تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 92

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 92

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 92، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ وصفات المتثاقلين

يفسر العلامة السعدي الآية الكريمة موضحًا أن المراد بالمتثاقلين هم المنافقون الذين يثبطون المؤمنين عن الجهاد، مستدلًا بآيات أخرى وأحداث غزوة أحد كرجوع ابن سلول بثلث الجيش. ويبين أن غايتهم الدنيا وحطامها وخوفهم من الموت والهزيمة.

تحليل مواقف المنافقين في غزوة أحد والنعمة الحقيقية

يستعرض المقطع تعليقات المنافقين والمتخلفين عن غزوة أحد الذين عدّوا نجاتهم من القتل نعمة، بينما بيّن المفسرون كابن القيم والسعدي أن النعمة الحقيقية هي التوفيق للجهاد والاستشهاد في سبيل الله. أما القعود فيورث الندامة والعذاب الأخروي.

مقارنة نظرتي المنافقين والمؤمنين للنصر والهزيمة

يبيّن المقطع الفرق الجوهري بين المنافق الذي لا همّ له إلا الغنائم الدنيوية، فيرى النصر ربحًا ماديًا والهزيمة خسارةً دنيوية، وبين المؤمن الصادق الذي يفرح بنصر الله لانتشار دينه. مستدلًا بحديث زيد بن ثابت أن من كانت همته الآخرة جمع الله شمله وأتته الدنيا راغمة.

