تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 91

تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 91

الدرس في تفسير سورة النساء من تفسير السعدي 91، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أمر الله بأخذ الحذر والاستعداد للجهاد

يفسر المقطع الأمر الإلهي ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بأنه يشمل الاستعداد الشامل: الاعتقاد الصحيح والإيمان كأعظم عدة، ثم إعداد القوة العسكرية من أسلحة وحصون وخنادق، وتعلم الرمي والركوب والصناعات الحربية. يستشهد بفعل الصحابة في غزوة الخندق وتأكيد النبي ﷺ أن القوة في الرمي.

أحكام النفير وشروط القيادة العسكرية

يشرح المقطع آيات النفير (ثباتاً وجميعاً) وبيان أن التعبئة للجهاد تكون بحسب المصلحة الحربية وخبرة القائد، مع ذكر شروط الإمام من معرفة الحرب والسياسة ومداخل الأعداء. يقارن بين المؤمنين الذين يبيعون أنفسهم وأموالهم ابتغاء الجنة، وضعفاء الإيمان الذين يتثاقلون عن الجهاد خوفاً من الموت.

تفسير آية التباطؤ وربطها بضعف الإيمان

يبيّن المقطع أن الآية ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تتناول المؤمنين الذين يتثاقلون عن الجهاد لضعف إيمانهم لا للنفاق، مستدلاً بقوله ﴿مِنْكُمْ﴾ وبانتفاء المودة مع الكفار. يربط ذلك بحديث النبي ﷺ عن ذل الأمة عند ترك الجهاد والاشتغال بالدنيا، مؤكداً ضوابط الجهاد الشرعي.

