الدرس في شرح كتاب التوحيد 251، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المؤلف أورد هذا الباب لبيان عظيم إنعام الله والاعتراف بنعمه كجزء من التوحيد. هناك فرق بين هذا الباب والباب السابق رغم الحديث عن النعم.
نعمة الولد من النعم الخاصة التي يمن الله بها على عباده، وتُعد من النعم العظيمة المذكورة في القرآن. الولد الصالح له أهمية كبيرة في حياة الإنسان.
نعمة الأولاد قد تنقلب نقمة إذا وقع الوالدان في الشرك بسببها، مثل نسبة الإنجاب لغير الله أو تقديم محبة الأولاد على الله ورسوله. هناك صور أخرى للشرك بسبب الأولاد.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُنهي بالتأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب قول الله تعالى ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾ الآية. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب، وهي من الأبواب الجديدة في كتاب التوحيد، ضوّب على هذا الباب بهذه الآية الكريمة، ألا وهي قوله جل في علاه ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾. وهنا مسائل إخواني في الله، أولى هذه المسائل: ما الذي جعل المؤلف رحمه الله تعالى يورد هذا الباب في كتاب التوحيد؟ هذا الباب حقيقة إخواني في الله ينتظم مع الأبواب السابقة في بيان عظيم إنعام الله على العباد، في عظيم إنعام الله على العباد، إنسان ينبغي أن يشكر ربه سبحانه، أن يشكر ربه سبحانه وتعالى على نعمه. وقد أسلفنا إخواني في الله أن مقام الإقرار بنعمة الله يعتبر من مفردات التوحيد، حينما تستشعر بأن الله جل وعلا هو الواهب، وهو المانح، وهو الرازق، وأن الكون كونه، والخلق عبيده يؤتي ملكه من يشاء وينزعه عن من يشاء، قل: «الله مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء». فالإنسان إذا أقر بهذا الأمر واعتقد وعلم واستقر في قلبه على أن الله جل وعلا هو المنعم، كان ذلك فيه من الإعظام والإجلال لمقام التوحيد. ولهذا إخواني في الله، من تأمل في باب الأذكار، وإذا أردت أن توازي في أيهم أعظم أجرًا، اعلم أن الحمد من أعظم الأذكار أجرًا، فقد أخبر عليه الصلاة والسلام أنه من قال: «سبحان الله» كتبت له عشرون حسنة، ومحيت عنه عشرون سيئة، ومن قال: «الحمد لله» كتبت له ثلاثون حسنة، ومحيت عنه ثلاثون سيئة. الحمد، الحمد شأنه عظيم، بل تأمل يا عبد الله في أعظم سورة أنزلها الله في القرآن، السبع المثاني الفاتحة، ابتدئت بهذا الذكر: «الحمد لله رب العالمين». فالحمد يا عبد الله كله يدور على مسألة الإقرار بأن الله جل وعلا هو المنعم. ولهذا المؤلف رحمه الله تعالى أكثر في هذه الأبواب الأخيرة في بيان ما يتعلق بإنعام الله جل وعلا، وأن الله سبحانه وتعالى ينبغي أن يقر له بالنعم، ومن ثم يأتي ما كان من مفردات التوحيد من الإقرار والإجلال والإعظام والثناء والشكر لله جل في علاه. المسألة الثانية التي تكون معنا: قد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك، إذا كان هذا الباب يتعلق بالنعم، والباب الذي سبق يتحدث عن النعم، إذن هل هذا من باب التكرار؟ الجواب: لا، بل هناك فرق بين البابين، وإن كان الكل يتحدث عن نعمة، لكن هناك فرق. ومن أعظم الفروق بين البابين أن الأبواب السابقة إخواني في الله تتحدث عن النعم العامة، عن النعم العامة التي يسبغها الله على عباده، من نعمة الصحة، من نعمة المال، من نعمة الحياة، من نعمة الأمن والأمان، من نعمة الأرزاق، ذاك الذي يعطيه الله الصحة والسلام من الآفات والعاهات، كما مر في الأحاديث السابقة. لكن هاهنا في هذا الباب، عده المؤلف رحمه الله تعالى لبيان نعمة واحدة خاصة، ألا وهي نعمة الولد، ألا وهي نعمة الولد. فهذا التبويب الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهي هذه الآية: ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾ تتحدث عن نعمة الولد. سأتي معنى الخلاف الحاصل في تفسير العلماء لهذه الآية: هل هي تتعلق بكل زوج وزوجة آتاهم الله الولد، أم أنها خاصة بآدم وحواء؟ سأتي الخلاف فيهما في الدروس القادمة بإذن الله، لكن في المآل الآية تتحدث عن نعمة الولد. فنعمة الولد من النعم العظيمة، ومن المنن الجليلة، بل بنص القرآن، فإن الله عز وجل إذا أراد أن يمن على قوم ما، بما أسبغ الله عليهم من النعم، ذكرهم بنعمة البنين والأولاد، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا﴾. يذكرهم ربنا جل وعلا بما كان من منه ونعمته عليهم أن مدهم بالأموال ومدهم بالبنين والأولاد. وهكذا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعلكم جنات ويجعلكم أنهارا﴾ الآية. فلا زال ربنا جل وعلا يذكر الناس بهذه النعم. بل في شرعنا، قال عليه الصلاة والسلام: «تزوجوا الولود الودود، فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة». وتأمل يا عبد الله في الذي يحرم من نعمة الولد، كيف يكون حاله؟ يرى أنه ناقص في مجتمعه وفي نفسه، فلا يزال يبحث عن الكمال في هذا الباب بالبحث عن العلاج، سواء ما كان من العلاج الشرعي، من كثرة الإلحاح والتضرع على الله سبحانه وتعالى صباح مساء، وما يكون من العلاج المادي، من الذهاب إلى المستشفيات وأخذ التحاليل والعقاقير، عل وعسى أن يأتي بنسمة تحمل اسمه من بعده. واسأل يا عبد الله من ابتلاهم بالعقم، تعلم هذا علم اليقين، فمن أعطاه الله الولد، فليعلم أن الله أعطاه نعمة عظيمة، وليس أي ولد، بل كما في الآية: ﴿فلما آتاهما صالحا﴾، هنا «صالحا» بمعنى أي صالح في خلقته، ليس معيبًا، ليس فيه عيب، لأن من الناس من يرزق بأولاد، أو يرزق بولد فيه عاهة، فيه عاهة ما يستفيد منه، بل كان الولد هذا في الحقيقة عالة على والديه، ما استفاد منه شيئا. لكن هنا يذكرنا الله بهذه النعمة، نعمة الولد، إذا أنجبوا وهم على صلاح، أي صلاح في الخلقة، صالحا سليما معافا، نعمة عظيمة. هنا تأتي المسألة الثالثة، ألا وهي في قول ربنا جل وعلا: ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾، هذه النعمة، نعمة الولد، قد تنقلب على الناس نقمة، من وجه أنها توقعهم في الشرك، توقعهم في الشرك، توقع الأبوين والوالدين في الشرك، بماذا؟ بهذه النعمة التي أنعمهم الله بها. ومن صور الشرك كما ذكر العلماء في مسألة الإنجاب للبنين وللأولاد، أولا ما يكون أن الإنسان ينسب هذه النعمة إيجادا وخلقا لغير الله، وهذا من الشرك الأكبر، كحال من يعبد الأصنام والأوثان والبقر والقرود والحيوانات، ويرى أن هذه الأولاد إنما أنجبوا بسلام وبخير وعافية ببركة الصنم والوثن وهكذا، قل من لا يزال في ذهنه أفكار الجاهلية الأولى، ممن تعلق بتعظيم الأولياء، فربما ينطرح عند القباب والأضرحة ويسألهم الإنجاب، فإذا جاءه الولد، لربما كان في نفسه، إن لم يصرح بلسانه، بأن هذا إنما جاءه من بركة الولي. وهذا من الشرك، هذا من الشرك، فالإيجاد والخلق هو من خصائص الرب سبحانه وتعالى، هذا من الشرك الأكبر. وقد يقع الإنسان من الأبوين في الشرك الأصغر، إذا وجد أن سلامة هذا الجنين أو سلامة هذا الولد إنما كان بمهارة الطبيب، أو بمهارة تلكم القابلة التي استطاعت بمهارتها وحذقها وصبرها ومصابرتها أنها تخرج هذا الولد بسلامة، فلا يزال هذا الأب أو تلك الأم يحدث بفضيلة الطبيب في الإنجاب: «لولا الطبيب الفلاني والله ما ولد»، «لولا القابلة فلانة والله ما ولد». فلا يزال يذكرون السبب وينسون المسبب للأسباب، وهو الله جل في علاه. وهذا من الشرك الأصغر. وكذلك من الصور التي تجعل الأبوين يقعون في المخالفة بسبب الإنجاب للأولاد، أنه يقدم محبة الأولاد على محبة الله ورسوله، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾. تجد أن الإنسان من تعظيمه لأولاده لربما قدم محبتهم على محبة الله ورسوله. وأيضا رابعا، من صور ما يقع من المخالفات في مسألة الإنجاب والأولاد، أن الإنسان يعبد أو يسمي أسماء الأولاد بما فيها التعبيد لغير الله، ماذا؟ سميت ابنك يا أبو فلان؟ والله سميته «عبد النبي»، «عبد النبي»، أو سميته «عبد الحسين»، أو سمى بمثل هذه الأسماء، يعبدهم لغير الله، والناس كلهم عبيد لله، فلا يجوز بالاتفاق أن يعبد أحد غير الله جل وعلا، حسا ومعنى، لفظا وقلبا وقالبا، التعبيد لله، الكل عبيد لله في اسمه ومسماه. فمن جعل لأولاده وأبنائه من التعبيد لغير الله، فقد وقع في الشرك. فهذه أربع صور إخواني، ذكرها العلماء، وسيأتي الحديث عنها بإذن الله تحت هذا الباب، والذي كما قلنا بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقول ربنا: ﴿فلما آتاهما صالحا جعل له شركاء فيما آتاهما﴾. وسيأتي معنا مزيد مسائل متعلقة بهذه الآية، وما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى من آثار. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.