تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 5

تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 5

الدرس في تفسير سورة الشرح من تفسير الجلالين 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تفسير سورة ألم نشرح وشرح معانيها

يبدأ المقطع الأول بشرح سورة ألم نشرح من تفسير الجلالين، حيث يفسر الآيات ويشرح معانيها مثل شرح صدر النبي ورفع ذكره. يتناول أيضا مغفرة الله لنبيه وخصوصية بعض المناقب له.

دلالات آية العسر واليسر وأهميتها

يفسر المقطع الثاني آية 'فإن مع العسر يسرا' ويبين دلالاتها الثلاث. كما يتطرق إلى أهمية الاستمرار في العبادة والتنقل بين الفرائض والنوافل، مشيرًا إلى أن اليسر يأتي بعد العسر.

إرشاد للعبادة والتوجه إلى الله تعالى

يفسر المقطع الثالث الآية الكريمة "فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ" ويشير إلى أهمية التوازن بين أمور الدنيا والعبادة، ويؤكد على ضرورة الإقبال على الله بالرغبة والحرص في العبادة والدعاء.

ختام الشرح والدعاء

يمثل المقطع الأخير ختامًا لشرح السورة، حيث يذكر المتحدث خلاصة ما تم شرحه ويطلب من الله أن ينفعهم بما قاله ويختم بالصلاة على النبي محمد.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في الدرس الأخير إخواني في الله من تفسير الجلالين، كان الانتهاء من تفسير سورة ألم نشرح، ومما يناسب ذكره أننا نمر سريعا على ما مضى ذكره من هذه الآيات الكريمات من باب الاستذكار. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: سورة الشرح، فذكرنا أن هذه السورة سميت بعدة أسماء: سورة الشرح، وسورة الإنشراح، وسورة ألم نشرح. وقد قام الاتفاق أنها بعد سورة الضحى، بعد سورة الضحى. وهل هي وإياها سورة واحدة كما ذهب إلى ذلك بعض العلماء؟ الجواب: لا، ليست بسورة واحدة مع الضحى، بل هي سورة وتلك سورة منفصلة عنها تماما. وهذا من قال بهذا فقد خالف المصحف الإمام، وقول سبحانه وتعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ ذكرنا في هذه الآية بيانا على عظيم امتنان الله على عبده ونبيه محمد عليه الصلاة والسلام بأن الله شرح صدره، وذلك بأن جعل باله واسعا استطاع بذلك أن يتحمل أعباء الدعوة. وفي هذه الآية بيان كذلكم إلى عظيم هذه المنقبة أن الله عز وجل يشرح لك صدرك، ولهذا جعل من الدعاء الذي يلهج به العبد إلى الله عز وجل: «رب شرح لي صدري». ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾، وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، الْوَزْرُ هُوَ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، النَّقْضُ مِنَ النَّقِيضِ، وَهُوَ الصَّوْتُ الصَّادِرُ مِنَ الظَّهْرِ إِذا حُمِلَ عَلَيْهِ، إشارة إلى عظيم هذا الحمل، إلى هذا الحمل وهو الوزر. وفي هذه الآية إشارة إلى ما قد أسلف حول ما كان من مغفرة الله جل وعلا لنبينا عليه الصلاة والسلام لما مضى من ذنبه وما تأخر. وأشرنا أن هذه منقبة ليست حاصلة لأحد سوى لرسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى أن من العلماء من نبه على أن أي حديث فيه أن من فعل كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر لا يثبت، وإنما الأحاديث تقول: «من قام مثلا ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، هذه الروايات هي الصحيحة. ويتسير على الجادة، أما غفر ما تقدم وما تأخر لا، هذا إنما هو خاص بنبينا عليه الصلاة والسلام. ثم ذكرنا اختلاف العلماء في هذا الشيء الذي غفر لنبينا عليه الصلاة والسلام على أقوال عدة، ومنهم من قال: هي ما كان مما صدر منه في أيام الجاهلية، ومنهم من قال: هو ما صدر منه من الجانب البشري. والكل متفق على أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في باب التبليغ والتشريع، فإن الأنبياء قد عصموا في هذا الباب. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾، كذلك من عظيم إنعام الله على نبينا عليه الصلاة والسلام أن الله رفع ذكره، فجعل له الذكر العالي والغالي والخالد عليه الصلاة والسلام. كان الكفار يراهنون على أن النبي صلى الله عليه وسلم سيذهب ويذهب اسمه، نظرا لأنه لا ولد له، فظنوا أنه منبت وأنه إذا مات ماتت سيرته وذهب واضمحل اسمه. لكن انظر لصيت نبينا عليه الصلاة والسلام أين قد بلغ الآفاق؟ من هذا الذي لم يسمع بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ الدنيا كلها قد عرفته عليه الصلاة والسلام في شرق الدنيا وفي غربها، ما هناك مخلوق، وما هناك إنسان إلا وقد علم به عليه الصلاة والسلام. رفع الله ذكره رفعا عظيما، صلوات ربي وسلامه عليه. وأيضا من رفع ذكر رسول الله ورفعنا لك ذكرك ما أشار إليه المؤلف أنه عليه الصلاة والسلام لا يذكر الله إلا وذكر معه، قرن اسمه باسمه. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في «مجموع الفتاوى»: «قال إن الله أمر بطاعة نبيه في أكثر من ثلاثين موضعا من القرآن، وقارن بين طاعته وطاعته، وبين مخالفته ومخالفته، كما قارن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا وذكر معه عليه الصلاة والسلام». ما يذكر الله إلا وذكر معه من نبينا صلى الله عليه وسلم، تجد هذا جليا يا عبد الله في المواطن العظيمة والمناسبات الجليلة، عند الشهادتين: «أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله»، وإذا قام الخطيب يخطب في خطبة الحاجة، وإذا قام المؤذن يؤذن، وهكذا قس. كما قال شيخ الإسلام: كما قرن بين اسمه واسمه، فلا يذكر الله إلا وذكر معه عليه الصلاة والسلام، هذا من هذا الباب. ورفعنا لك ذكرك. ثم قال سبحانه: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وهذه من الآيات العظيمة، وفيها من التسلي على كل مسلم ومسلمة. وأشرنا حينها عند هذه الآية أن هذه الجملة من الآية القرآنية احتوت على ثلاثة فوائد عظيمة. أولاها: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، بيان على أن اليسر يسير مع العسر، ما تجد العسر يسير لوحده، بمعنى لا تظن أن العسر هو المهيمن في حياة أحد من عباد الله، بل متى ما وجد العسر وجد اليسر معه. ﴿فَإِنَّ مَعَ﴾ وهنا ذكرنا «مع» تفيد المقارنة، تفيد المقارنة، فإذا متى ما وجدت العسر يا عبد الله فاعلم أن اليسر بعده مباشرة. لكن صبرك صبرا يا عبد الله، كما قال سبحانه: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾، وعد من الله عز وجل. ولهذا انظر لنفسك يا عبد الله كم وكم من مآزق ومصائب ونكبات حلك بك سرعان ما انزاحت وانزالت. البشارة الثانية: إن مع العسر هنا تفيد الاستغراق، أي أن العسر مهما كان حجمه ومهما كان جسمه ومهما كانت قوته على أي صورة كانت فهو يدخل في هذه المعادلة. بعض الناس لربما يرى أن هذا الضيق الذي وقع فيه ما له فكاك، لا يا عبد الله لا تيأس من روح الله، لا تيأس. وكما قال القائل: «ورب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله المخرج»، «ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكنت أظنها لا تفرج». هكذا حالنا أحيانا تزداد عليك البلوى، تقول: ما في فكاك، ما هناك فرج، لما ترى من عظيم البلية، لكن عند الله المخرج لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، العسر مهما كان ومهما توقعت ومهما بالغت في وصفه سيدخل في هذه المعادلة أن الله سيمحيه. والفائدة الثالثة: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ أن اليسر إذا جاء يأتي عظيما، بدليل التنكير «يُسْرًا» منكر، دلالة على عظيم اليسر الذي سيأتيك. وهكذا يا عبد الله لو أنصفت نفسك رعاك الله، انظر لما ابتليت به من بلاء كم مقداره؟ كم عشت في رحابه؟ ثم احسب ساعات اليسر التي جاءت بعده، مدت مدة طويلة حتى أنساك العسر الذي كنت فيه، كنت فيه حتى تحتاج إلى التذكير: «تذكر يا فلان يوم كنت كذا»، نعم والله نسيت، ذهب. لعظيم اليسر الذي حباك الله عز وجل به. فهذه الآية من الآيات العظيمة الذي يتسلى بها كل مسلم وخاصة المصاب والمبتلى. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، تأكيد لهذه القاعدة، وفيها فائدة أشرنا إليها سالفا أن التعريف يفيد التوحيد وأن التنكير يفيد التعدد. قال: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾، فإذا فرغت أي تفرغت وانتهيت، فانصب أي انتصب. واختلف العلماء في معنى هذه الآية: الفراغ من ماذا؟ والإقبال على ماذا؟ على عدة أقوال. قلنا: من أشهرها أنك إذا فرغت من الفرائض فأقبل على النوافل، إشارة إلى أن المسلم هكذا هي حياته، هكذا هي حياته مقبل على الله دائما وأبدا. ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وأنت في عبادة تتنقل بين فرائض ونوافل، بين واجبات وطاعات وقربات. وكما جاء في الحديث الصحيح رواه الإمام البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام قال الله: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل»، فهو يؤدي الفرائض، إذا انتهى يتقرب إلى الله بالنوافل، وهكذا دواليك. هذا قول: «إذا فرغت فانصب»، فرغت من الفريضة فانتصب لله في أداء الطاعة. قيل: «فإذا فرغت» أي من الصلاة فانتصب لله بالدعاء. وقيل: وهذا القول الشهير: «إذا فرغت» من أمورك الدنيوية فانتصب لله للعبادة. وبهذا كذلك فيها فائدة عظيمة على أن الإنسان يكون في هذه الدنيا على منفعة، إما على دين أو على دنيا مما يعود عليك بالنفع. لا تكن سبهللا، لا تكن يا عبد الله ضائعا لا في دين ولا في دنيا، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إني لأكره لأحدكم أن يكون سبهللا لا في دين ولا في دنيا»، وهذا هو الخسران العظيم. فاحرص يا عبد الله على أنك تأتي بهذه الآية: «إذا فرغت» فرغت من أمور الدنيا، تكد على نفسك وعلى أهلك وعلى عيالك، لك أعمال، لك ترتيبات، لك علاقات، لك ذمم تؤديها، لك ارتباطات، لا أحد ينسى ذلك، ولا تنسى نصيبك من الدنيا، هذا أمر حاصل، هذا أمر واقع أنك تسعى في أرض الله: ﴿فَاسْعَوْا﴾، وامشوا في مناكبها. فإذا فرغت من أمورك الدنيا بعد ذلك انتصب، أي تفرغ واجعل ذهنك صافيا لأن تنتصب للعبادة، تنتصب للعبادة عابدا متعبدا مصليا ذاكرا قائما راكعا ساجدا تاليا مسبحا لله عز وجل. فالإنسان يبقى بين هذا وبين ذاك. ثم في ﴿فَانْصَبْ﴾ دلالة على أن العبادة تحتاج إلى نصب، تحتاج إلى صبر وإلى قوة تحمل. يا أيها الذين آمنوا صبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله. ثم قال سبحانه: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، أي إلى الله تقبل، وهنا الرغبة إشارة إلى مسألة الإقبال على الله، ليس أي إقبال، لأن الرغبة كما قال العلماء هو الطلب بالطمع وحرص. لما تقول: «فلان يطلب»، نعم، لكن «فلان يرغب»، هنا زيادة، الرغبة تدل على أن هذا الإنسان حريص وطامع في هذا الذي يطلب. فالإنسان يكون مع الله عز وجل راغبا، ليس فقط طالبا، بل راغبا، يطلب مع وجود الحرص مع وجود الطمع. وهذا الطلب قد يكون في دعائك، إذا دعوت الله عز وجل، لا يكون دعاؤنا كهو كالحاص الموجود، دعاؤنا على طرف ألسنتنا، تستمع لبعض الناس إذا أراد أن يدعو ما تفهم كلمة واحدة، يتمتم بكلمات يحفظ ثم يكرر، يحفظ ثم يردد، حتى هو ما يدري ما الذي يقول، أصبح عبارة عن استوانة سنوات يسير عليها، يأتي بها من غير التفاعل، من غير بيان لما يطلبه من ربه عز وجل. ولهذا جاءت الأدلة الكثيرة على أن الإنسان إذا سأل الله يسأل الله عز وجل بقلب خاشع حاضر، فيها إلحاح، فيها عز وطلب، فيها حرص من الله، يلح على الله، يكثر، يكرر هذا الدعاء مع التأمل وتأني. هذا في دعائك يا عبد الله، لأن هذا ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ إذا سألت الله عز وجل سؤال وهو دعاء المسألة يكون بحرص. وأيضا الوجه الثاني من الطلب ما يكون في العبادة، وهو السؤال وهو دعاء العبادة، إذا قمت لله عز وجل بفعل الطاعات والعبادات يكون قلبك منشغل في أن الله يتقبل منك هذا الفعل. كذلك تجد أن بعض الناس مثاله قد يصلي، كلنا يصلي ولله الحمد، لكن انظر إلى قلوبنا، لربما يصلي الواحد فقد يصليها كما يقال: «إبراء للذمة»، ولا يطمع فيما يرجو من هذه الصلاة أن الله يغفر له وأن الله يكفر عن سيئاته وأن الله عز وجل يعلي قدره، وأن الله عز وجل يبارك له في ماله ورزقه، أشياء كثيرة ربما ستعطى في صلاتك، لكن ما أحد مننا يحرص على هذا، لأن الواحد مننا حسبه إذا صلى أسقط واجب، أسقط واجب، دون ما يكون من حرصه. ولهذا الذي كان يبعدنا عن سلفنا، الواحد مننا إذا قام إلى الصلاة يعرف أنه ينتصب بين يدي الله جل وعلا، فيحرص على التفنن في صلاته، في قيامه وركوعه وخشوعه واستحضار قلبه، ويعلم أن هذا المقام هكذا. قس في كل الطاعات والعبادات. الشاهد: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾، من أقبل على الله ينبغي أن يقبل عليه بهذا الوصف، أن يكون راغبا. وهذه الآية كما قلنا فيها نكتة بلاغية، تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، أي فارغب إلى الله ولا ترغب إلى أحد سواه. هذا خلاصة إخواني في الله، ما قد مضى معنا في تلكم الأيام السالفة في شرح هذه السورة الكريمة، ذكرناها من باب الاستذكار. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.