الدرس في تفسير سورة البلد من تفسير الجلالين 1، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول المقطع الأول تفسير سورة البلد، موضحًا أنها سورة مكية بالإجماع وعدد آياتها عشرون، وشرح الأسلوب القرآني في القسم بقوله تعالى "لا أقسم بهذا البلد".
فسر المقطع الثاني الآية "لا أقسم بهذا البلد"، موضحًا أن المقصود بالبلد هو مكة المكرمة، كما شرح معنى "وأنت حل بهذا البلد" بمعنيين مختلفين.
تناول المقطع الثالث تفسير آية ﴿ووالد وما ولد﴾، مبينًا آراء العلماء في تفسيرها وتوضيح معانيها المختلفة.
اختتم الدرس بالتعبير عن العلم الإلهي والصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع الختام المناسب للدرس.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: سورة البلد، هذا أوان الشروع في الدخول في هذه السورة الكريمة من سور القرآن، والتي جاء اسمها بسورة البلد، فقال: سورة البلد مكية وآياتها عشرون آية. هنا عدة مسائل، منها في قول المؤلف رحمه الله تعالى: سورة البلد، هذا اسمها في المصاحف وفي كتب التفاسير على هذا الاسم سورة البلد، ولها اسم آخر، جاء ذلك في صحيح البخاري أنها سميت باسم سورة «لا أقسم»، سورة «لا أقسم»، فهذا من أسمائها. قال رحمه الله تعالى: مكية، وهذا بالاتفاق، وقد أشرنا دائما إلى أن المكي ما نزل قبل الهجرة، وقوله مكية هذا أمر قد قام عليه الإجماع، حكاه أزد مخشري، وهكذا القرطبي، وإن كان ابن عطية رحمه الله أشار إلى أن بعض العلماء قالوا عنها مدنية، هذا ليس بسديد، بل هذا بعيد، والصحيح ما عليه جماهير العلماء أنها مكية. قال: سورة البلد مكية وآياتها عشرون آية، قال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم لا أقسم بهذا البلد﴾، قال: لا زائدة، هذا الأسلوب القرآني قد مضى معنا في دروس خلت، يمر هذا في كتاب الله جل وعلا، هذا النمط لا أقسم بكذا، على ماذا يفهم هذا الأسلوب؟ العلماء على هذا على عدة محامل، منهم من حمل الآية على ظاهرها لا أقسم، لا أقسم، أي أن هذا الأمر المقسم عليه هو أمر واضح ما يحتاج إلى أننا نقسم عليه، لا أقسم، هذا القول الأول. القول الثاني: لا أقسم، أن لا النافية هاهنا إنما تصلطت على كلام محذوف، وهذا الكلام المحذوف يفهم من السياق، ففي هذا الموضع مثلا لا أقسم بهذا البلد، أي لا ليس الأمر كما تزعمون أن الإنسان لن يقدر عليه أحد، هذا من أين جئنا به؟ جئنا به بما سيأتي من السياق، وعلى هذا الحال عندما تأتي لا أقسم فإنك تبحث عن سياق الكلام حتى تتنزل أو تنزل النفي على شيء محذوف تقديره الكلام الذي يفهم من خلال الآيات، هذا قول. وقيل في هذا الموضع كذلكم القول الثالث في قوله تعالى: ﴿لا أقسم﴾، وهذا الذي عليه أكثر العلماء، وعليه جماهير المفسرين، وهو الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: لا زائدة، أن لا هي في الحقيقة زائدة، كم يقال زائدة في الإعراب، وإنما من حيث المعنى لا لها فائدة، جئ بها للتوكيد، فمعنى لا أقسم بمعنى أي أقسم، لا أقسم أقسم، وهذا أسلوب عربي يؤتى بنفي القسم على إرادة القسم، وهذا قد جاء أن أظاهره في القرآن، كقوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾، تأمل: ﴿لا أقسم بمواقع النجوم﴾، ثم قال ربنا: ﴿وإنه لقسم﴾، قسم، تعد على ماذا؟ على مواقع النجوم، قد يقول قال: أن لم يقل ربنا لا أقسم لا هنا، إذن يحمل على لا أقسم أي أقسم بمواقع النجوم، بقارينة ما بعده: ﴿وإنه لقسم﴾، لقسم، فهذا يؤيد ما عليه جماهير العلماء، وهو القول الصواب، على أن هذا الأسلوب القرآن إذا مضى ومر عليك في أي موطن من مواطن القرآن، لا أقسم بمعنى أقسم، وهكذا الذي بين أيدينا: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾، بمعنى أقسم بهذا البلد. فكيف إذا انضاف إلى هذا قرين أخرى أن الله عز وجل أقسم بهذا البلد كما في سورة التين: ﴿وهذا البلد الأمين﴾، سيأتي معنى أن الله أقسم، أقسم بهذا البلد الأمين، فدل هذه الآية على أن ما عليه المؤلف هو كلام صواب، فقال: لا زائدة، أي أقسم بهذا البلد مكة، وهذا بالاتفاق، المقصود بالبلد الذي أقسم عليها الرب سبحانه وتعالى هي مكة، ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾، أي أقسم بمكة. وقد أشرنا في دروس ماضية على أن القسم بالشيء يدل على عظمته وشرفه، فهذا القسم فيه بيان على أن مكة هي من أشرف البقاع على وجه الأرض، بل هي أفضل المناطق على الإطلاق، أفضل المناطق على الإطلاق في الأرض مكة، حباه الله عز وجل بما لم يعطي منطقة بمثل فضائلها، حسبها أن الله عز وجل خصها بإنزال آخر الرسائل وأفضل الرسائل في هذا البلد المعظم، فهي أم القرى كما عبر ربنا سبحانه وتعالى، ففيها بيان لشرفها. قال: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾ مكة، ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، حل لها على معنيين، نبقى أولا على معنى المؤلف، قال: وأنت يا محمد حل، قال: حلال بهذا البلد بأن يحل لك فتقاتل فيه، وقد أنجز الله له هذا الوعد يوم الفتح. المعنى الأول في هذا القسم: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾، ما بها؟ ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، حل بمعنى أن الله قد أحلها لك، قد أحلها لك كما قال الحسن رحمه الله تعالى: أحلها الله لنبيه ساعة من نهار، أحلها لنبيه ساعة من نهار، مكة هي بلد محرم، بلد محرم، لكن الله أحلها لنبيه، حل هي حل لك، هي حل لك بأن تفعل فيها ما تشاء، تفعل فيها ما تشاء، وهذا قد وقع في فتح مكة عندما فتحت مكة وغزاها نبينا وفتحها عليه الصلاة والسلام، وحينها سفك دم من سفك، صلوات ربي وسلام عليه، أبان عليه الصلاة والسلام عن الحكم الشرعي بأن مكة محرمة محرمة على كل أحد، وإنما أحلها الله له ساعة فقط، ساعة من نهار، وهذه ساعة الذي افتتحها ثم أعيدت حرمتها، أعيدت حرمة إلى يوم القيامة، فلا يعضد شوكها ولا يختلى خلاها ولا ينفر صيدها، تعود إلى حرمتها، إذن معنى هذه الآية: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، أي أنت حلال، قد أحل الله لك هذه البلدة. إذن نتحدث عن آية مكية قبل الهجرة وتتحدث عن شيء سيقع في فتح مكة، هذا ما معنى قال العلماء: هذه الآية فيها بشارة، وما يعبر عنه بدليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، بينما هو في مكة مستضعف، تتنزل عليه هذه الآيات والسور المكية، أخبره ربه بأنه سيأتي عليك زمان ستعود مكة وستفتح لك مكة وستحل لك ستحل لك بأن تفعل ما تشاء، ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، وهذا الذي عليه كثير من العلماء في فهم هذه الآية وهذه الكلمات وهي حل. المعنى الثاني لمعنى حل: أي مقيم، أنت مقيم، فلا أقسم بهذا البلد وأنت حل، أي أنت مقيم بهذا البلد، أي أقسم بمكة المشرفة المعظمة، وأن تشريفها وتعظيمها يزداد بوجودك فيها، تزداد عظم فوق عظمتها وبهاء فوق بهائها، نور على نور، هذا معنى الثاني لمعنى حل، لمعنى أن تنازل ومقيم فيها، فهذه الآية: ﴿وأنت حل﴾، على هذين المعنيين، المؤلف ذكر أن حل، قال: بأن يحل لك فتقاتل فيها، قال: وقد أنجز الله هذا الوعد يوم الفتح، كما قلنا دليل من دلائل نبوة وبشارة سبقت الأزمان لرسول الله عليه الصلاة والسلام. قال رحمه الله تعالى: فالجملة اعتراضية بين المقسم به وما عطف عليه، أي هذه الكلمة هذه الآية: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، هي جملة اعتراضية، لماذا جملة اعتراضية؟ لأن عندي أقسام، عندي قسم بعده قسم سيأتي: ﴿لا أقسم بهذا البلد ووالد وما ولد﴾، أقسام، عندي فهنا: ﴿وأنت حل﴾، أدخلت بين الأقسام، بدل أن تكون: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾، أي أقسم بهذا البلد، ووالد وما ولد، لا، هنا: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾، أدخلت هذه الجملة: ﴿وأنت حل بهذا البلد﴾، يسميها علماء النحو هذه جملة اعتراضية، جملة اعتراضية، والجملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب كما يقول النحاة. قال رحمه الله تعالى: قال: ﴿ووالد وما ولد﴾، قال: ووالد آدم، وما ولد، أي ذريته، وما بمعنى من، وما بمعنى من القسم في هذه الآية، بعد أن أقسم ربنا عز وجل بمكة: ﴿لا أقسم بهذا البلد﴾، يأتي القسم الثاني: ﴿ووالد وما ولد﴾، أقسم ربنا بالوالد وما ولد، وما هو الوالد والولد هنا؟ الذي عليه المؤلف وعليه جماعة من العلماء كما نقل ذلك عن مجاهد والضحاك وعن الحسن، قال: ووالد آدم، الوالد هنا هو آدم، أي أقسم ربنا بآدم وما ولد، أي ذريته، أي وما ولد، أي ومن ولد، هنا ما كما قال: ما بمعنى من، أي ومن ولد، أي ذريته التي خرجت من نسله، إذ كلنا كل البشر ممن تناسل من آدم عليه السلام، فآدم أبو البشر ونحن ذريته، فربنا سبحانه وتعالى أقسم بالبشرية بآدم الأصل وما تفرع منه. تأتي القاعدة: القسم على ماذا يدل؟ يدل على الشرف، ولماذا أقسم ربنا عز وجل بآدم وما بذريته؟ قال العلماء: لأنه من أعجب خلقه، من أعجب خلقه، فربنا عز وجل خلق الإنسان على خلقه، ما أحد ما أحد من الكائنات والمخلوقات الموجودة كانت وما ستأتي بمثل خلقة البشر، أبدع الله عز وجل خلقة آدم على أحسن وجه، ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، غاية في الإتقان أحسن، وهكذا في قول تعالى: ﴿وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا﴾، تفضيل كبير جدا، خلق الله الخلق، فهم محل شرف، ولهذا أقسم ربنا عز وجل بهذه البشرية: ﴿ووالد وما ولد﴾، هذا القول الأول الذي ذهب إليه المؤلف ومن أهل العلم، وهو ذا ترجيح. ابن جرير الطبري يرى أن الآية عامة، ليس مخصوصة بآدم وبذريته، بل عامة بكل والد وما يتفرع منه، فيدخل في ذلك الإنسان، فيدخل في ذلك الحيوان، ويدخل في ذلك كل العوالم التي تلد، كل العوالم تدخل في هذا المقام، هذا قول الإمام الطبري رحمه الله تعالى، على هذا المقام، أي من غير تخصيص، فقال: ﴿ووالد وما ولد﴾، هذا إذا قلنا أن ما بمعنى من. هناك معنى ثالث، وأكتفي به وأنتهي وأختصر المجلس، أن هنا: ﴿وما ولد﴾، ليس ما كما ذكر المؤلف أنها بمعنى من، بل ما بمعنى ما النافية، بمعنى ما النافية، سيكون المعنى أن الله أقسم بكل ما يلد وبكل ما لا يلد، وهو العاقر والعقيم، فكل هذه الأشياء أي بجميع المخلوقات قد أقسم عليها الرب، أقسم بما يلد: ﴿ووالد وما ولد﴾، أي وما نافية، أي وما ولد، تبقى على ظاهرية، وما ولد، أي العاقر، فيكون الله عز وجل أقسم بهذا وبذاك. نكتفي إلى هذا الحد، والله تعالى أعلم، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.