ختم الدرس والإشارة إلى موضوع قادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى أنه سيتناول في درس لاحق غايات المتثاقلين، ويختتم بقوله والله تعالى أعلم، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر. يُعد هذا الختام تمهيداً للمحور القادم في السلسلة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قول الله جل وعلا: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثِبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾، ﴿ فَإِنْ مِنْكُمْ مَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾، إلى قوله جل وعلا: ﴿ فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. قال رحمه الله: يأمر تعالى عباده المؤمنين بأخذ حذرهم من أعدائهم الكافرين، وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب التي بها يستعان على قتالهم ويستدفع مكرهم وقوتهم. «خذوا حذركم» أي توخوا الحذر، وتوخي الحذر وأخذه في أن يستعد لهم ويتهيأ، وكما قال جل وعلا: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾. وأعظم العدة أن يعتد جيش أهل الإسلام بالإيمان بالله والاعتقاد الصحيح، فهذه من أعظم العدة التي يعتد بها المسلم، ثم يعتد بعدة الحرب التي يستطيعون بها دفع ما عند الأعداء من السلاح. وأيضا كذلك يأخذون حذرهم حتى لا يفاجئهم العدو وهم غافلون، فأمر الله عز وجل بأخذ الحذر: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثِبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾. قال رحمه الله: قالوا: استدفع مكرهم وقوتهم من استعمال الحصون والخنادق وتعلم الرمي والركوب، إن كل ذلك من الاستعداد. فإما أن يستعدوا بحصون حتى يتحصنوا فيها من العدو إذا كان هذا العدو عدوا له عدة كبيرة، فيحتاج للتحصن حتى لا يستطيع أن يدخل إليهم، وكذلك الخنادق، فما فعل الصحابة رضي الله عنهم في غزوة الخندق أو الأحزاب، فإنهم حفروا الخنادق لأجل أن لا يدخل الأحزاب إلى المدينة، فهذا أيضا من الإعداد. قال: وتعلم الرمي والركوب، أيضا الرمي هو القوة، كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ». فالرمي في الحرب له أهمية عظيمة لأنه السلاح الذي يدافع عن الجيش، وكذلك يهجم، وكذلك يحدث في جيش العدو القتل وغيره، فلذلك كان الرمي لا بد منه، وتعلمه للمقاتلين وللمجاهدين واجب. وكذلك الركوب، أي ركوب الخيل وما كان في مكانها من هذه المركبات الآن كالدبابات وغيرها. قال: وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، فهذا أيضا مما يجب على المسلمين أن يتعلموا مثل هذه الصناعات التي يصنعون بها الحرب. ففي ذلك الوقت وفي ذلك الزمان، في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان الناس يصنعون السهام ويصنعونها، وكذلك الحراب، وكذلك الرماح والسيوف وغير ذلك، فتجد أنه هناك من يصنع ذلك. قالوا: ما به يعرف مداخلهم ومخارجهم ومكرهم، وهذا أيضا من القوة التي يحتاجون إليها لأجل معرفة دخول العدو ومن أين يخرج، ويعرف معرفة خططهم، وهذا يحتاج إلى خبرة. ولهذا ذكر الإمام الشنقيطي رحمه الله عند آية الاستخلاف في سورة البقرة ذكر شروط الإمام، ومن تلك الشروط أنه يكون خبيرا بالحروب وخبيرا بالسياسة، أو سياسة الحروب وغير ذلك، أن سياسة الناس وسياسة الأعداء كيف يواجه أعداءه، ومن ذلك معرفة مداخلهم ومخارجهم ومكرهم، أو أنه يوكل من يتعلم ذلك أو يعرف هذه الأمور. قال: والنفير في سبيل الله، ولهذا قال: ﴿ فَانْفِرُوا ثِبَاتٍ ﴾، أي المتفرقين بأن تنفر سرية، والنفير المراد به الخروج إلى القتال، فتنفر سرية أو جيش، والسرية هي الجماعة من الجيش أو الطائفة من الجيش، وغالبا تكون في الليل يخرجهم الأمير لأجل مهمة من المهمات. قال: سرية أو جيش، ويقيم غيرهم. قال: ﴿ وَانْفِرُوا جَمِيعًا ﴾، وكل هذا تبع للمصلحة والنكاية والراحة للمسلمين في دينهم. وهذه الآية نظير قوله جل وعلا: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾، فهذا أيضا من الإعداد للكفار، وأنه بحسب مصلحة الحرب فينفرون ثباتا أي متفرقين، أو جميعا أي جماعات. فإن كان الأمر يحتاج إلى التفرق حتى لا يهجم العدو أو يرمي عليهم فيقتلهم جميعا، فيحتاج إلى تفرق، فيتفرقون في مكان الحرب. وإن كان يحتاج إلى الجمع أو التجميع وأيضا الاجتماع في ذلك المكان حتى تحصل القوة، فكذلك، فهذا بحسب خبرة قائد الجيش وقائد الناس، فهو الذي يختار هذا وهذا بحسب المصلحة. قال: ولهذا قال المؤلف: كل هذا تبع للمصلحة والنكاية والراحة للمسلمين في دينهم. قال: ثم أخبر عن ضعفاء الإيمان المتكاسلين عن الجهاد، فقال: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾، أن يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفا وخورا وجبنا، إذ ما عنده شجاعة، يخاف أن يقتل، يخاف الموت. لكن أهل الإيمان لا يخافون الموت، بل يقدمون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله لأنهم يعلمون أن الله سيجازيهم بذلك جنات عظيمة. فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾، فلذلك فهم يعلمون، وأيضا عندهم يقين بجنة الله ورضوانه، فلذلك يدخل في قلوبهم الشجاعة. وأما ضعفاء الإيمان والمتكاسلون عن الجهاد، فإنهم يتباطؤون ويتأخرون، كما قال جل وعلا: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾، أن يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله ضعفا وخورا وجبنا. هذا الصحيح، وقيل معناه: لا يبطئن غيره أن يزهده عن القتال، وهؤلاء هم المنافقون. أنا حملت الآية على معنيين: إن كانت المراد بهم المؤمنون، ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ ﴾ فالمراد به أنهم يتأخرون ويتثاقلون عن الجهاد، وإن كان المراد ﴿ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ أي لا يؤخرن غيره، فالمراد به أنه يزهده عن القتال، وهذا هم المنافقون. قال: ولكن الأول أولى لوجهين: أحدهما قوله ﴿ مِنْكُمْ ﴾ والخطاب للمؤمنين، والثاني قوله في آخر الآية: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾، فإن الكفار من المشركين والمنافقين قد قطع الله بينهم وبين المؤمنين المودة. أنا هذان وجهان لتصحيح القول الأول وأنهم المؤمنون، فمنهم من يتباطأ يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله وهو مؤمن ليس منافقا، لكن يصيبه شيء من الخور، يصيبه شيء من الضعف، ويدخل في قلبه شيء من الجبن، فيجعل يتثاقل عن الجهاد في سبيل الله. والأمر الثاني يقول الشيخ في آخر الآية: قال الله عز وجل: ﴿ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ ﴾، فلو كان من الكافرين ومن المشركين ومن المنافقين، فإنه لا تكون بينهم وبين أهل الإيمان مودة. قالوا أيضا: فإن هذا هو الواقع، فإن المؤمنين على قسمين: صادقون في إيمانهم أوجب لهم ذلك كمال التصديق والجهاد، وضعفاء دخلوا في الإسلام فصار معهم إيمان ضعيف لا يطيق الجهاد، كما قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ إلى آخر الآيات. وهكذا كما قال المؤلف: هذا واقع، ويزداد هذا الواقع من اشتغال الناس بالدنيا، فإذا انشغلوا بالدنيا تركوا الجهاد في سبيل الله، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث عبد الله بن عمر: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرَاجِعُوا دِينَكُمْ». فيحصل بعد ذلك الذل، ويحصل التخاذل بسبب انشغالهم بالدنيا وانشغالهم عن دين الله جل وعلا. فلذلك فهو حاصل عند بعض المؤمنين وعند بعض المسلمين. وأما من أراد رضا الله وأراد الدار الآخرة واجتهد في إيمانه، فإنه لا يتراجع عما يكون فيه جهاد في سبيل الله. وأما إن كان هذا الجهاد ليس في سبيل الله، وإنما لأجل دنيا أو لأجل كراسي أو لأجل شيء من هذه الأمور، فإنه ليس في سبيل الله جل وعلا، ولا ينبغي للمؤمن أن يشارك فيه. فلذلك ذكر علماء السنة أن الجهاد له ضوابط ينبغي أن يضبط عليها، ليس الجهاد أن يفجر الكفار، أو أن يفعل تخريب في ديار المسلمين، أو يقتل جنود المسلمين، فهذا ليس من الجهاد في شيء أبدا. طيب، ثم ذكر بعد ذلك غايات هؤلاء المتثاقلين، فإن شاء الله تعالى نذكرها في درس لاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر