الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 72، ألقاها
يتناول المقطع مفهوم طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله، ويصنف الحالات المختلفة لهذه الطاعة إلى شرك أكبر أو أصغر. يُبين أن طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مقدمة على طاعة غيره.
يُشدد على أن من استبانت له سنة الرسول لا يجوز له تركها لغيره، مستندًا إلى أقوال السلف الصالح مثل الإمام الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل. يُبين أهمية عدم اتباع العلماء والأمراء على حساب طاعة الرسول.
يُناقش خطورة التقليد الأعمى للعلماء دون النظر إلى الأدلة من الكتاب والسنة، ويؤكد على أهمية اتباع الدليل. يُبين أن الأئمة نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، وشددوا على وجوب اتباع الكتاب والسنة.
يتضمن دعاءً بالهداية والثبات على الحق، واستغفارًا وتوبةً إلى الله تعالى. يُظهر الالتزام بالتقوى والخوف من الضلال.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب، عليه من رحمة الله تعالى جميعًا: قال قوله: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أربابًا من دون الله. أولًا نذكر السبب الذي لأجله والمناسبة التي لأجلها ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب، عليه رحمة الله، هذا الباب في كتاب التوحيد. والمناسبة أن من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله جلّ وعلا أو في تحليل ما حرم الله جلّ وعلا فقد اتخذهم أربابًا ومعبودين يطاعون الطاعة المطلقة، جعلهم معبودين يعبدون مع الله جلّ وعلا، وتقدم طاعتهم على طاعة الله جلّ وعلا، وما أحبوه ورضوه على ما أحبه الله جلّ وعلا ورضيه، وهذا عين الشرك بالله جلّ وعلا. ولا سيما إن كان ناتجًا عن علم وعمد وقصد، بمعنى أن من أطاع العلماء في تحليله ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله لا يخلو من أحد حالين: الحال الأولى أن يطيعهم في تحريم ما أحل الله أو في تحليل ما حرم الله وهو يعلم حكم الله جلّ وعلا، فيقدم حكم غير الله جلّ وعلا معتقدًا أنه مساوٍ لحكم الله جلّ وعلا أو أنه أفضل من حكم الله جلّ وعلا أو أنه يجوز ذلك لغير الله جلّ وعلا، كل هذه المعاني كفر بالله جلّ وعلا أكبر، وهو كذلك شرك أكبر. كما سيأتي معنا في الآية التي ذكرها الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في هذا الباب، في قول الله جلّ وعلا: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، فسمى الله جل وعلا طاعة هؤلاء أو طاعة أولئك لأمرائهم وعلمائهم وأحبارهم ورهبانهم جعل الله تلك الطاعة في التحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله سماها الله جلّ وعلا شركًا. وبه تظهر مناسبة إيراد الإمام محمد ابن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لهذا الباب في هذا الكتاب، وأن من كانت الطاعة من هذا الصنف وعلى هذه الحال فإنه قد وقع في الشرك الأكبر والعياذ بالله، المناقض والمنافي لأصل التوحيد. الحال الثاني أن يطيع الأمراء أو العلماء في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله جاهلًا بالحكم الشرعي، فهذا لا يكفر؛ لأنه يجهل الحكم، فظن أن قول عالمه أو قول ذلك العالم الذي في نظره أنه عالم هو الحق والصواب، وما درى أنه مغير لحكم الله جلّ وعلا، فمثل هذا معذور بجهله، فيعلم، فإن علم ثم استمر على ذلك التقليد لذلك العالم، فهذا كذلك لا يخل من أحد أمرين. إن استمر على ذلك، هذا كذلك لا يخل من أحد أمرين: الأمر الأول أن يفعل ذلك ويكون حاله كحال الحالة الأولى، أي يكون عالمًا بحكم الله جلّ وعلا، إلا أنه رأى أن حكم ذلك الشيخ جائز حلال أو أنه كحكم الله أو أفضل من حكم الله جلّ وعلا، فهذا يلحق بالحالة الأولى ويدخل في الشرك الأكبر والعياذ بالله. والأمر الثاني أن يعلم الحكم الشرعي لكنه يتبع قول غيره عن هوى، يتبع قول غيره عن شهوة وعن هوى، فهذا يكون فيه نوع شرك، وهذا يكون فيه نوع شرك وهو داخل في الشرك الأصغر والكفر الأصغر، المنقص لكمال التوحيد. قال رحمه الله تعالى: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله فقد اتخذهم أي قد جعلهم أربابًا من دون الله، وإن لم يقل بأنهم أربابًا بأنهم أرباب بلسان المقال، ولكنه بلسان الحال فقد اتخذهم أربابًا؛ وذلك لأن الرب هو الذي يطاع فلا يُعصى، ويمتثل أمرهم فلا يُترك. قال فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ﴾، أي الباب المذكور يقول الشارح رحمه الله: فيه إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا﴾ أي أطاعة العمياء المطلقة في تحليل ما حرم الله أو في تحريم ما أحل الله، أطاعوهم الطاعة المطلقة. قال رحمه الله تعالى: قوله: «وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر»، الأثر بهذا اللفظ لم نقف عليهم مسندًا، ولكن ذكره الشيخ الإسلام النوتيمية رحمه الله تعالى في بعض المواطن في بعض كتبه، وكذلك ابن القيم، وكذلك ابن كثير في تفسيره، فالله أعلم. قال: «وفي صحيح مسلم عن ابن أبي مليكة أن عروة بن الزبير قال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأمر الناس بالعمرة في هذه العشر وليس فيها عمرة، فقال عروة: فإن أبا بكر وعمر لم يفعل ذلك، فقال رجل من ها هنا: هلكتم، ما أرى ما أرى الله إلا سيعذبكم، وحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخبروني بأبي بكر وعمر». قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد، كائنا من كان، ولو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما. قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر -يعني محمدًا صلى الله عليه