الدرس في كتاب البيوع 76، ألقاها
يشرح هذا الفصل أهمية كتابة الوصية للمسلمين كما ورد في حديث عبد الله بن عمر، ويتناول أحكام الوصية الواجبة والمستحبة. يبين دلالة الحديث على وجوب كتابة الوصية إذا كان للشخص شيء يوصي فيه.
يتناول هذا الفصل شرح حديث سعد بن أبي وقاص في فضل الوصية وحدودها، ويبين أهمية الوصية ومتى تكون واجبة أو مستحبة. يشير إلى حدود التصدق بالمال أثناء المرض ويبرز فضل الصحابة في المسارعة لامتثال الأوامر النبوية.
يتناول هذا الفصل أحكام الصدقة والوصية في مرض الموت، ويشير إلى جواز جمع المال بالطرق المباحة مع شروط عدم التفريط في الحقوق الواجبة وعدم الانشغال بالمال عن طاعة الله. يبين حدود الوصية في مرض الموت وأهمية ترك الورثة في حالة غنى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه «عمدة الأحكام»: في هذا الكتاب -يعني في نسختنا- قال: «كتاب الوصاية». وأشار إلى أنه في بعض الطبعات: «باب الوصاية»، وغير ذلك. وفي طبعة أخرى: «باب الوصاية». وكذلك وجد في كتب الشروح، في بعضها: «باب الوصاية»، وفي بعضها: «كتاب الوصاية». ومنها ما ذكر -يعني في كتاب «الإعلام» لابن الملاقي رحمه الله- كذلك: في بعض النسخ «كتاب»، وفي بعضها «باب». فالله أعلم. والفقهاء أنفسهم رحمهم الله تعالى، منهم من يجعل للوصاية كتابا خاصا مفردا، ومنهم من يجعل له بابا، يجعله بابا، وغالبا ما يكون مع «كتاب الفرائض». فالأمر في هذا -إن شاء الله تعالى- واسع؛ لأنه قد هذا، وهذا. فالله أعلم: هل كتب الإمام عبد الغني المقدسي رحمه الله تعالى «كتابا» أو «بابا»؟ الله أعلم. طيب، سأتي الكتاب -بإذن الله جل وعلا- على معنى الوصية لغة وشرعا -بإذن الله جل وعلا-، فندخل في الأحاديث ونعلق عليها -بما ييسره الله جل وعلا-. قال رحمه الله تعالى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده». قال زاد مسلم: قال ابن عمر: «فوالله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي عندي». طيب، حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيه -كما هو واضح- الكلام على الوصية وأحكام الوصية، وما ينبغي للإنسان إذا أراد أن يوصي. فقوله رحمه الله تعالى: «ما حق امرئ»، «ما» ها هنا نافية. وقوله: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين أو ليلة إلا وصيته» -إلا وصيته- يدل على أن «ما» ها هنا نافية. وقوله: «ما حق امرئ»، قال العلماء رحمهم الله تعالى: هذا يحمل على الحث. أي: ما حق امرئ حازم وعاقل، ويعرف ويعلم ما ينفعه مما لا ينفعه. لذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حق امرئ مسلم» -حق امرئ مسلم-، أي: وصفه بأنه مسلم. وهذا الوصف ليس قيدا -ليس قيدا-، بل: وصية تصح من المسلم والكافر. الوصية تصح من المسلم والكافر. ولكن ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ها هنا المسلم؛ لأنه الملتزم بأحكام الإسلام، فيكون ذكره أغلبا. وقوله: «ما حق امرئ مسلم»، كذلك قد يحمل على معنى آخر، أي: على معنى المسلم الكامل في إسلامه، والحريص على إسلامه. قوله: «ما حق امرئ»، «حق» مبتدأ، وهو مضاف، «امرئ» مضاف إليه. وقوله: «مسلم» صفة. وكذلك: «له شيء» صفة ثانية. يوصي فيه، والجار والمجرور متعلق بماذا؟ بالفعل «يوصي». «له شيء»، نعم: «له شيء» جار ومجرور. وقوله: «يوصي فيه»، الفعل المضارع وفاعله، وما تعلق به من الجار والمجرور -وهو «فيه» كذلك- يكون ها هنا صفة لـ«شيء». يكون صفة لـ«شيء». وقوله: «يبيت ليلتين أو ليلة»، طيب، قبل هذا قوله: «ما حق امرئ مسلم له شيء». «شيء» ها هنا نكرة. «شيء» ها هنا نكرة، فيكون على معنى العموم. يكون له شيء يوصي فيه -أي: يريد أن يوصي فيه-. وقوله: «شيء» فيه إشارة إلى معنى الوصية: أنها تكون بما قل أو كثر -بما قل أو كثر-. وليس الكثرة شرطا -وليست الكثرة شرطا- في الوصية على الصحيح. قوله: «يبيت ليلتين أو ليلة»، هذا الذكر -أي: ذكر الليلة والليلةتين- على سبيل التوسعة. وعلى سبيل أن الإنسان قد يغفل -يعني في الليلة قد يغفل- لا يكتب الوصية، لكن لا يتمادى -لا يتمادى-، بل ينبغي له أن يكتب الوصية. