الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 40، ألقاها
يشرح هذا الفصل سبب وقوع الناس في الشرك بالله رغم وضوح أدلة التوحيد، حيث يبين أن الغلو في الصالحين هو السبب الرئيسي لكفر بني آدم وتركهم دينهم. يشير إلى أن كتاب التوحيد للإمام محمد بن عبد الوهاب قد بين الأصول العظيمة للتوحيد وأبطل اعتقادات المشركين.
يتناول هذا الفصل تعريف الغلو وأثره في وقوع الكفر، حيث يُعرّف الغلو بأنه تجاوز الحد في التعظيم، ويُحذّر من مساواة غير الله بالله في حقوقه وخصائصه. يبين أن الغلو في الصالحين هو السبب الرئيسي لكفر بني آدم وتركهم دينهم.
يناقش هذا الفصل تحذير السلف من الغلو في الصالحين مثل النبي صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويستشهد بقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له "ما شاء الله وشئت". كما يشير إلى موقف علي رضي الله عنه من الغلاة من الرافضة، ويحذر من الشرك بالله.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن ابن محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى جميعًا، في كتابه "قرة عيون الموحدين": قال -قوله- أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى- في كتابه "التوحيد"، باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. قال الشيخ رحمه الله تعالى: بعد أن بين في الأبواب الماضية الأصول العظيمة، وأقام البراهين الواضحة الجلية على حقيقة التوحيد الذي بعث الله جل وعلا به الرسل، وأنزل الله جل وعلا به الكتب، وبين كذلك رحمه الله ما يتعلق به المشركون، وأبطل أصول اعتقادهم بالشريك والظهير أو الشفيع والنصير وغير ذلك في الأبواب الماضية، وأقام عليها البراهين الواضحة الساطعة البينة. فكأن قائلًا يقول: إذا كان أمر التوحيد وأدلة التوحيد وبراهين التوحيد ظاهرة جلية، بينها الله جل وعلا في كتابه أتم بيان، وبينها نبيه صلى الله عليه وسلم كذلك في سنته بينها أحسن بيان، وكذلك الأئمة بينوها غاية البيان وأوضح البيان، فإذا كان الأمر كذلك فكيف وقع الناس في الشرك بالله جل وعلا مع بيان الله جل وعلا لأنواع الشرك ولأبواب الشرك ولوسائل الشرك وتحذيره منها؟ قال رحمه الله تعالى: "باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين". أي: باب الذي جاء أن سبب كفر بني آدم أن سبب كفر بني آدم، أي: ما جاء من الأدلة والبراهين والحجج الواضحة الساطعة القاطعة في هذا الباب. قوله رحمه الله تعالى: "سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين". ومعنى "سبب كفر بني آدم" أي: ممن كفر بالله، و"تركهم" معطوف على "كفر"، والمعطوف على المجرور مجرور، و"دينهم" مفعول به منصوب للمفعول في قوله "ترك"، وهو مضاف، والهاء مضاف إليه. وحقيقة الغلو كما هو معلوم في اللغة هو المجاوزة، يقال: غلا يغلو غلوًا، ومعناه: المجاوزة. والصالح هو من قام بحق الله جل وعلا وبحق خلقه، فيدخل في الصالحين الأنبياء والمرسلون والملائكة والأولياء وكل متصف بهذا الوصف. والغلو يدخل فيه الغلو في كل صالح، ولو كان ملكًا مقربًا. فإذا رفع العبد إلى منزلة لا يستحقها إلا الله جل وعلا، فقد تجاوز به الحد، وصار المتجاوز مشركًا بالله جل وعلا. قال الشارح رحمه الله: "قد أنذر صلى الله عليه وسلم أمته من الغلو وأبلغ في الإنذار تحذيرًا عما وقع من جهلة هذه الأمة". قوله: "يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم" الآية، أي: إلى آخر الآية. قال رحمه الله تعالى: "الغلو هو الإفراط في التعظيم بالقول والاعتقاد". أي: لا ترفع المخلوق عن منزلته التي أنزله الله، فتشركون بالله جل وعلا. وحقيقة الشرك ما هو؟ مساواة غير الله جل وعلا بالله جل وعلا في حقوقه أو خصائصه جل وعلا، كما قال الله جل وعلا عن المشركين في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال رحمه الله تعالى: "وقد وقع ذلك الشرك في العبادة في هذه الأمة نظمًا ونثرًا". أي: في كلام منظوم، كما تقدم معنى في قصيدة البوصيري وغيره، ووقع نثرًا، أي: في كلام منثور. قال رحمه الله تعالى: "وفيما فعلوه من الغلو والشرك محادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم". فأينما وقع فيه هؤلاء الجهلة من قول من قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أنت سيدنا وابن سيدنا وخيرنا وابن خيرنا"، فكره ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أشد الكراهة. قال رحمه الله تعالى: "وقول القائل: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندًا، بل ما شاء الله وحده". إذا كان الإنسان يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: "ما شاء الله وشئت"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني لله ندًا"، فكيف بمن كان قوله وعمله واعتقاده حقيقته أنه جعل النبي صلى الله عليه وسلم لله جل وعلا ندًا؟ قال شيخ الإسلام رحمه الله: "ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين بإفراط فيه أو تفريط، فقد شابههم في كفرهم بالله جل وعلا". قال: "وعلي رضي الله عنه حرق الغالي من الرافضة". فأمر بأخاديد خدت لهم عند باب كندة، فقدفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس مذهبه أن يقتله بالسيف من غير التحريق، وهو قول أكثر العلماء. فالغلو الذي حصل في علي وأنه رب العالمين هو نظير من يقول في علي اليوم من الرافضة هذا الأمر، وهو كذلك نظير من يقول في رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن من جودك الدنيا وضرتها ومن علومك علم اللوح والقلم"، ومن يقول: "إن لم تكن يوم المعاد آخذًا بيده فضلًا وإلا فأزلة القدم". هؤلاء كأولئك لا فرق، فالكل جعل مع الله جل وعلا إلهًا آخر، تعالى الله جل وعلا عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. نكتفي بهذا القدر، إلهنا سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.