كتاب البيوع 13

الدرس في كتاب البيوع 13، ألقاها

شرح حديث "لا يبع حاضر لبادي" وتفسيره

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم "لا يبع حاضر لبادي" وتفسيرات الفقهاء له. يفسر الحاضر والبادي ويبين آراء المذاهب الفقهية المختلفة في حكم البيع بين الحاضر والبادي.

حكم الشراء والبيع بين الحضر والبدو

تناول آراء الفقهاء في حكم شراء الحضر للبدوي وبيع الحاضر للباد. الجمهور أجاز شراء الحضر للبدوي بينما ذهب البعض إلى المنع مستدلين بحديث "لا يبيع حاضر لباد".

تأكيد صحة الحديث وختام الدرس

أكد صحة الحديث بوجوده في الصحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي. اختتم بالذكر والتسبيح والاستغفار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: «ولا يبع حاضر لباد»، الحاضر ساكن الحضر، والبادي ساكن البادية. قال في القاموس: «الحضر والحاضرة والحضارة» تفتح، قال: «خلاف البادية، والحضارة الإقامة في الحضر». ثم قال: «والحاضر خلاف الباد». قال: «وقال أيضًا: البدو والبادية والبادات والبداوة خلاف الحضر». وتبدى أقام بها، وتبادى تشبه بأهلها، والنسبة بداوة وبدوي. وبدى القوم خرجوا إلى البادية. وضبطهم بعض أهل العلم من الأئمة، كالإمام مالك رحمه الله تعالى، قال: «بانهم أصحاب العمود»، أو العمود، أي أصحاب الخيم الذين يركزون الخيم بالعمود. هؤلاء يقال فيهم: «بانهم أهل بادية»، أي معتمدين في سكناهم على الخيم ونحوها. هؤلاء يقال لهم: «بدو». وإلى يومنا هذا، عندنا في اليمن، وكذا قد يكون في غيرها من البلاد، يطلقون على هذا الصنف بأنهم «البدو». وعندنا في اليمن أحيانًا، شيء يعني، كما يقال: «بدو وبدو البدو»، يعني في بعض المناطق، يعني تعد مدينة أو إحدى القرى التي حكم وحكم المدينة وما شابه ذلك، يسمون بعض الناس العائشين في بعض الأماكن البعيدة، يقال لهم: «البدو»، وهم بدو باعتبار الضابط الموجود فيهم. العجيب ما هو، يا جماعة، أن هؤلاء البدو يطلقون على طائفة أخرى بأنها «بدو»، أي ليس يكون هؤلاء كما يقال: «بدو والبدو»، وهذا الحجم، وهذا رأيناهم، وهذا رأيناهم في بعض المناطق، أنهم يسمونهم «البدو»، وهم يسمون بالعرب، يقال: «العرب»، ويقال: «البدو»، يقال: «جاء البدو»، وهم ما يشبه العرب، يعني أحسن حالًا، باعتبار التمجر منهم. فالحاصل أن البادي من كان على هذه الحال، والحاضر من كان على غير ذلك الحال، كان من أهل القرى، من أهل المدن، سواء كانت كبيرة أو صغيرة. طيب الحديث، كما ترون، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبع حاضر لبادي». قال الإمام الشوكان رحمه الله تعالى: «واحاديث الباب تدل على أن لا يجوز للحاضر أن يبيع للبادي، من غير فرق بين أن يكون البادي قريبًا له أو أجنبيًا». وسواء كان في زمن الغلاء أم لا، أي لا فرق في هذا البيع في زمن الغلاء وفي زمن الرخص. وسواء كان يحتاج إلى أهل البلد أم لا، سواء كان يحتاج إليه أهل البلد، أي يحتاج إلى تلك السلع أم لا. وسواء باعه على التدرج أم دفعة واحدة، على التدرج بأن يأتي مثلًا بعدة أبل، فيقول له: «دعها أبيعك، سأبيعها على التدرج»، لو أخرجتها كلها إلى السوق سيتبخسونك، لكن أخرج اليوم مثلًا ثنتين، وبعد أيام سأخرج ثنتين، وهكذا حتى أبيعها بسعر جيد. وكما ترون في كلام الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى، يجعل العلة، يجعل الحكم عامًا. وهذا هو الأصل في هذا الباب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ولا يبع حاضر لباد»، نكر في سياق الناهي، تفيد العموم. فالأصل بقاء العموم على عمومه، ولا يخرج عن ذلك العموم إلا بدليل. ذكر أيضًا رحمه الله تعالى أن الحنفية إنما خصوا المانع من ذلك بقارب زمن الغلاء. الحنفية يقولون: «إنما يمنع ذلك بزمن الغلاء، وبما يحتاج إليه أهل المصر». بمعنى أنه إذا لم يكن سمي غلاء، ولم يكن أهل المصر محتاجون، فإنه يجوز للحاضر أن يبيع للباد. وقالت الشافعية والحنابلة: «إنما الممنوع هو أن يجيء البدوي بسرعة يريد بيعها بسعر الوقت في الحال». فيأتيه الحاضر فيقول له: «ضعه عندي لأبيعه لك على التدرج، بأغلى من هذا السعر». يعني يأتي البدوي يريد أن يبيع البضاعة بسعر السوق. يقول: «على بركة الله». يأتي واحد من الحضر يقول له: «لا، انتظر، خليها عندي، وأنا أبيعها لك، سأبيعها لك إن شاء الله خلال أسبوعين، الواحدة بألف وخمسمائة، بألف وسبعمائة، بألفين». فيخصون النهي بهذا. قال الحافظ في الفتح، معلقًا على ما ذكر: «فجعل الحكم منوطًا بالبادي، ومن شاركه في معناه». فجعل الحكم منوطًا بالبادي، ومن شاركه في معناه. ومن شاركه لم يخص البادي، بل قالوا: «من كان في حكم البادي يأخذ حكمه». أي إنسان مثلًا مدني بمدني، جاء من قرية يريد أن يبيع بسرعة في قرية أخرى، فيقول له الرجل: «لا، انتظر»، يقول له صاحب القرية أو المدينة: «انتظر، أنا سأبيعها، سأبيعها لك بتدريج وبثمن جيد، أجود». يقول: «هذا يدخل أيضًا في معنى لا يبع حاضر لبادي، وإن كان الجميع أهل حضر». قال: «فجعلوا الحكم منوطًا بالبادي، ومن شاركوا في معنى». قال: «وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب». فالحق من شاركوا في عدم معرفة السعر من الحاضرين. وجعلت المالكية البداوة قيدًا. يعني أن الحنابلة والشافعية نظروا إلى معنى المعنى، ما هو المعنى؟ المعنى نفع السوق، المعنى نفع أهل السوق، وعدم الإضرار بأهل السوق، سواء كان القادم بالسلعة حضريًا إلى حضر، أو بدويًا إلى حضر. يقول: «أن العلة ما هي؟ الإضرار بسوق أهل السوق». فيقول: «الحكم في هذا وذاك سواء». وأما الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقال: «الحكم مقيد بالبدوي، من أهل البادية». أما إذا كان إنسان جاء من مدينة إلى مدينة، فالحاضر أن يبيع للحاضر، كما أن للباد أن يبيع للباد. قال: «وعن مالك: لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان يشبهه». قال: «فأما أهلهم القرى، الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق، فليسوا داخلين في ذلك». أي جزء يبيع هذا لذاك، والعكس. وحكى ابن المنذر عن الجمهور أن النهي للتحريم. قال الشوكاني رحمه الله تعالى في النهي: «ولا يخفى أن تخصيص العموم بمثل هذه الأمور من التخصيص بمجرد الاستنباط». أي في قول الجمهور: «إذا كان البائع عالما، والمبتاع مما تعم الحاجة إليه، ولم يعرضه البدوي على الحضر». أي هذه القيود، يقول الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «تحتاج إلى جليل، ولا يكتفى بمجرد التخصيص بمجرد الاستنباط». قال: «وقد ذكر ابن الدقيق العيد في تفصيل ذلك». حاصله أنه يجوز التخصيص به حيث يظهر المعنى. يقول الإمام ابن الدقيق العيد رحمه الله تعالى: «يوعده من كبار المحققين في هذا الباب». أي في تحقيق قواعد الأصول الفقهية. يقول رحمه الله: «لا، قال في تفصيل حاصله أنه يجوز التخصيص به حيث يظهر المعنى، لا حيث يكون خفيًا». أي إذا كان المعنى ظاهرا، المعنى ظاهر من