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إلا وصيته مكتوبة عنده»، «إلا وصيته» فيه دلالة على أن الوصية مضافة إلى من أوصى بها، فهي وصية له. فهي وصية للموصي. فإذا كانت وصية للموصي، فله أن يوصي بها لمن شاء، لكن -كما يقال- بحد الشرع -أي: مما أباحه الشرع-، وفيما أباحه الشرع -أي: بالمقدار الذي أباحه الشرع-. وكذلك: لمن أباحه الشرع يوصي -لمن أباح له الشرع أن يوصي له-. فلا يوصي -مثلا- من يستعين بالمال على الإثم والعدوان، أو على الإضرار بالإسلام وأهله، أو ما شابه ذلك. طيب، قوله: «مكتوبة عنده»، «إلا وصيته مكتوبة». وقوله: «مكتوبة» فيه فضل الكتابة. في فضل الكتابة: أن الإنسان -يعني- كلما كان كاتبا، كلما -يعني- انتفع بنفسه في الكتابة؛ فلا يحتاج إلى غيره في هذا الأمر. والله جل وعلا قد -يعني- أثنى على من كان له القدرة على ذلك. قال الله جل وعلا: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:1]. ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم:1]. فأقسم الله جل وعلا بالقلم وما يسطرون. وكذلك -يعني- جاءت آية «الدين» في فضل الكتابة: ﴿فَلْيَكْتُبْ كَاتِبٌ بَيْنَهُم بِالْعَدْلِ﴾ [البقرة:282]. وقوله: «مكتوب عنده»، «مكتوب عنده» إشارة إلى أن الوصية الأصل أن تبقى عند من -عند الموصي-. الوصية: أنها تبقى عند الموصي. طيب، الحديث فيه من المسائل والفوائد -فيه كذلك- من المسائل والفوائد إلى جانب ما ذكر: أنه يستحب للمسلم أن يوصي بما يقتضيه الشرع من الوصية، بحيث أن يكون بالثلث فما دون. وأن لا يكون سببا لأجل أن يكون ورثته بحاجة إلى الغير. بمعنى أنه لو كان في ترك الوصية إعساف لأولاده، فهذا هو الأولى. بل قد يجب -يعني- إذا كان سيعطي الوصية، وكان عليه في ماله -مثل حقوق- كان عليه في ماله: ماذا؟ حقوق. فلن يبقى للورثة الشيء، فيكون إضرارا بالورثة. فالحاصل: أنه يكون بالبر إذا كان في بر. ولذا بعض أهل العلم قسم الوصية بحسب أحكام التكليف، قالوا: قد تكون واجبة، وقد تكون مستحبة، وقد تكون مباحة، وقد تكون مكروهة، وقد تكون محرمة -بحسب الوصية-، وبحسب ما يتعلق بذلك المال من الإضرار بالورثة أم لا. وكذلك مما استدل به العلماء -أو استفاد منه العلماء- استفاد العلماء من هذا الحديث: استدلوا به، ذكروا أن الوصية على قسمين -يعني من حيث الوصية على قسمين-. أي: في هذا الحديث: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين لوصية مكتوبة عنده». قالوا: الوصية على قسمين: وصية واجبة، ووصية مستحبة. فأما الوصية الواجبة، فهي ما كانت من حقوق متعلقة بذمة ذلك الموصي، وليس عليها دليل -ليس عليها دليل-. بمعنى: كان يكون له أو عليه دين لفلان وفلان من الناس، وليس عند الناس ما يثبتون أن لهم دينا عنده. فالواجب في حقي أن يوصي، يقول: «عندي لفلان وفلان دين كذا وكذا». أو كان عنده ودائع -حقوق عنده ودائع- للناس، وليس عندهم بينات. فالواجب كذلك في هذا الأمر: يتكلم -وصية ماذا؟ واجبة-. لماذا واجبة؟ لأنه تعلق بها حق واجب -تعلق بها حق واجب-. فالحاصل: أن الوصية تكون واجبة -أي: واجب كتابتها- إذا تعلق بها حق واجب. أما إذا لم يتعلق بها حق واجب، ولكن كانت على سبيل الإحسان وفضل، فإنها من قبيل المستحب. فإنها من قبيل المستحب -يعني: إنسان يريد أن يوصي لبعض أقربائه ممن لا يرثون، أو لبعض الناس ممن يرى أن في الوصية لهم خير، دون إضرار بالوصية أو بالورثة-، دون إضرار بالورثة. فهذا يكون من الأمور المستحبة -يكون من الأمور مستحبة-. طيب، قد يقول قائل: إذا كان سمي حقوقا أو عليه حقوق، ولكنها مقيدة -له حقوق أو عليه حقوق، ولكنها مقيدة-. يعني: إما أن تكون -مثلا- برهن، دين برهن. أو تكون -مثلا- مكتوبة بشهود، أو شهد عليها الشهود. هل يجب عليه في هذه الحال أن يوصي أو لا يجب عليه؟ أرجعوا أن في هذه الحال تكون وصية على سبيل الاستحباب -لا على سبيل الوجوب-. لماذا؟ لأن الحق محفوظ -واضح هذا الأمر-. الحق -أي: حق الغير- محفوظ، إما بالرهن -كما سمعتم-، وإما بما ذكر -يعني: بالبينة عندهم بينة يثبتون حقهم في ذلك الحق-. فالشاهد من هذا: أن الواجب إذا خشي ضياع حق الغير. أما إذا لم يخش ضياع حق الغير، فلا يجب. طيب، قوله: «زاد مسلم: قال ابن عمر: فوالله ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك إلا ووصيتي عندي». وهذا فيه منقبة واضحة لعبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. وكذلك فيه إشارة إلى ما كان عليه الصحابة الكرام من المسارعة في الخيرات. وكذلك المسارعة في إجابة وامتثال الأوامر النبوية. فهذا يدلنا على فضيلة واضحة لابن عمر -خاصة-. وهي كذلك ضمنا فيها إشارة إلى فضل غيره من الصحابة الأخيار رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا كذلك فيه معنى من معنين الحزم: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان ممن يحزم في أموره الدينية والدنيوية. كان ممن عرف بالحزم ورجاحة العقل؛ لأن الحزم يدل على ماذا؟ يدل على رجاحة عقل. بخلاف من كان -كما يقال- الأمور عنده بالسهالة، يفوت ويضيع ويفرط. هذا يدل على ماذا؟ على قلة حزم -على قلة حزم-. طيب، الحديث الذي يليه: قال عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: «جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي». فقلت: «يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة. أفأتصدق بثلثي مالي؟» قال: «لا». قلت: «فالشطر -يا رسول الله-». قال: «لا». قلت: «فالثلث». قال: «لا، الثلث، والثلث كثير. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في فِي امْرَأَتِكَ». قال: «فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟» قال: «إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة. ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون. اللهم امض لأصحاب هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة». يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن مات بمكة». حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه من الأحاديث كذلك العظيمة، الذي فيها جملة من الأحكام والفوائد العظيمة، التي هي من الدروس العظيمة التي يتعلمها المسلم في دينه. سعد بن أبي وقاص معروف أنه من كبار الصحابة وأجلتهم رضي الله عنه وأرضاه، ممن شهد بدرا وجميع المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من العشرة المبشرين بالجنة. ومما انعم الله به عليه النبي صلى الله عليه وسلم: بأبيه وأمه رضي الله عنه وأرضاه. قال: «جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي». أنه يستحب للكبير وللأمير أن يزور من كان من أهل الإسلام، ولا سيما من كان منهم من أهل الفضل، إذا حصل به المرض أو وقع به المرض والبلاء، وما شابه ذلك. وهذا كذلك في دلالة على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن الصحبة لأصحابه؛ فهو يواسيهم ويتفقد أحوالهم وينظر في أمورهم صلى الله عليه وسلم، فهو الأب المشفق لهم جميعا صلى الله عليه وسلم. وقوله: «يعودني»، قوله: «يعودني» في إشارة كذلك إلى أنه عاده في مرض. والعود في معنى من معاني التكرار. العود لغة في معنى من معاني التكرار. فقوله: «يعودني» في إشارة إلى أنه قد يكون قد زاره أكثر من مرة، وعاده أكثر من مرة. وقوله: «عام حجة الوداع»، أي: في آخر سنة كانت -يعني حجها- في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم مات بعد حجة الوداع بنحو ثلاثة أشهر. وقوله: «يعودني عام حجة الوداع» فيه دلالة على أن الحجة التي حجها النبي صلى الله عليه وسلم يقال لها: «حجة الوداع»؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم اجتمع فيها بأكثر جمع وأكبر جمع كان آنذاك. يقال: بأنهم أكثر من مائة ألف. وتكلم معهم، وأوصاهم بالوصايا العظيمة التي هي حقيقة كانت -كما يقال- «وصايا مودع». وقوله: «من وجع اشتد بي» فيه: أن الإنسان يجوز له أن يخبر عما قد يحصل له من المرض ونحوه، إذا كان على سبيل الإخبار -لا على سبيل التسخط-. وقوله: «فقلت: يا رسول الله، قد بلغ بي من الوجع ما ترى»، هذا فيه كذلك ما تقدم من جواز أن الإنسان يذكر ما به من الوجع والمرض، ولا يكون هذا على سبيل التسخط ولا الشكوى -لا يكون على سبيل التسخط ولا على سبيل الشكوى-؛ لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه أراد من النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتيه في أمره -في أمر ماله-. فأخبره عن حاله، يقول له: كيف -يعني كما تراني- أنا في وجع شديد. وكأنه مرض موت واضح، فيكون هذا من هذا القبيل. ليس فيه تشكي ولا فيه كذلك ماذا؟ تسخط. وما كان كذلك، فهذا جائز. ومنهم أن يقول الإنسان -مثلا- للطبيب: يقول: «فيه وجع في المكان الفلاني، وعندي ألم في المكان الفلاني»، وما شابه ذلك. هذا على سبيل ماذا؟ على سبيل الإخبار -لا على سبيل التشكي-. ففرق بين أن يشتكي لغير الله جل وعلا، وبين أن ماذا؟ أن يخبر بما به من ألم أو مرض أو ما شابه ذلك على سبيل الإخبار. طيب، وقوله: «قد بلغ بي من الوجع ما ترى» في دلالة على أن الوجع قد اشتد به جدا رضي الله عنه وأرضاه، حتى ظن أنه سبب لموته -أنه سبب لموته-. ثم بعد أن ذكر ما ذكر، قال: «وأنا ذو مال». «وأنا ذو مال» فيه إشارة إلى أنه يجوز للإنسان أن يكون له مال، وأن يجمع المال بالطرق المباحة. له أن يجمع المال بالطرق المباحة، بشرط أن لا يكون جمعه سببا لتضيعه أو تفريطه في الحقوق الواجبة شرعا عليه. وأن لا يكون كذلك جمعه للمال مشغلا له عن طاعة ربه جل وعلا. بل يستعين بالمال على طاعة الله جل وعلا. وانظر إلى حال هؤلاء الصحابة: كيف كان حالهم؟ يريدون أن يتصدقوا وأن ينفقوا في سبيل الله جل وعلا. وهكذا من نظر في سيرهم يجد هذا المعنى. أبو بكر كان تاجرا رضي الله عنه وأرضاه، لكن انظر: جاءت في بعض الأحايث أنه تصدق بماله كله لله رب العالمين. عمر كان ممن يتجر، تصدق بشطر ماله. عثمان رضي الله عنه وأرضاه كان من كبار -يعني- التجار من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. كم أنفق في سبيل الله جل وعلا؟ فالقوم كانوا يتجرون ويبارك الله لهم في التجارة، وكانت أيديهم ممدودة في ماذا؟ في سبل الخير -في سبل الخير-. فالشاهد قوله: «وأنا ذو مال». وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم لذلك، فيه جواز جمع المال من طرقه المباحة، بشروط المذكورة -أي: أن لا يكون سببا لتضيعه ما أوجبه الله جل وعلا عليه-. ولا يكون سببا لانشغاله بالمال عن الطاعة. بل يعمل ويشتغل ويتجر، ولا بأس أن يتجمع عنده المال -ولو كان كثيرا-. ويستعين به -أي: بذلك المال- على إعفاف نفسه وولده، وعلى طاعة ربه جل وعلا. قوله: «ولا يرثني إلا ابنة»، «ولا يرثني إلا ابنة». وهذا فيه التعليل: أن المال كثير، وأن الوارثة لي ابنة -أنه يقول-: إن ابنتي يكفيها من مال أن أعطيها الثلث -مثلا-. لذا قال: «أفأتصدق بثلثي مالي؟» ولم يقل: «بمالي كله». لماذا؟ لأنه رأى حق البنت -رأى حق البنت-. وهذا يدلنا كذلك على معنى من معاني الفضل للصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. طيب، قولهم: «قال: لا». فيه: أنه استفتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: «لا». أي: لا تتصدق بالثلثين. ففيه دلالة على أنه لا يشرع ولا يجوز للإنسان أن يتصدق في مرض موته -وهو كما يقول علماء: في حكم الوصية-. في هذه الحال: أن يتصدق بثلثي ماله. وكذلك الموصي -كذلك الموصي- لا يجوز له أن يوصي بثلثي ماله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا». قال: «قلت: فالشطر -يا رسول الله-». قال: «لا». وهذا كذلك فيه دلالة على ما تقدم: لا يجوز للإنسان أن يوصي بنصف ماله. قوله: «قلت: فالثلث». قال: «الثلث، والثلث كثير». واضح -أي: أقره النبي صلى الله عليه وسلم على الثلث-. ومع هذا ما أقره إقرارا كاملا، بل أشار إلى أن الثلث في الوصية كثير -الثلث في الوصية كثير-. لذا جاء عن ابن عباس -كما سيأتي معنا-: أنه قال: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث، والثلث كثير». النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثلث، والثلث كثير». ثم قال: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». وهذا فيه إشارة إلى ماذا؟ إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله: «ثلث كثير». ثم علل هذا الأمر بقوله: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء». ففيه الحث على أن الموصي يجب عليه أولا أن لا يتصر في ماله بحيث يتسبب بإضرار الورثة -بحيث يتسبب بإضرار الورثة-. وإن كان لا يضرهم، لكن قد يسبب لهم شيئا من الحاجة. فكذلك الأفضل أن يترك ورثته أغنياء. فيعدل -فين يتصدق- بالربع، بالخمس، بالسدس. يتصدق بماذا؟ بما يسره الله. وكونه يترك ذلك المال لأولاده، هذه أيضا من الصدقة -هذه كذلك ماذا؟ من الصدقة-. والنفقة على أولادهم -ومن أعظم النفقة والصدقة-: الصدقة على الأبناء. الصدقة والنفقة على الأبناء؛ لماذا؟ لأن النفقة عليهم واجبة -النفقة عليهم واجبة-. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بمن تعول». يعني: بعد حينما سأله رجل: «بما أتصدق؟ بالدينار؟» قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأ بمن تعول». ثم قال: «ثم أدناك، أدناك، أدناك». أي: أقرب القريب -فالقريب وهكذا-. ففيه هذا الفضل. وأيضا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول». فالنفقة على الأبناء -كما ذكر- أوجب. وفيها الفضل أعظم من أن ينفق على غيرهم. وسأتي الإشارة إلى هذا في هذا الحديث. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس». «يتكففون» -أي: يمدون أكفهم-، فيعطيهم من يعطيهم، ويردهم من يردهم. «عاجزين يتكففون الناس» -أي: يسألون الناس بالكف-، كما عوّد ماذا؟ السؤال. طيب، قال: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها». «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها». «حتى ما تجعل في فِي امْرَأَتِكَ». هذا الأمر فيه فائدة: وهي أن الإنسان إذا أنفق في أي باب من أبواب الخير، بشرط أن يكون ذلك الإنفاق ابتغاء وجه الله جل وعلا، فإنه يؤجر على ذلك -يؤجر على ذلك-. لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها». «حتى ما تجعل في فِي امْرَأَتِكَ». «حتى ما تجعل في فِي امْرَأَتِكَ». حتى اللقمة ترفعها -جاء في بعض الرواية-: ترفعها إلى فِي امرأتك. كما جاءت كذلك في بعض الأحاديث: «كل معروف صدقة». فالشاهد من هذا: أن الإنسان قد يقول -يعني-: «أنا أنفق على أهلي، واجب. نفقة واجبة على أولادي، نفقة واجبة». هل أؤجر على هذا الفعل؟ نقول: نعم -نعم-؛ لأنك امتثلت ماذا؟ الواجب عليك. وأديت الواجب عليك. واضح: الجماعة إن قال: «أنا أفعله بمقتضى الطبع». أقول: -يعني- أفعله بمقتضى الطبع -لا بأن الله جل وعلا -يعني- باعتبار أني امتثل أمر الله، وأريد وجه الله-. لكن بمقتضى الطبع. فيقال: إذا كان بمقتضى الطبع -بمقتضى الطبع-، فهذا يكون أسقط الواجب عليه -أسقط الواجب عليه-. ولكن لا يثاب. بخلاف من فعل ذلك يريد وجه الله رب العالمين سبحانه وتعالى، فإن هذا يؤجر. وهذا فيه دلالة على أن المباحات ترتقي بالنيات الصالحة إلى العبادات -النيات ترتقي بالنيات الصالحة إلى العبادات-. ومنها الإخلاص: «تبتغي بها وجه الله». كما قال الله جل وعلا في كتابه عن شأن طائفة من عباده المؤمنين: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان:9]. هذا هو الضابط: لا يريدون شكورا -ولا يريدون ماذا؟ جزاء-. إنما يطعمون لماذا؟ ابتغاء وجه الله رب العالمين. فهذا يؤجر عليه. قال: «فقلت: يا رسول الله، أخلف بعد أصحابي؟» «أخلف» -أي: أتأخر-. وأكون خلفا بعدهم -أي: أتأخر في الحياة بعد أصحابي-. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة. ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون». قول النبي صلى الله عليه وسلم -أو قول سعد بن أبي وقاص-: بعد أن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم ما سمع -يعني الآن سعد من أين له؟-. قال: «فقلت: يا رسول الله، أخلف». هذه جملة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء». هنا «ورثتك أغنياء» جمع -مفرد-. «ورثتك أغنياء». بينما ذكر سعد بن أبي وقاص: أنه لا يرث إلا ابنة له. واضح. ففهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه: أنه سيكون له ماذا؟ ورثة. سيكون له ماذا؟ ورثة. وهذا دلنا على معنى من معاني فقه الصحابة: كيف يفهمون النصوص الشرعية؟ كيف يفهمون النصوص الشرعية؟ حينما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إنك أن تذر ورثتك أغنياء». فهم أنه ماذا؟ سيخلف. وفي هذا أيضا علم من أعلام النبوة -علم من أعلام النبوة-؛ إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليه، بل قد صرح في الحديث نفسه: أنه ماذا؟ سيخلف. «حتى ينتفع به أقوام ويضر به آخرون». فقول سعد رضي الله عنه: «أخلف بعد أصحابي». مبني على ماذا؟ هذا السؤال مبني على ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. واضح هذا. طيب، قوله: قال: «إنك لن تخلف فتعمل عملا تبتغي به وجه الله إلا ازددت به درجة ورفعة». وفي هذا إشارة إلى أن الإنسان كلما طال عمره، وحسنا عمله، كان في خير -أن الإنسان كلما طال عمره وحسنا عمله كان هذا من علامات الخير-؛ إذ أن الإنسان كلما ازداد عمره ازداد خيرا وطاعة. وكلما ازداد خيرا وطاعة، كلما ارتفع درجات -بحسب عمله- بفضل الله جل وعلا. واضح هذا -يا إخوة-. أمل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إلا ازددت به درجة ورفعة». لك القيد: بأن يكون ماذا؟ بأن يحسن العمل. والعمل يكون حسنا بالإخلاص والمتابعة -كما هو معلوم-. طيب، قوله رحمه الله: «أو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولعلك أن تخلفا حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون». قوله: «ولعلك». هذا فيه إشارة إلى ما ذكره بعض أهل العلم: أن «لعل» من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم -من الله عز وجل، وكذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم- نافذة وواقعة. إذا قال: «لعل»، وما شابه ذلك. تكون ماذا؟ من هذا القبيل. فقوله صلى الله عليه وسلم: «ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام». حصل هذا الأمر: انتفع به أقوام. وماذا؟ «ويضر بك آخرون». وضر به آخرون؛ لأن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه هو ممن كسر الله جل وعلا به «فارس» -ممن كسر الله جل وعلا به «فارس»-. فهو قائد المسلمين في الغزوات والمعارك -في المعارك مع الفرس-. ونصره الله جل وعلا نصر مؤزرا. فانتفع به أقوام، وانتفع به آخرون -انتفع به آخرون-. وهذا فيه كذلك دليل من دلائل النبوة -فيه دليل من دلائل النبوة-. قوله: «ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون». ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم امض لأصحاب هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم. لكن البائس سعد بن خولة». يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن مات بمكة». وسعد بن خولة -نسبا إلى أمه- رضي الله عنه وأرضاه. وهم «بني عامر». يقال: أنهم من «رهط أبي عبيدة بن الجراح». وبعضهم يقول: بأن أصلهم من اليمن، ولكنهم كان حليفا للعامريين، فنسب إليهم. وكان رجلا من فضلاء الصحابة، وممن شهد بدرا. ومات بمكة. فالنبي صلى الله عليه وسلم سأل الله عز وجل أن يمضي بأصحابه هجرتهم، وأن لا يحصل لهم كما حصل لسعد بن خولة رضي الله عنهم وأرضاه ورضي الله عنهم جميعا. وسعد بن خولة كانت تحته -يعني: سبيعة- كانت تحته «سبيعة» رضي الله عنها وأرضاها. الإسلامية التي سيأتي حديثها في مسألة: المرأة إذا كانت حاملا فمات عنها زوجها، ووضعت الحامل -بأنها يكون قد انقضت عدتها-. طيب، قوله: «يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة» فيه: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الإشفاق على أصحابه -صلوات الله وسلامه عليهم-. طيب، هذا بعض ما يتعلق بالحديث من أمور. وإلا في الحديث مسائل وفوائد كثيرة. ذكر العلماء رحمهم الله تعالى في شروحاتهم قولهم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: ما قال: «لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الثلث، والثلث كثير». وقوله: «غضوا» -أي: أنقصوا-. نقصوا من الثلث إلى الربع. وفي هذا معنى من معاني فقه الصحابة كذلك؛ فإن ابن عباس رضي الله عنهما -لفقهه الدقيق- فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم -كما في حديث سعد بن أبي وقاص-: وقد يكون وقف ابن عباس على أمر آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قال: الثلث، والثلث كثير». إذا كان الثلث كثير، فالأفضل أن يوصي الإنسان بالثلث أم بدون الثلث؟ الصواب: بدون الثلث. هكذا فقه وفهم ابن عباس رضي الله عنهما من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الثلث، والثلث كثير». فإذا يفضل الإنسان أن يوصي بأقل من الثلث -بأقل من الثلث-: بالربع، بالخمس، بالسدس. ولا سيما إن كان له ورثة -إن كان له ورثة-؛ لأنه: لأن يذر ورثته أغنياء خير من أن يذرهم فقراء. لكن لا مانع من أن يتصدق أو يوصي بما تيسر من المال؛ لأجل أن يتصل له الخير والثواب. ولا سيما حين أو عند خروجه من هذه الدنيا؛ فإن الإنسان يكون أحوج ما يكون إلى الأجور والحسنات -إلى الأجور والحسنات-. وفي هذه الأحاديث، وفي معنى الوصايا أيضا من المسائل والفوائد: ما فيه من فضل الله جل وعلا على عباده؛ إذ أن الله جل وعلا جعل للناس بعد أو عند خروجه من هذه الدنيا ما يوصون به من أموالهم، ما يكون -بإذن الله جل وعلا- ذخرا لهم عند لقاء ربهم جل وعلا. وفيه كذلك معنى من معاني الإحسان؛ لأن الوصية من هذا الباب -لا سيما إن لم يكن فيها إضرار-. تكون فيها معنى من معاني الإحسان؛ لأن فيها معنى من معاني «صدقة» و«بر». فهو من الإحسان الذي جاء الإسلام به -من الإحسان الذي جاء الإسلام به-. وهناك فوائد أخرى ومسائل نذكرها -بإذن