعطي الجميع مثل ما أعطى لبعضهم، وإما أن يجب عليه أخذ ما أعطاه لأولئك البعض. قلنا في الدرس الماضي هناك مسألة أخرى متعلقة كذلك بهذه المسألة، وهي كالفروع لهذه المسألة. فمن هذه الأمور ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه المسألة. ذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مسائل واستثناءات وصورا متعلقة بهذه المسألة، فنذكرها للفائدة. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: والحديث والآثار -أي حديث النعمان بن بشير والآثار- مروية في الباب تدل على وجوب التعديل بينهم في غير التمليك. قال: وهو في ماله ومنفعته التي ملكهم والذي أباحهم، كالمسكن والطعام. قال: ثم هنا نوعان: نوع يحتاجون إليه من النفقة في الصحة والمرض ونحو ذلك، فتعديله فيه أن يعطي كل واحد ما يحتاج إليه، ولا فرق بين محتاج قليل أو كثير. قال: ونوع وهو النوع الثاني تشترك حاجتهم إليه من عطية أو نفقة أو تزويج. قال: فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه. إذا كان ماذا؟ كما تقدم معنا في الدرس الماضي لم يكن لسبب معتبر. قال: فهذا لا ريب في تحريم التفاضل فيه، فيكون حكم الهبات حكم الهبات. قال رحمه الله: وينشأ من بينهما نوع ثالث، أي من بين نوعين ينشأ نوع ثالث. قال: وهو أن ينفرد أحدهما بحاجة غير معتادة، مثل أن يقضي عن أحدهم ما وجب عليه من أرش جناية، أو يعطي عنه المهر، أو يعطيه نفقة الزوجية ونحو ذلك. قال: ففي وجوب إعطاء الآخر مثل ذلك نظر. قال: وتجهيز البنات بالنحل أشبه، يعني تجهيز البنات البنت إذا جاء التزواج يعني للزواج جاء الزوج فجهز أبوها فعطاها شيئا من المال، جهزها بما تحتاجه من النحل. قال: والأشبه في هذا أن يكون بالمعروف، يعني يعطي البنت بالمعروف. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى: وذكر مسألة أخرى وفائدة أخرى متعلقة بهذا الباب، وهي: قال رحمه الله: وإن أعطاه لمعنى فيه -أي إن أعطى الأب الولد أو أحد أو بعض أبنائه دون بعض لمعنى فيه من حاجة أو زمانة أي في مرض زمن أو عمى أو كثرة عائلة أو لاشتغاله بالعلم- قال: ونحوه كصلاحه، أي أن يكون صالحا فيعينه على ذلك، أي لهذه الخصلة أنه صالح وإخوانه ليس كذلك. قال العلامة العثيمين رحمه الله: فيجب التعديل في الإنفاق على ولده بقدر الحاجة. فإذا فرضنا أن أحدهم في المدارس يحتاج إلى نفقة للمدرسة من كتب ودفاتر وأقلام وحبر وما أشبه ذلك، والآخر هو أكبر منه لكنه لا يدرس، فإذا أعطى الأول لم يجب عليه أن يعطي الثاني مثله. قال: ولهذا يعتبر من الغلط أن بعض الناس يزوج أولاده الذين بلغوا سن الزواج ويكون له أولاد صغار، فيكتب في وصيته: إني أوصيت لأولاد الذين لم يتزوجوا أن يزوج كل واحد منهم من الثلث. قال: فهذا لا يجوز؛ لأن التزويج من باب دفع الحاجات، وهؤلاء لم يبلغوا سن التزويج. ذكر العلامة العثيمين رحمه الله مسائل أخرى، منها: هل يفضل بينهم باعتبار البر؟ قال: فهذا لا يجوز؛ لأن البر ثوابه أعظم من دراهم تعطيه إياها. والأظهر والله أعلم لجواز؛ لأن هذا يكون من باب الإعطاء لمعنى والمنع لمعنى. قال: الثانية: إذا كان أحد الأولاد يعمل معه في متجره أو مزرعته، فهل يجوز أن يعطيه زيادة على الآخر الذي لم ينتفع منه بشيء؟ قال: في تفصيل: إن كان الذي يعين أباه يريد بذلك وجه الله، فإنه لا يعطيه شيئا؛ لأنه يدخل في البر. وإن كان يريد عوضا على ذلك أو أن أباه فرض له العوض قبل أن يعمل، فلا بأس، ولكن يعطى مثل أجرته لو كان أجنبيا. قال: الصورة الثالثة: إذا كان أحد الأبناء كافرا بردة أو من الأصل -يعني كافرا بردة كان مسلما ثم كفر، أو كافرا من الأصل- فهل يجب التعديل بينهم؟ ذهب بعض أهل العلم إلى وجوب ذلك أخذا بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اعدلوا بين أبنائكم». وذهب البعض الآخر إلى عدم التعديل، استدلالا بقول الله جل وعلا: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾. قال العلامة العثيمين رحمه الله: وينبغي أن يقال: ينظر بالمصلحة. إذا كان إعطاؤه للمسلم دون الكافر يقتضي أن يقرب الكافر للإسلام فيدخل في الإسلام، فهذا يعطي المسلم. قال: وإن لم يكن مصلحة فلا يجوز، بل يجب التعديل. قال: وأما كيفية التسوية في الهبات المطلوبة شرعا بين الأبناء، فقال إبراهيم النخعي -وهو من التابعين- كانوا يستحبون أن يسووا بينهم حتى في القبل. وهذا يدلنا على حرص السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى على الامتثال والتحري في ذلك. وللعلماء في هذه المسألة قولان: القول الأول أن يعطى للذكر مثل ما يعطى للأنثى، أي سواء بسواء. وهذا قول الجمهور. وذهب عطاء وشريح وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن إلى أن القسم بينهم كقسمة الميراث للذكر مثل حظ الأنثيين. والصحيح القول الأول، أي قول الجمهور: بأن التسوية تكون بإعطاء الأنثى مثل إعطاء الذكر سواء بسواء. ويدل على هذا حديث الباب في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». وفي بعض الألفاظ: «لا تشهدني على جور». وجاء في بعض الطرق في حديث النعمان بن بشير عند الطحاوي وغيره بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «سووا بين أولادكم في العطية». والحديث صحيح، والعلامة الألباني رحمه الله تعالى في «الصحيحة». وأما هل يجب التسوية بين سائر الأقارب كالتسوية بين الأبناء؟ ليس أي لا يجب عليه التسوية بين سائر أقاربه، ولا إعطاؤهم على قدر واحد؛ لأن الحديث إنما جاء في ملك الأولاد. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.