وسلم- فإن قوله مقبول ولا يجوز رده بحال. قال رحمه الله تعالى: وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ليس أحد إلا يؤخذ من قوله ويدع غير النبي صلى الله عليه وسلم»، والأثر صحيح أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وكلها متوافقة تدل على معنى واحد، على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز له أن يتركها إلى غيره من الناس. قال قوله: «وقال الإمام أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، قال: أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء، من الزيغ، فيهلك». قال الإمام أحمد: «نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعًا، ثم جعل يتلو: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾». معنى هذا أن قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى هذا يدلنا على عمق فقه السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، إذ أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذكر هذا المعنى المستنبط من الآية: أن الفتنة الشرك؛ لماذا الفتنة الشرك؟ قال رحمه الله: «لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك»، ما معنى أن يقع في قلبه شيء؟ كما بيّن ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن يصحب ذلك الرد لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم شيء من الاستخفاف بالآمر. قال رحمه الله تعالى: «وصفيان والثوري الإمام الزاهد العابد الثقة الفقيه، وكان له أصحاب يأخذون عنه مذهب مشهور، قال: وقد عمت البلوى بهذا المنكر الذي أنكره الإمام أحمد، خصوصًا فيمن ينتسب إلى العلم والإفتاء والتدريس، وذمّ أنه لا يأخذ بأدلة الكتاب والسنة إلا المجتهد، والاجتهاد قد انقطع، وقد أخطأوا في ذلك». وهذا من أعظم الأبواب التي تسد باب الهداية وتجعل الناس في جهالة وضلالة وغواية، أن يزعم الزاعم أن باب الاجتهاد أن أدلة الكتاب والسنة لا ينظر إليها إلا المجتهد، والمجتهد غير موجود معدوم، إذن النتيجة ما هي؟ لا ينظر إلى أدلة الكتاب والسنة أبدًا. قال رحمه الله تعالى: «وقد استدل الإمام أحمد رحمه الله تعالى بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك»، على أن الإجتهاد لا ينقطع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق»، إذا لابد أن يكون هناك طائفة في كل زمان على الحق، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». قال رحمه الله تعالى: «وحكى ابن عبد البر الإجماع على أن المقلد لا يكون من أهل العلم والأئمة»، قال: «على أن المقلد لا يكون من أهل العلم، المقلد لا يكون من أهل العلم الذي يقول: مذهبنا كذا، وفي مذهبنا كذا، وإمامنا يقول كذا، وما شابه ذلك، لا ينظر إلى أدلة الكتاب والسنة، وما اجتمع عليه الناس وما اختلفوا فيه، فإن هذا ليس بعالم». قال رحمه الله تعالى: «والأئمة لم يقصروا في البيان، بل نهوا عن تقليدهم إذا استبانت السنة، الأئمة رحمهم الله تعالى كلهم نهوا ونأوا أن يقلدوا على حساب كتاب الله جلّ وعلا وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل نصوص النصوص الواضحة على أنه يجب اتباع الكتاب والسنة إذا خالفت أقوالهم». قال أبو حنيفة: «إذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة رضي الله عنهم فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن التابعين فنحن رجال وهم رجال»، أي: ننظر في الأدلة وفي أقوالهم وأدلتهم، وما ظهر من الحق الموافق لكتاب الله جلّ وعلا ولسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أوخذ به، وإلا فينظر. قال: «وقال: إذا قلت قولًا وكتاب الله يخالف فاتركوا قولي لكتاب الله تعالى، قيل: إذا كان قول رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف، قال: اتركوا قولي لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قيل: إذا كان قول الصحابة يخالف، قال: اتركوا قولي لقول الصحابة»، وتقدم كلام الإمامين مالك والشافعي. قال: «فمن اشتغل بمصنفات أهل مذهبه أن ينظر في أقوال المخالفين وما استدلوا به، فيكون متبعًا للدليل مع من كان معه، وبالله التوفيق»، أن ينظر في أقوال العلماء رحمهم الله وفي أقوال المجتهدين للوصول إلى الحق؛ لأن أرباب كل مذهب يذكرون قولهم وأدلة قولهم، ويردون على قول المخالف، فهو ينظر في الأقوال وينظر في أدلة الأقوال، وينظر إن كان من أصحاب الأهلية للتمييز والترجيح نظر في الأقوال وميز الصواب بدليله، فقال به، سواء كان القول مع فلان أو مع فلان، العبرة بالدليل. قال قوله: «عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، قال: فقلت: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، أليس يحلون ما حرم الله فتحلونه؟» فقلت: بلى، قال: «فتلك عبادتهم» رواه أحمد والترمذي وحسنه». قال قوله: «عن علي بن حاتم -أي الطائي- مشهور بالسخاء والكرم، قدم عدي على رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعبان سنة تسع من الهجرة، فأسلم وعاش مئة وعشرين سنة»، وقد أشار المصنف رحمه الله تعالى بترجمة الباب إلى هذا الحديث وما في معناه، في دليل على أن طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله عبادة لهم من دون الله. قال: «وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: «هل تعرف ما يهدم الإسلام؟» قلت: لا، قال: «يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة المضلين»، رواه الدارمي، وإسناده صحيح». جعلنا الله وإياكم من الذين يهدون بالحق وبه يعدلون، فكم ضل من ضل وزل من زل، نسأل الله سبحانه وتعالى السلامة، والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.