الدرس في كتاب الأذكار والدعوات وغيرها 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يوضح المقطع أن الدعاء هو أشرف العبادات وأكرمها على الله، مستدلاً بأحاديث صحيحة وآيات قرآنية تؤكد أن الدعاء هو العبادة ذاتها لا مجرد وسيلة لطلب الحاجات، ويحث على الإكثار منه مع استشعار التعبد به لأن الله يستجيب أو يدخر أو يصرف شراً فلا يعدم الداعي خيراً أبداً.
يحث المقطع على التضرع إلى الله وحده عند نزول الحاجات وعدم الاعتماد على الخلق، مستشهداً بقصة عابد أجاب الله دعاءه، ويؤكد أن الدعاء سلاح المؤمن وسبب لتسخير الأسباب مستدلاً بآية ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وأحاديث في فضل الدعاء وأوقاته كيوم عرفة ورمضان وساعة الجمعة.
يستعرض المقطع أوقاتاً فاضلة يستجاب فيها الدعاء كثلث الليل الأخير، وبين الأذان والإقامة، ودبر الصلوات، ونزول الغيث، وعند القتال، والسجود، وإفطار الصائم، وحضور القلب، مستدلاً بأحاديث نبوية وأقوال علماء، محذراً من إضاعة هذه الأوقات ومبيناً الأفضلية في استغلالها بالدعاء والاستغفار.
يشير المقطع إلى حديث النبي ﷺ الذي ينهى عن الدعاء بقلب لاهٍ غافل، مؤكداً أن حضور القلب وجله وخشوعه، وموافقة اللسان للقلب، من أهم أسباب استجابة الدعاء، ويختتم المتحدث بالاعتذار عن الإطالة والدعاء بالنفع.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فبعدما ذكر المؤلف أدلة فضائل الذكر، ثنى بذكر فضل الدعاء، فقال رحمه الله تعالى: وأما فضيلة الدعاء فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ليس شيء أكرم على الله عز وجل من الدعاء، وأشرف العبادة الدعاء، ومن لا يسأل الله يغضب عليه». وهذا الحديث رواه الإمام أحمد والترمذي، والعلامة الألباني يحسن هذا الحديث، وشيخنا الوادعي رحمه الله يضعف هذا الحديث. وعلى تصحيح وتحسين العلامة الألباني، فهذا الحديث فيه فضيلة ظاهرة للدعاء، وأنه أكرم شيء على الله عز وجل، وأنه أشرف العبادة، وأنه أشرف العبادة، ففيه الحث على الدعاء. وقد وردت أحاديث كثيرة صحيحة تبين فضل الدعاء، وأنه من أهم وأفضل العبادات. فمن أظهر وأشهر الأحاديث في فضل الدعاء ما أخرجه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في جامعه من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة». فجعل الدعاء هو العبادة لأهمية الدعاء، فإن العرب إذا أرادت أن تبين فضل شيء وأهمية شيء حصرت الأمر فيه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحج عرفة»، أي أن أعظم وأفضل أركان الحج الوقوف بعرفة، وليس معنى أن الحج كله في عرفة فقط، فله أركان أخرى، ولكن أعظم وأهم هذه الأركان هو الوقوف بعرفة. وهكذا العبادات كثيرة، ليست العبادة فقط في الدعاء، لا، هناك عبادات كثيرة، ولكن أفضل وأهم وأعظم تلك العبادات هو ماذا؟ هو الدعاء. وأما حديث: «الدعاء مخ العبادة» فهو لا يصح، فهو لا يصح. وحديث النعمان بن بشير يدل على أن الدعاء ليس مخ العبادة فقط، بل هو العبادة كلها، بل هو العبادة كلها يشمل مخها وعصبها ولحمها ودمها وعظامها وكل شيء. فإذن الدعاء هو العبادة، يدل على فضيلة الدعاء. وقرأ النبي عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. فذكر ربنا عز وجل في أول هذه الآية الدعاء، ثم بين أن المراد بالدعاء هو العبادة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ يعني عن دعائي، لأنه في أول الأمر ذكر الدعاء. فهذه الآية هي مطابقة للحديث الذي سمعت: «الدعاء هو العبادة، الدعاء هو العبادة»، فيدل على فضيلة الدعاء. ولذلك ينبغي للداعي أن يستشعر عند دعائه أنه في عبادة، أنه في عبادة، لا يكون همك فقط حصول المطلوب مما تدعو به في هذا الدعاء، لا، بل اجمع بين الأمرين: بين التقرب إلى الله عز وجل بهذا الدعاء لأنه عبادة، وبين رجاء حصول المطلوب. ولذلك يقول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله كما في كتابه «الفتاوى السعدية»: «ومن كان ومن كان قصده من الدعاء التقرب إلى الله عز وجل، أي بمعنى العبادة لله عز وجل بهذا الدعاء التقرب، ومن كان مقصوده التقرب إلى الله بهذا الدعاء مع حصول المطلوب فهو أكمل بكثير ممن لا يقصد من دعائه إلا حصول المطلوب، كما هو حال كثير من الناس، كما هو حال كثير من الناس». ثم قال: «وهذا من ثمرات العلم النافع، فإن الجهل منع الخلق الكثير من مقاصد جليلة ووسائل جميلة ووسائل جميلة». فعلمت أن الدعاء في الأصل هو عبادة، فلا يكون همك فقط في الدعاء أن يستجاب لمطلوبك ولدعائك، بل ليكن همك أولاً أنك تؤجر على هذا الدعاء وتتقرب إلى الله عز وجل بهذا الدعاء، بهذا الدعاء. فأكثر من الدعاء، فإنك في عبادة، وإن لم يستجب لك فما تدري، كما جاء في الحديث: «ما من مسلم يدعو بدعوة إلا وأعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها، وإما أن يصرف عنه من الشر مثلها». فإذا لن تعدم من خير الدعاء أبداً، إما أن يستجاب لك، وإما أن تدخر لك هذه الدعوة يوم القيامة وهو أعظم وأفضل لك، وإما أن يصرف عنك من الشر بمثل هذه الدعوة التي دعوت الله عز وجل أن يصرف عنك شراً، أن يصرف عنك شراً بدعائك هذا، فلعل الله أن يصرف عنك شراً مثله. فإذا لن تعدم من خير الدعاء، فأكثر من الدعاء واستشعر هذه المعاني العظيمة. وكذلك ربنا عز وجل في كتابه حث عباده على الدعاء، كما سمعت في هذه الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، وقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]. وهذه الآية وردت بين آيات أحكام الصيام، بين آيات أحكام الصيام، وقد ذكر ابن كثير عليه رحمة الله في تفسيره أن ذكر هذه الآية الباعثة على الدعاء بين آيات أحكام الصيام تدل على الحث على الدعاء عند إكمال العدة، بل وعند كل فطر، بل وعند كل فطر. وهكذا من أدلة الحث على الدعاء من القرآن قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾. وهكذا قول الله عز وجل: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 62]. إذا نزلت بك حاجة، إذا نزلت بك حاجة ملحة، فلا تنزلها على الخلق، بل أنزلها على الله سبحانه وتعالى، وتضرع إلى الله وأقبل على الله عز وجل، فسوف، سوف يعطيك سؤلك بإذن الله سبحانه وتعالى. يذكر أن ملكاً من ملوك الدنيا شعر بهم وغم في ليلة من الليالي، فقرر أن يخرج إلى، يعني إلى خارج قصره ومملكته، فيطوف بالشوارع لعل هذا الهم يزال عنه. فرأى في الليل المظلم وفي آخر الليل مسجداً مفتوحاً، فتعجب ودخل هذا المسجد، فرأى رجلاً مستقبل القبلة ويدعو ويلح في الدعاء. فلما انتهى الرجل من دعائه جاء وسأله، وقال له: كأن نزلت بك، يعني نزل بك أمر شديد، فأنت تسأل الله عز وجل أن يفرج عنك هذه الكربة. فقال له: نعم، علي دين أربعة آلاف دينار، فدعوت الله عز وجل لعل الله عز وجل