الدعاء بالخير والهداية وخاتمة المجلس

يختتم المتحدث بالدعاء بأن يوفق الله الحاضرين للخير، ويجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، وأن يشملهم برحمته فيجعلهم من عباده الصالحين. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله عند قوله جل وعلا: ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 72]. قال: «وإن منكم لمن ليبطئن»، قيل: إنه من أهل الإيمان يتأخر ويتثاقل عن الجهاد، أو أن المراد أهل النفاق الذين يثبطون غيرهم عن الجهاد؛ لأن هناك كما قال الله عز وجل في أناس: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ ﴾ [التوبة: 47]، أي يحرشون بين المؤمنين. وهؤلاء ذكر الله عز وجل أنهم يثبتون أهل الإيمان، يثبتون أهل الخير عن الخير. وهذا يوجد أيضًا في أهل الإيمان، أن بعض أهل الإسلام تجد يثبت غيره على فعل الخير ويدله على فعل آخر. وهذا حصل أيضًا من المنافقين في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، يثبتون أهل الإيمان عن الجهاد في سبيل الله. فلذلك قال الله عز وجل: ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ﴾، أي لو خرجوا معكم ما زادوكم إلا خبالًا، ﴿ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا ﴾ أي إلا تقاعسًا. وأيضًا من هذا الكلام الذي يثبت عن الجهاد في سبيل الله: ﴿ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ ﴾ [التوبة: 47]. وأيضًا الله عز وجل ذكر عن بعضهم أنهم يقولون لبعض أهل الإيمان إذا أرادوا أن يقاتلوا: ﴿ هَلُمَّ إِلَيْنَا ﴾ [آل عمران: 167]، ﴿ وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ [الأحزاب: 18-19]، أي في الخير. وأيضًا تجد أنهم يخرجون من صفوف أهل الإيمان، مثل ما فعل ابن سلول في غزوة أحد، رجع بثلث الجيش، رجع بثلث الجيش، وكاد أن يرجع أيضًا أكثر من ذلك، كاد أن يرجع بنو الحارث وبنو سلمة، كما قال الله عز وجل: ﴿ إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ [آل عمران: 122]، كادوا أن يفشلوا. قال جابر بن عبد الله: نزلت هذه الآية في بني الحارث وبني سلمة في قومي، أنا جابر من بني سلمة، كادوا أن يرجعوا في أحد، لكن سلم الله عز وجل. وقال الله عز وجل: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [آل عمران: 122]. وهكذا هؤلاء. قال: ثم قال جل وعلا، ثم ذكر غايات هؤلاء المتثاقلين ونهاية مقاصدهم. معنى هؤلاء لهم غايات ومقاصد من هذا التثاقل، يثقلون ويثبتون غيرهم عن الخير، ولهم مقاصد ذكرها ربنا جل وعلا. وهذا يدل على أن هذه الآيات في المنافقين، وأن معظم قصدهم الدنيا وحطامها. فقال: ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ [النساء: 72]، أي هزيمة وقتل، وضفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال. أن الموت أو الهزيمة والقتل هذه من المصائب. فأصابتكم مصيبة الموت، والهزيمة أيضًا مصيبة، وضفر الأعداء وغلبتهم على أهل الإسلام أيضًا مصيبة على أهل الإسلام. ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾، أي هزيمة وقتل، وضفر للأعداء أو ضفر الأعداء عليكم في بعض الأحوال، لما لله في ذلك من الحكم. وقد تقدم في الآيات التي في سورة آل عمران في ما حصل لأهل الإسلام في هذه الغزوة، وأنه حكم من الله جل وعلا. وقد ذكر الإمام ابن القيم حكم هذه، أو عدم غلبة أهل الإسلام في هذه الغزوة، له حكم، فذكر منها كثيرًا، وقد ذكرها أيضًا الشيخ السعدي رحمه الله. قال: ذلك المتخلف أي عن الجهاد، والمثبت، ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 72]. لما حصلت المصيبة من الهزيمة والقتل، يقول: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا. قد ذكر ربنا جل وعلا أيضًا عن قوم أنهم قالوا: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ [آل عمران: 168]. يقول بعضهم، بعض المنافقين: لو أطاعونا ما قتلوا، يعني لو أطاعونا جعلونا نحن الذي نقودهم، كأنهم يرون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أهلًا للحرب، وليس وما عنده خبرة في القتال. فقالوا: لو أطاعونا ما قتلوا. فقال الله عز وجل: ﴿ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [آل عمران: 168]. أن إذا جاءكم الموت أو القتل ادرأوه عن أنفسكم. فتجد أنهم فقط يتكلمون في حال الرخاء، وأيضًا يتكلمون يريدون أن تزيد معنى، يزيد ما حصل لأهل الإسلام، أيضًا يزيدونه بالكلام عليه، وكأنهم يوبخونه. فيقولون: قد أنعم الله علي، أي يقول هذا من هؤلاء المنافقين أو من غيرهم: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا. أي رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة. يقول: الحمد لله ما كنت معهم، وإلا قتلت في تلك الغزوة، لكن أنا ما كنت معهم، الحمد لله. وهذا يظن أنه أن الله عز وجل سلمه، يظن أن الله عز وجل سلمه من هذا القتل، فقال هذا الكلام. قال: ولم يدري أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسرات. لأنه ما الذي يريده؟ يريد رضا الله عز وجل، ويريد الجنة. فإذا قتل فهي ليست مصيبة عليه، وإنما هذا شرف له أنه مات لأجل الله، لأجل الذي خلقه، ولأجل الذي رزقه، والذي أوجده في هذا الكون. فهذا شرف يتشرف به. وأيضًا زد على ذلك أنه يجد النعيم، يجد النعيم في الدار الآخرة، وهي جنته سبحانه وتعالى، وكذلك رضوانه عليه. فلذلك فهو لم يعرف النعمة الحقيقية. قال رحمه الله: ويسلم بها العبد من العقوبة والخسرات، ويحصل له فيها عظيم الثواب ورضى الكريم الوهاب. وأما القعود فإنه وإن استراح قليلا فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين. أنا لو استمر هذا وجاءه الموت، فإنه سيموت على خاتم سيئ، سيموت على كفر ونفاق، فسيأتيه بعد ذلك التعب والعذاب الذي يظن نفسه أنه قد سلم بعدم القتل، أنه سلم واستراح من هذا القتل. قال: ثم قال جل وعلا: ﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: 73]. فهذه الآية استدل بها الشيخ على أن هذه الآيات في أهل الإيمان، لكن ممكن أن تكون في أهل النفاق؛ لأنه الآن يحكي له، يحكي ربنا جل وعلا لظاهر الأمر. فهذا الرجل الذي لم يعرف للإسلام بنفاق، كان متخفيًا بنفاقه، وكان أهل الإيمان يكنون له المودة، لكن هو كأنه يرى أنه بعيد عنه. فلذلك: ﴿ فَإِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾، أي نصر وأخذوا من الغنائم، فيقول هذا لأنه لم يحضر هذه الغزوة: ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. نظر أهل الدنيا، معنى يظن أن من غلب فهو خاسر وأصيب بمصيبة عظيمة، وأن من قتل كذلك. لكن من نصره الله وانتصر في المعركة وأخذ من الغنائم، فهذا عنده نعمة عظيمة وفوز عظيم. ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾، ﴿ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾. قال رحمه الله: أن يتمنى أنه حاضر لينال من المغانم، ليس له رغبة ولا قصب في غير ذلك. أن هذه رغبتهم وهذا قصبهم، ليس قصبهم فقط في القتال أنهم يقتلون في سبيل الله يكونون من الشهداء، وإنما قصبهم الغنائم. فإن كان نصر أخذ من الغنائم، فعن المقصود هو الدنيا. قال: كأنه ليس منكم يا معشر المؤمنين، ولا بينكم وبينه المودة الإيمانية الذي من مقتضاها أن المؤمنين مشتركون في جميع مصالحهم ودفع مضارهم. لأن هذا النصر وهذه الغنائم ستكون لأهل الإسلام، وينتفع منها أهل الإسلام، فهي لهم جميعًا. لكن كأن هذا ليس منكم. قال: يفرحون بحصولها ولو على يد غيره من إخوانه المؤمنين، ويألمون بفقدها، ويسعون جميعًا في كل أمر يصلحون به دينهم ودنياهم. فهذا الذي يتمنى الدنيا فقط ليس معه الرُّوح الإيماني المذكور، أن أهمه الدنيا، فيجعل الهزيمة خسارة كبيرة لأنه فاته أشياء من أمر الدنيا، ويجعل النصر فوزًا عظيمًا لأنه أخذ من الدنيا وتحصل من الدنيا. فالأمر كله عنده المال. وهذا نظرة أهل الدنيا، هذه نظرة أهل الدنيا. وأما أهل الآخرة الذين عرفوا الله وعرفوا الدار الآخرة وآمنوا بذلك، فليس همهم المال، وإنما همهم انتشار دين الله جل وعلا. فهم يفرحون بفوز أهل الإسلام ونصرهم لأجل انتشار دين الله جل وعلا، وببقاء أهل الإيمان في علو، أي بقاء دين الله جل وعلا بين الناس وانتشاره. وهزيمة أهل الإسلام هو هزيمة للإسلام، وأيضًا قصر انتشاره بين الناس، وتسلط الأعداء على أهل الإسلام. وأيضًا يكيدون لهم الكيد ويعذبونهم، فيفر الناس من هذا الدين، وينتشر الكفر، وينتشر الأقوال الباطلة، وينتشر غيره من هذه الأشياء المخالفة لدين الله جل وعلا. فلذلك فالمؤمن يفرح بنصر الله لأنه فيه وقاء الدين وانتشاره، ويحزن لما يكون فيه من هزيمة أهل الإسلام، لأجل أن الدين هذا، أو لأجل تسلط الأعداء عليهم، لأنهم بالهزيمة سيتسلط الأعداء ويحاربون دين الله. فهمه هو الدين، همه دين الله جل وعلا علوه. إذا كان فرحه، وإذا صار هذا الدين ليس بظاهر فإنه يحزن لذلك. وهذا من أعظم ما يكنه المؤمن في قلبه لله جل وعلا. فهمه هم الآخرة، همه هم الله جل وعلا. ومن كان همه هم الله أعطاه الله عز وجل أعظم مما يطلب، كما جاء في الحديث، حديث زيد بن ثابت: «من كان همه الآخرة جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة. ومن كان همه الدنيا فرق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأت من الدنيا إلا ما كتب له». فهذه نظرة من كان همه الآخرة ونيته الآخرة، ومن كانت نيته الدنيا. نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين، ويجعلنا سبحانه وتعالى من عباده الصالحين. والحمد لله رب العالمين.