الحديث، يجوز التخصيص بذلك المعنى الظاهر، وإن كان مستنبطًا. قال الشوكاني رحمه الله تعالى: «فاتباع اللفظ أولى». يعني قال الإمام ابن الدقيق العيد: «حاصله أنه يجوز التخصيص به حيث يظهر المعنى، لا حيث يكون خفيًا، فاتباع اللفظ أولى». أي عند الخفاء. قال الشوكاني: «ولكن لا يطمئن الخاطر إلى التخصيص به مطلقًا». فالبقاء على الظواهر، النصوص والأولى. فيكون بيع الحاضر للبادي محرمًا على العموم. وسواء كان بأجرة أم لا، وسواء كان بأجرة أم لا، يعني سواء اتخذه سمسارًا يبيع له بأجرة، أم كان تبرعًا. الكل محرم. قال: «وروي عن البخاري أنه حمل النهي على البيع بأجرة، لا بغير أجرة». فإنه من باب النصيحة. قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «إنما النهي لا يبيع حاضر لبادي إذا كان بأجرة، بمقابل». أما إذا لم يكن بمقابل، لم يكن بأجرة، وإنما كان على سبيل التبرع، وعلى سبيل النصح، وعلى سبيل الإعانة له. قال: «فهذا جائز». وروي عن عطاء، ومجاهد، وأبي حنيفة: «أنه يجوز بيع الحاضرين للباد مطلقًا». وتمسكوا بأحاديث النصيحة. قالوا: «فيجوز أن يبيع الحاضر للباد مطلقًا، إذا كان فيه ضرر على ذلك البدويين، بأن يبيع السلعة بثمن بخس». فمن باب النصيحة أنه يجوز لهم أن يبيعوه. واستدلوا على ذلك بأحاديث النصيحة. قالوا: «وهي محكمة». وقالوا: «إن أحاديث الباب أي أحاديثها: «يبيع حاضر للباد» منسوخة». أي سابقة. واستظهروا على الجواز بالقياس على توكيل الباد الحاضر، فإنه جائز. قال الإمام الشوكاني: «ويجاب عن تمسكهم بأحاديث النصيحة بأنها عامة، مخصصة بأحاديث الباب». وهذا جواب غيره، من الإمام ابن عبدالبر رحمه الله تعالى، وغيره. والقاعدة عند العلماء: «أن العام إذا تعرض له الخاص، فإن الخاص قاض على العام». فالذي قال: «الدين نصيحة»، وقال: «لا يبيع حاضر لباد»، ولا اختلاف، ولا تضاد بين هذا وهذا. فالحاصل من هذا ما ذكر أولًا: «من أنه لا يجوز أن يبيع حاضر لباد على أي صورة من الصور». طيب مسألة أخرى من مسائل متعلقة بهذه الفقرة، أو بهذه المسألة، وهي: «ما حكم شراء الحضر للبدوي؟» الآن العكس، أولًا أن يبيع له، الآن أن يشتري له. يعني يأتي بدوي إلى حضر، فيقول له: «اشتري لي كذا وكذا». الآن الصورة الأولى: إذا جاء البدوي إلى الحضر، مثلًا صاحبه أو أخوه أو ما شابه، قال: «يا فلان، أعني، تعينني الله، أنا لا أعرف السوق، ولا أعرف شيء من ذلك، هالي إبلي أتت بعشر من الإبل، فبيعها لي، أجحدك هذا». لا يجوز. واضح يا فلان، اتق الله، أنا سيضحك علي الجماعة. يقول له: «يا أخي، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبيع حاضر لباد»، واضح». لكن سنأتي معنا مسألة أخرى، يستطيع أن يعينه بها من وجه آخر. طيب الآن العكس: يأتي بدوي عند حضر، فأقول له: «يا فلان، أنا معي في السوق، تعال معي إلى السوق، واشتري لي كذا وكذا من الأشياء». هل يجوز أم لا يجوز؟ ذهب الجمهور إلى الجواز. وذهب أنس بن مالك، صحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وابن سيرين، والنخعي من التابعين، ومالك في رواية عنه، وهو كذلك ترجيح أو اختيار، وهو قول الظاهرية، وترجيح الصنعاني والشوكاني، كل هؤلاء ذهبوا إلى المنع. استدل هؤلاء بما رواه أبو داود عن أنس بن مالك قال: «كان يقال: لا يبيع حاضر لباد». قال أنس: «وهي كلمة جامعة: لا يبيع له شيئًا، ولا يبتاع له شيئًا». والإسناد فيه أبو هلال الراسي، محمد بن سليم، وقد تكلم فيه بعض الحفاظ. وقال الحافظ في التقييد: «صدوق، فيه لين». لكن أخرج أبو عوانة في صحيحه عن ابن سيرين قال: «لقيت أنس بن مالك، فقلت: لا يبيع حاضر لباد، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم». قال ابن سيرين: «صدق، إنها كلمة جامعة». ومعنى كلمة جامعة: «أي أن لفظ البيع يتناول الشراء». لفظ البيع يتناول الشراء، كما مر معنا: «أن لفظ البيع من ألفاظ المشتركة». كما يقول أهل الأصول. لذا قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «ويقوي ذلك العلة التي نبه عليها صلى الله عليه وسلم بقوله: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». فهذه علة منصوصة». النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى، قال: «لا يبع حاضر لباد»، ثم قال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». فيقول الإمام الشوكاني: «فإن ذلك يحصل بشراء من لا خبرة له بالأثمان، كما يحصل ببيعه». أي من الأرزاق يحصل بالشراء، كما يحصل بالبيع. قال: «وعلى فرض عدم ورود نص يقضي بأن الشراء حكمه حكم البيع». قال: «فقد تقرر أن لفظ البيع يطلق على الشراء». أن لفظ البيع يطلق على الشراء، وأنه مشترك بينهما. قال: «والخلاف في جواز استعمال المشترك في معنييه، أو في معانيه معروف في الأصول». والحق الجواز، إن لم يتناقض. وهذه مسألة أصولية. أهل أصول اللفظ إذا كان مشتركًا، يحتمل هذا المعنى وذاك، يحتمل اللفظ ذاك أو هذا المعنى وذاك، هل يحمل عليهما جميعًا، أو يحمل على أحدهما دون الآخر؟ كما ذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: «أن الأصح في هذا أنه يحمل عليهما جميعًا إذا لم يكن بينهما تناقض». فإما إذا كان بينهما تناقض، حمل على كما يقال: «على بابه المقصود به»، أو على لفظه المراد به. وهذا من هذا الباب، مطلق، وليس بينهما تناقض، بل لفظ البيع يدل على هذا، ويدل على هذا. فكما أنه لا يجوز أن يبيع حاضر لباد، ليرزق الله بعضهم من بعض، كذلك لا يجوز أن يشتري حاضر لباد، لأجل أن يرزق الله بعضهم من بعض. طيب مسألة أخرى: «هل يجوز أن يبيع الحاضر للحاضر، أو الباد للباد؟» المسألة واضحة يا جماعة. إنسان جاء من مدينة إلى مدينة، هل يجوز أن يبيع له صاحبه تلك السلعة، أم لا يجوز له أن يبيعه؟ أو رجل بدوي جاء إلى بدوي، إلى أناس بدوي آخرين، هل يجوز له أن يبيعه أم لا؟ الأصح من أقوال أهل العلم: «أنه يجوز». لأن النبي صلى الله عليه وسلم خص النهي ببيع الحاضر للباد. ولو كان المقصود التعميم، لحمله صلى الله عليه وسلم على التعميم، وهو قد أوتي جوامع الكلم، لأتى بلفظ مشعر بالتحريم مطلقًا. وعلى هذا: إذا رجل مثلًا، نحن الآن في مدينة الشحر، جاءنا رجل مثلًا من مدينة أخرى، أو نحن الشحر ذهبنا إلى مدينة المكلا، عندنا سلعة وبضاعة، عندنا هناك صديق أو أخ، فقلنا له: «يا فلان، بيع لي هذه السلعة»، أو «تعال معي إلى السوق حتى أبيع هذه السلعة»، أو «تبيعني هذه، تبيع لي هذه السلعة». هل يجوز أم لا؟ الجواب يا جماعة: «يجوز». لأنها حضري إلى حضري، حضري إلى حضري. وكذلك يقول: «فيه بدوي إلى بدوي». طيب مسألة أخرى: «هل يجوز أو هل تجوز النصيحة لهم، أو الإشارة عليهم؟» أي إذا جاء البدوي إلى الحضري، إذا جاء البدوي إلى الحضري، كما ذكرنا، يأتي رجل بدوي إلى أخيه، إما نسبًا، وإما في الله، أو صاحب، فيقول له: «يا فلان، بيع لي هذه، بيع لي هذه السلعة». فيقول له: «كما سمعتم، النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع حاضر لباد، لا يجوز له أن يبيعه». لكن هل يجوز له أن ينصحه؟ مثلًا يقول له: «يا طيب، بكم تسوى هذه الإبل عندكم في السوق؟» هل يجوز له أن يقول؟ إذا جاءتك بكذا وكذا، بيعها، إذا جاءتك مثلًا بعشرين ألفًا، بيعها، إذا جاءتك بخمسة عشر ألفًا، لا تبيعها، بيعها بعشرين، وخذ ألف، ولا مشكلة. لأن حدود هذا يجوز له، أو لا يجوز له؟ هذه مسألة. والذي عليه جماعة من العلماء، وهو صحيح: «الجواز». وممن نص على الجواز: الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، وهو مذهب الحنابلة، وكذلك هو وجه للشافعية، بل أصح الوجهين عند الشافعية. أي شافعية منهم، ومنهم. واختاره الإمام ابن المنذر، وابن حزم، وهو قول وفعله طلحة بن عبيد الله، الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، أحد العشر المبشرين بالجنة. وترجيح الصنعاني والشوكاني. وهذا هو الصحيح. واستدل له بما رواه أبو داود وغيره: «أن أعرابيًا قدم بإبل، فنزل على طلحة بن عبيد الله، وكان صاحبا له». وأراد من طلحة أن يبيع له الإبل. فقال له طلحة: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يبيع حاضر لباد، ولكن سأخرج معك». ولكن سأخرج معك، فأجلس، وتعرض إبلك، فإن رضيتم من رجل وفاء وصدق ممن ساومك، أمرتك ببيعه. ثم خرجوا، ففعلوا ذلك. ثم خرجوا، ففعلوا ذلك. أي خرجوا إلى السوق، فجلس طلحة بن عبيد الله في مكان، ينظر إليهم، فإذا جاء المشتري يساوم البائع، فإذا رأى منه صدقًا ووفاء، نظر ذاك الأعرابي إلى طلحة بن عبيد الله، قال له: «بيعه». يقول له: «ماذا؟ بيعه». وإن لم يقول له: «لا تبعه». واضح جماعة. عمل طلحة هذا من باب النصيحة، ولا يبيع له. هو لم يبيع له، ولكن أمره إما أن يبيع، وإما أن لا يبيع، من باب النصيحة، من باب النصيحة لا غير. واضح جماعة. عملاء هذا. يعني قد يقول قائل: «كيف في الصورة الأولى، قلتم: إذا كان من باب النصيحة، لا يجوز البيع؟ والآن تقول: أن تجوز النصيحة؟» واضح جماعة. فما الجواب؟ مرة معنا أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى قال: «إن كان بأجر، لا يجوز، وإن كان من باب النصح له، والإعانة له، فإنه جائز». وقلنا: «الصحيح القول بالمنع مطلقًا». وهنا نقول: «أن الصحيح أن له أن ينصحه، وأن يشير عليه». فما الفرق بين هذا وهذه؟ لم جوزنا ههنا، ومنعنا هناك؟ الجواب: «أن المنع في الصورة الأولى عن البيع، واضح جماعة، لا يبيع هذا لذاك، لا يجوز له أن يبيعه، ولو كان على سبيل النصح». لكن إن جلس بعيدًا، كما فعل طلحة بن عبيد الله، واستشاره، ونصحه، ونصحه بالرشد، وصاحب البضاعة البدوي هو الذي يبيع بضاعته. من الذي يبيعها؟ هنا في حديث طلحة بن عبيد الله: «البدو هو الذي يبيع». إذن هل دخل «لا يبيع حاضر لباد»؟ لم يدخل. بخلاف الصورة الأولى، دخل «لا يبيع حاضر لباد»، أم لا دخل؟ أي دخل في النهي. أما في هذه الصورة، فلم يدخل في النهي. علما أن هذا الفعل من طلحة بن عبيد الله كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. وذهب طلحة بن عبيد الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم عنده، بعد أن قضوا، بعد أن باع الرجل إبله له، ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وضعوا طلب منه أن يكتب له كتابًا، إلى آخر ما ذكر. فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علم بهذا، وأقره. ويدل على جواز هذه الصورة. والحديث صحيح، أنه في الصحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على