يسر لي سدادها. فأخرج له هذا المبلغ وأعطاه إياه، قال له: سدد به دينك. ثم قال له: خذ اسمي وعنواني، فإذا احتجت أي شيء اتصلت بنا، اتصلت بنا وأعطيناك ما تريد. فقال له: لا، لا أريد ذلك، نزلت بهذه الكربة فلجأت إلى الله فكشفها الله عني، فإذا نزلت بي كربة أخرى سألجأ إلى الله وسيكشفها عني، ولا حاجة لي بك. انظروا يا عباد الله كيف أن سلفنا الصالح كانوا يتعلقون بالله عز وجل، لا تتعلق بالخلق، ولا تنزل حوائجك بالخلق، فتضرع إلى الله، والجأ إلى الله عز وجل، والله عز وجل يسر لك من الأسباب ما لا تحتسب، يسر لك من الأسباب ما لا تحتسب. فإذا الدعاء شأنه عظيم، وهو سلاح المؤمن، وهو سلاح المؤمن. قد تنزل بك الكرب، وقد كذلك يحاربك أعداءك ويمنعون عنك أمراً أنت بأمس الحاجة إليه، فادعوا الله واسأل الله أن يفرج عنك هذه الكربة. نعم، ولا تبالي بهؤلاء، ولا تعطهم فوق حجمهم، ألجأ إلى الله، والله عز وجل هو الذي يدافع عن عباده المخلصين المؤمنين: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: 38]. يسخر لك الله عز وجل من عامة الناس أو من المسؤولين أو من وجهاء البلد من يقف معك، ومن ينصرك، ومن يدافع عنك، ومن يتعاطف معك، هذه أسباب كلها بسبب تعلقك بالله عز وجل وتضرعك إلى الله سبحانه وتعالى. فلا تقلق ولا تحزن إذا جاءت الأمور على غير مرادك، بل ألجأ إلى الله سبحانه وتعالى، وادعو الله، وعلق قلبك بالله، والأمر لله عز وجل من قبل ومن بعد، والخيرة فيما اختاره الله عز وجل لك. نعم، وهكذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي حديث آخر: «سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل». وهذا الحديث رواه الترمذي، وله تمام، فتمام هذا الحديث: «وأفضل العبادة انتظار الفرج». ولكن هذا الحديث ضعفه العلامة الألباني عليه رحمة الله كما في السلسلة الضعيفة، وكذلك في ضعيف الترمذي. وفي الأحاديث الصحيحة غنية عن مثل هذا الحديث، فقد ورد في فضل الدعاء أحاديث كثيرة، منها حديث النعمان بن بشير كما تقدم، ومنها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأستجيب له». انظر ربك عز وجل ينادي عباده السائلين الداعين: هل من سائل فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ فلا شك أن هذه فضيلة عظيمة من فضائل الدعاء. وهكذا الحديث المتقدم: «ما من مسلم يدعو بدعوة إلا استجاب الله له إحدى ثلاث». فلن تخيب من دعوة تدعو بها، تدعو بها ربك سبحانه وتعالى. قال: وللدعاء آداب، من ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، يعني هذه الآداب مظنة استجابة الدعاء، مظنة استجابة الدعاء. فلو اجتمع في الدعاء شرف الوقت وشرف الزمن وشرف المكان، فلا شك أن هذه الدعوة أقرب إلى الإجابة، أقرب إلى الإجابة بإذن الله سبحانه وتعالى. قال: وللدعاء آداب، من ذلك أن يتحرى الأوقات الشريفة، كيوم عرفة من السنة. وقد ورد في هذا حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عند الترمذي وغيره، ويحسنه العلامة الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». وقال: كيوم عرفة من السنة، ورمضان من الشهور. وتعرفون أن رمضان شهر مبارك، فضله الله عز وجل، وجعله من أوقات الاستجابة، لأن الصائم يصوم في هذا الشهر، والصيام كذلك من أوقات، وكذلك من، كذلك من الحالات التي هي مظنة استجابة الدعاء، كما قال عليه الصلاة والسلام في حديث أنس: «ثلاثة لا ترد لهم دعوة»، وذكر منهم الصائم حتى يفطر. وجاء حديث الصائم عند إفطاره، وكلا الحديثين يصححه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فلشك أن شهر رمضان من الشهور هو من أشهر استجابة الدعاء. قال: والجمعة من الأسبوع. وورد في ذلك حديث في صحيح البخاري، قال عليه الصلاة والسلام: «إن في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم يصلي، لله سبحانه وتعالى فيها إلا استجاب الله له دعوته». ففي الصحيح جاءت هذه الساعة مطلقة دون تحديد، وأنها في يوم الجمعة، وجاء عند الإمام أحمد تحديدها بآخر ساعة من يوم الجمعة، والحديث صحيح، العلامة الألباني، وكذلك شيخنا الوادعي كما في كتابه «الصحيح المسند» من «الصحيح المسند». نعم. قال: والسحر من الليل، يعني الثلث الأخير من الليل، لحديث أبي هريرة المتقدم، قال عليه الصلاة والسلام: «ينزل ربنا حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا فيقول: هل من تائب فأغفر له، هل من داع فأستجيب له، هل من مستغفر فأغفر له». وقول الله عز وجل: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] في ذكر أوصاف المتقين. قال: ومن الأوقات الشريفة بين الأذان والإقامة. ودليل هذا ما أخرجه أبو داود والترمذي، قال عليه الصلاة والسلام: «لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة». فهذا وقت فاضل، تأتي مع الأذان وتردد مع المؤذن، ثم تأتي بالدعاء، ثم تدعو الله عز وجل وتنتظر الصلاة. هذا أوقات فاضلة، وفيها من العبادات العظيمة الجليلة: من استغفار الملائكة، من كذلك قبول الدعاء، من الاستعداد للفريضة، فلا تفرط بهذا. كثير منا ربما يأتي إلى الصلاة وقت الإقامة، وقت الإقامة، وربما تضيع عليه بعض الركعات، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ما الذي يمنعنا أيها المسلمون أن نحافظ على هذه الأوقات وعلى هذه الفضائل العظيمة فيستجاب لدعائنا، وهكذا نحظى باستغفار الملائكة ونحو ذلك من الفضائل العظيمة؟ ولذلك سئل العلامة الفوزان عليه رحمة الله عن قراءة القرآن في هذا الوقت بين الأذان والإقامة، قال: الأفضل أن تدعو في هذا الوقت، لأن الدعاء جاءت فيه هذه الفضيلة، وهذه كذلك، هذا الحديث الذي فيه أن الدعاء في هذا الوقت من أوقات الاستجابة، والقرآن له وقت آخر غير هذا الوقت الفاضل المخصص للدعاء، فهذا هو الأفضل. وإن طال عليك الوقت تجمع، ولا حرج في ذلك، ليس معنى أنك تدعو نصف ساعة أو أكثر أو عشرين دقيقة أو أكثر بين الأذان والإقامة، وإن فعلت ذلك فلا حرج، ولكن لا بأس أن تجمع بين عبادات كثيرة في هذا الوقت من الدعاء والاستغفار وقراءة القرآن، فهذه أوقات فاضلة. وقوله كذلك في معرض ذكره لأوقات الاستجابة قال: وعقيب الصلوات، يعني بعد الصلاة، بعد الصلاة. وقد ورد في هذا حديث، صححه العلامة الألباني في صحيح الترمذي، قال عليه الصلاة والسلام في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: «قيل يا رسول الله أي الدعاء أسمع؟ يعني أحرى بالإجابة، فقال عليه الصلاة والسلام: جوف الليل، يعني وسط الليل، جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات، ودبر الصلوات المكتوبات». يعني بعد الصلوات. مع أن «دبر» هنا، من باب الفائدة، اختلف العلماء في المراد منها، فمنهم من ذهب كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم أن المراد بدبر الصلوات قبل السلام، قبل السلام، ويؤيد ذلك الأحاديث التي جاءت في الدعاء في هذا الموضع، بعد الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير يستحب الدعاء. فذكر ذلك بعض أهل العلم أن المراد بدبر الصلوات قبل السلام. ولكن ذهب كثير من العلماء إلى أنه يحتمل أيضاً دبر الصلوات المكتوبات، أي بعد التسليم، كذلك بعد التسليم تذكر الله عز وجل وكذلك تدعو الله سبحانه وتعالى. فلعل هذا الحديث يشمل ذلك. ولذلك سئل العلامة ابن باز عليه رحمة الله عن الجلوس بعد الصلاة والانتظار وعدم التعجل في الخروج، فقال: هذا وقت مبارك، وهذا وقت فاضل، لا ينبغي، ووقت ثميل، لا ينبغي للمصل أن يفرط فيه، أو معنى كلامه رحمه الله تعالى. وقوله: وعند نزول الغيث، هذا أيضاً ورد فيه حديث، حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه، والحديث عند الحاكم والبيهقي، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثنتان ما تردان، يعني دعوتان ما تردان: الدعاء عند النداء، وتحت المطر». وهذا الحديث حسنه العلامة الألباني بمجموع الطرق كما في سلسلة الأحاديث الصحيحة، المجلد الثالث، رقم الحديث أربع وخمسين، أو رقم الصفحة أربع وخمسين وأربعمائة. فعلى تحسين العلامة الألباني عليه رحمة الله، يعد هذا الموضع كذلك من مواضع الاستجابة عند نزول المطر. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام يحسر عن ردائه ويمس من هذا الماء، ويقول: «إنه حديث عهد بربه». فلعل بين الدعاء وبين نزول المطر هذه العلاقة، والله تعالى أعلم. قال: وعند القتال في سبيل الله، يعني عند احتدام واشتداد المعركة بين المسلمين والكفار، فإذا دعا المسلم فله دعوة مستجابة. ودليل ذلك حديث سهل بن سعد في رواية أخرى عند أبي داود، وصححها العلامة الألباني، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثنتان لا تردان، أو قل ما تردان: الدعاء عند النداء، وعند البأس»، يعني عند القتال، وعند البأس حين يلحم، حين يلحم بعضهم بعضاً، يعني حين يختلط بعضهم ببعض، يعني الكفار مع المسلمين، فالمسلم له في هذا الموضع دعوة مستجابة. قال: وعند ختم القرآن، وهذا لم يرد به دليل، وإنما جاء عن أنس كان يجمع أهله ويدعو، وعد بعض أهل العلم هذا الفعل خلاف هدي النبي عليه الصلاة والسلام، فلا دليل على ذلك. قال: وفي السجود، وهذا يدل عليه ما أخرجه الإمام مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا من الدعاء». قال: وعند الإفطار، لحديث أنس: «وأن للصائم دعوة لا ترد»، وهذه الدعوة هو عند فطره. قال: وعند حضور القلب ووجله، يعني عند خشوع القلب، وعند اجتماع القلب على الله عز وجل، فدعاء المؤمن بقلب حاضر خائف وجل، هذا، هذا كذلك يدل عليه عمومات الأدلة، منها قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107-109]. وورد حديث في هذا، ويضعفه بعض أهل العلم، والشيخ الألباني على تحسينه. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ولا تدعو الله بقلب لاهٍ غافل»، أو بهذا المعنى. فحضور القلب، وجل القلب، وخشوع القلب عند الدعاء، وهكذا الموافقة بين اللسان والقلب في الدعاء، هذه من أسباب الاستجابة بإذن الله عز وجل. والحديث له بقية، ومعذرة عن الإطالة، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله يرضى. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر