الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 113، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن تيمية اعتقاد النصارى في اتحاد الله بالجسد ويستدل على بطلانه من القرآن الكريم. يبين أن اتحاد الله بالجسد يتناقض مع نفي رؤية الله في الدنيا.
يناقش هذا الفصل اعتقاد حلول الله في البشر ويرد عليه من عدة أوجه، منها عدم اختصاص أحد بذلك وعدم ورود دليل عقلي أو نقلي عليه. يبرز تناقضه مع معتقدات المسلمين.
يتناول هذا الفصل الرد على اعتقاد النصارى في حلول الصفة الإلهية في ذات عيسى عليه السلام، ويقدم أوجهًا تناقض هذا الاعتقاد. ينتقد أيضًا التعابير اللغوية غير المستقيمة المستخدمة لتأكيد آراء مشابهة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله: الوجه الثالث أن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يقتضي أن يكون الحجاب حجابًا يحجب البشر كما حجب موسى، فيقتضي ذلك أنهم لا يرونه في الدنيا، وإن كلمهم، كما أنه كلم موسى ولم يره موسى، بل سأل الرؤية، فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قيل: «أنا أول من آمن أنه لا يراك أحد في الدنيا». وعندهم في التوراة أن الإنسان لا يمكنه أن يرى الله في الدنيا فيعيش. وكذلك قال عيسى لما سألوه عن رؤية الله، قال: «إن الله لم يره أحد قط». وهذا معروف عندهم. إذا كان كذلك، فلابد أن يكون الحجاب - الحجاب للبشر - ليس هو من البشر، فلابد أن يكون الحجاب الحاجب للبشر ليس هو من البشر. وهذا يبطل قول النصارى؛ فإنهم يقولون: إن الرب احتجب بحجاب بشري، وهو الجسد الذي ولدته مريم، فاتخذه حجابًا وكلم الناس من ورائه. والقرآن يدل على أن الحجاب ليس من البشر، يبين هذا الوجه الرابع، وهو أن ذلك الجسد الذي ولدته مريم هو من جنس أجسام بني آدم. فإن جاز أن يتحد به ويحل فيه ويطيق الجسد البشر ذلك في الدنيا بما يجعله الله فيه من القوة، جاز أن يتحد بغيره من الأجسام بما يجعله فيها من القوة. وإذا جاز أن يتحد فيها، جاز أن يكلمها بغير حجاب بينه وبينها بطريق الأولى والأحرى. وهذا خلاف ما ذكروه، وخلاف القرآن. فتبين أن نفي الأنبياء لأن يراه المرء في الدنيا هو نفي لمماسته ببشر بطريق الأولى والأحرى. والناسوت المسيح هو بشر، فإذا لم يمكنه أن يرى الله، فكيف يمكنه أن يتحد به ويماسه ويصيره وواحدًا كاللبن والماء، والنار والحديد، أو كالروح والبدن؟ الوجه الخامس: أنه من المعلوم أن رؤية الآدمي له أيسر من اتحاده به وحلوله فيه، وأولى بالإمكان. فإذا كانت الرؤية في الدنيا قد نفاها الله، ومنعها على ألسنة رسله: موسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، فكيف يجود اتصاله بالبشر واتحاده به؟ الوجه السادس: أنه لو كان حلوله في البشر مما هو ممكن وواقع، لم يكن لاختصاص واحد من البشر بذلك دون من قبله وبعده معنى؛ فإن القدرة شاملة، والمقتضي - وهو وجود الله وحاجة الخلق - موجودة. ولهذا لما كانت الرسالة ممكنة، أرسل مئة البشر غير واحد. ولما كان سماع كلامه للبشر ممكنًا، سمع كلامه غير واحد. ورؤيته في الدنيا بالأبصار لم تقع لأحد باتفاق علماء المسلمين، لكن لهم في النبي صلى الله عليه وسلم قولان. والذي عليه أكابر العلماء وجمهورهم: أنه لم يره بعينه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة. الوجه السابع: قولهم: «وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف، مثل الروح وغيرها، فكلمة الله التي بها خلقت الكثائف تظهر في غير كثيف»، كلا! فيقال لهم: ظهور اللطائف في الكثائف كلام مجمل. فإن أردتم أن روح الإنسان تظهر في جسده، أو الجن يتكلم على لسان المصروع ونحو ذلك، فليس هذا مما نحن فيه. وإن أردتم أن الله تعالى نفسه يحل في البشر، فهذا محل النزاع، فأين الدليل عليه؟ وأنتم لم تذكروا إلا ما يدل على نقيض ذلك. الوجه الثامن: أن هذا أمر لم يدل عليه عقل ولا نقل، ولا نطق نبي من الأنبياء بأن الله يحل في بشر. ولادعى صادق قط حلول الرب فيه. وإنما يدعي ذلك الكذابون، كالمسيح الدجال الذي يظهر في آخر الزمان، ويدعي الإلهية، فينزل الله تبارك وتعالى عيسى بن مريم - مسيح الهدى - فيقتله. الوجه التاسع: قولهم: «فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف»، كلا! فيقال لهم: كلمة الله التي يدعون ظهورها في المسيح، أهي كلام الله الذي هو صفته، أو ذات الله المتكلمة، أو مجموعهما؟ فإن قلتم: الظاهر فيه نفس الكلام، فهذا يراد به شيئان... إلى آخره. الوجه العاشر: قولهم: «فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف تظهر في غير كثيف»، كلام باطل. فإن ظهور ما يظهر من الأمور الإلهية إذا أمكن ظهوره، فظهوره في اللطيف أولى من ظهوره في الكثيف. الوجه الحادي عشر: أن الناسوت المسيحي عندهم - الذي اتحد به - هو البدن والروح معًا. فإن المسيح كان له بدن وروح، كما لسائر البشر، واتحد به عندهم اللاهوت. فهو عندهم اسم يقع على بدن وروح آدميين، وعلى اللاهوت. الوجه الثاني عشر: أنهم مشبهون اتحاد اللاهوت بالناسوت باتحاد الروح بالبدن. وحينئذ فمن المعلوم أن ما يصيب البدن من الآلام تتألم به الروح، وما تتألم به الروح يتألم به البدن، فيلزمهم أن يكون الناسوت لما صلب وتألم وتوجع الوجع الشديد، كان اللاهوت أيضًا متألمًا متوجعًا. الوجه الثالث عشر: أن قولهم: «وإذا كانت اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف، فكلمة الله لا تظهر إلا في كثيف»، كلا! تركيب فاسد لا دلالة فيه. الوجه الرابع عشر: أنهم قالوا: «وأما تجسيم كلمة الله الخالقة...»، ثم قالوا: «فكلمة الله التي بها خلقت اللطائف»، فتارة يجعلونها خالقة، وتارة يجعلونها مخلوقًا بها. الوجه الخامس عشر: أن يقال لهم: إذا كان الله لم يخاطب بشرًا إلا وحيًا أو من وراء حجاب، أو يرسل رسولًا فيوحي بإذنه ما يشاء، فتكليمه للبشر بالوحي، ومن وراء حجاب، وبإرسال ملك، كما أرسل الملائكة، إما أن يكون كافيًا في حصول مراد الرب من الرسالة إلى عباده، أو ليس كافيًا، بل لابد من حلوله نفسه في البشر. الوجه السادس عشر: أنه من المعلوم أن الأنبياء الذين كانوا قبل المسيح أفضل من عوام النصارى الذين كانوا بعد المسيح، وأفضل من اليهود الذين كذبوا المسيح. فإذا كان الرب قد فضل باتحاده في المسيح حتى كلم عباده بنفسه، فيتحد بالمسيح محتجبًا ببدنه الكثيف، وكلم بنفسه اليهود المكذبين للمسيح، وعوام النصارى، وسائر من كلمه المسيح، فكان أن يكلم من هو أفضل من هؤلاء من الأنبياء والصالحين بنفسه أولى وأحرى. الوجه السابع عشر: أنه إذا أمكنه أن يتحد ببشر، فاتحاده بملك من الملائكة أولى وأحرى. وحينئذ، فقد كان اتحاده بجبريل الذي أرسله إلى الأنبياء أولى من اتحاده ببشر يخاطب اليهود وعوام النصارى. هذه هي الأوجه التي تبين نفي شبهة النصارى في مسألة الحلول والاتحاد، أي حلول الصفة في ذات عيسى. وذكر هذه الأوجه من باب زيادة إلزام النصارى بالأدلة الشركاتية والعقلية على بطلان قولهم. وبعضها معناه مكرر، لكن يذكره رحمه الله من باب تأكيد هذا الإلزام. ويمكن أن تختصر هذه الوجوه على وجه الإشارة والتأكيد والتنبيه بثلاثة أمور: الأول: أن الأدلة الشرعية كلها تدل على استحالة اتحاد الصفة بالذات، فضلًا عن صفة الرب سبحانه وتعالى. فالصفة لا تتحد بغير الذات التي هي له، فضلًا عن صفة الرب أن تكون متحدة بذات المخلوق. الثاني: أنه على تقدير إمكان ذلك - لو قدر أنه ممكن - لكان إمكانه ليس منحصرا بالمسيح، بل هو ممكن للمسيح وممكن لغير المسيح. فلا مزية إذن لعيسى بن مريم عن سائر خلق الله الآخرين. الثالث: أن قضية الاتحاد، والتعبير بمثل هذه التعابير المختلفة المتنوعة - ومنها هذه العبارة: «اللطائف لا تظهر إلا في الكثائف» - هي مع فسادها الشرعي والعقلي، عبارة غير صحيحة، وتركيب فاسد. حتى من جهة الصياغة، صياغة فاسدة لا يوافقها معنى، ولا يرتضيه لفظ. وكل تعابيرهم المتنوعة المختلفة التي يراد منها تأكيد مسألة الحلول الذي ذهبوا إليه هو من جنس هذا: ألفاظ منمقة، إذا دقق فيها، وجد أنها ألفاظ غير مستقيمة، ومعاني أشد تنافرًا، لا يستصيغ عاقل أن يقبلها.