الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 8، ألقاها
التوحيد هو مفتاح دخول الجنة، ويكفر الذنوب والمعاصي بإذن الله. تحقيق التوحيد يتطلب الإيمان بالجنة والنار وتصديق الرسل.
تحقيق معنى لا إله إلا الله يغلب السيئات ويدخل صاحبه الجنة. الإخلاص والصدق متلازمان في تحقيق هذا المعنى.
كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' تنفي الشرك وتوجب الإخلاص لله وحده. قولها بدون علم ويقين لا ينفع قائلها.
قول "لا إله إلا الله" دون الإخلاص لا ينفع. الجهل بمعناها واتباع الهوى يمنعان الناس من قبول الحق واتباعه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال رحمه الله تعالى: قوله: «وأن الجنة حق» أعدها الله للمؤمنين يوم القيامة، وما فيها من القصور والثمار والفواكه والنعيم المقيم، والنظر إلى وجه الله الكريم، كما قال تعالى: ﴿عطاءً غير مجذود﴾ أي: غير مقطوع ولا نافذ. وقال تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاءً بما كانوا يعملون﴾. فالجنة حق، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، وكما أخبر بذلك ربنا جل وعلى، فهي حق. وكل مؤمن يجب عليه أن يعتقد هذا الأمر، وأن يؤمن به إيمانًا بالله رب العالمين جل وعلى، وإيمانًا برسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ومن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، وأنهما مخلوقتان، خلقهما الله جل وعلى، وأنهما أبديتان لا تزولا ولا تفنيا، بل هما أعدتا للبقاء وللخلود. أهل الجنة في الجنة، والنار كذلك معدة لأهلها. قال رحمه الله تعالى: «والنار حق» أعدها الله تعالى لمن كفر به وأشرك به في إلهيته وربوبيته، وألحد في أسمائه وصفاته. وهذا كذلك حق لا مرية فيه. قال: «ومن لم يؤمن بالجنة والنار فقد كفر بالقرآن والرسل» أي: كفر بالقرآن؛ لأن القرآن أخبر بأن الجنة مخلوقة، وأنها موجودة، وأنها معدة، وكذا النار. وكفر بالرسول؛ لأنه لم يؤمن بخبره، الرسول صلى الله عليه وسلم، بل بجميع أخبار الرسل؛ لأن الرسل كلهم أخبروا بذلك. بل لو أن إنسانًا كذب رسولًا واحدًا لكان مكذبًا لجميع المرسلين، كما أخبر الله جل وعلا عن الأقوام الذين أرسل إليهم المرسلون، فكانوا يكذبون ذلك الرسول المعين الذي أرسل إليهم. ومع هذا يقول الله جل وعلا: ﴿كذبت عاد المرسلين﴾ وما كذبوا إلا رسولهم، ﴿كذبت ثمود المرسلين﴾ وما شابه ذلك. وذلك لأن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب بجميع الرسل والمرسل؛ لأن الله جل وعلا أخبر بذلك، وأرسل رسوله بذلك، مخبرًا عن الله جل وعلا. قال: «فإن الله تعالى بيّن الجنة وما أعد فيها من النعيم المقيم، وذكر أنها دار المتقين، وذكر النار وما فيها من العذاب، وأنه أعدها لمن كفر به وأشرك» والعياذ بالله. قوله رحمه الله تعالى: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» هذا هو الشاهد لإيراد الشيخ رحمه الله تعالى لهذا الحديث في هذا الباب، في باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب. فنبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أخبر أن من وحد الله جل وعلا، من قال: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق» أدخله الله الجنة على الله على ما كان من العمل. ففيه فضيلة ظاهرة لأهل التوحيد، وفيه دلالة واضحة لعلاقة الحديث بهذا الباب الذي بوب عليه الشيخ رحمه الله تعالى في هذا الكتاب العظيم المبارك، كتاب التوحيد، فقال: «باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب». ففي الحديث دلالة واضحة مطابقة للترجمة التي ترجم بها الشيخ رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» جواب من» أي: في الحديث، من قال: «أشهد أن لا إله إلا الله» إلى آخره، لذا قال: «جواب من» الشرطية، أي: من شهد أن لا إله إلا الله إلى آخره، أي: إلى آخر الحديث، أدخله الله الجنة، أي: بإخلاصه وصدقه، والإيمان برسوله، وما أرسله به. وقوله رحمه الله تعالى: «بإخلاصه وصدقه، والإيمان برسوله، وما أرسله به» هذا مأخوذ من قراءة الحديث، ومدلولات الحديث. فإن الحديث فيه الأمر بشهادة أن لا إله إلا الله، وهي معنى الإخلاص لله جل وعلا وحده بالعبادة. ولا يكون إخلاص إلا بصدق؛ لأن الإخلاص متلازم مع الصدق، والإيمان برسوله كذلك، وما أرسله به من الإخبارات عن الله جل وعلا، وعن الأمور الغيبية التي أخبر بها، وكذا الإيمان بما جاء به من الأوامر والنواهي، وأنها من الله، وأنها حق يجب أن يتعبد العبد ربه جل وعلا بها وبمقتضاها. قال رحمه الله تعالى: «وخالف النصارى واليهود» أي: خالف اليهود والنصارى في عيسى عليه السلام. قال: «وخالف النصارى واليهود في الغلو والجفاء في حق عيسى، وعلم يقينا أنه عبد الله ورسوله، وآمن بالجنة والنار». فمن كان كذلك أدخله الله الجنة، وإن كان مقصرًا وله ذنوب، وإن كان مقصرًا وله ذنوب. قال: «فهذه الحسنة» فهذه الحسنة العظيمة، أي: حسنة التوحيد، حسنة لا إله إلا الله. قال: «فهذه الحسنة العظيمة ترجح بجميع السيئات». فتدبر هذا الحديث؛ فإنه عظيم، والله أعلم. فإنه حديث عظيم، والله أعلم. والأمر كما ذكر رحمه الله تعالى. وقد ذكرنا في أول الكتاب أن الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى في هذا الكتاب يأتي على مسائل دقيقة وقع فيها شيء من الإشكال، فيعبر عنها بتعابير مختصرة دقيقة فيها معاني غزيرة. ومنها هذا الموضع. فإن هذا الحديث وقع فيه إشكال على بعض الناس، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» على ما كان من العمل، أي: وإن كان من أصحاب الذنوب والمعاصي. يدخله الله جل وعلا الجنة. وما نعمل بالأدلة الكثيرة الظاهرة القاطعة، والإجماعات المنقولة عن السلف في أن طوائف من أهل التوحيد يدخلون النار بذنوبهم، يدخلون النار بذنوبهم؛ بسبب اقترافهم للذنوب والكبائر والمعاصي. والجواب عن هذا الإشكال بهذه الكلمات المختصرة التي ذكرها العلامة عبد الرحمن بن حسن رحمه الله بقوله رحمه الله: «وعلم يقينا أنه عبد الله ورسوله، وآمن بالجنة والنار». ثم قال: «فمن كان كذلك أدخله الله الجنة، وإن كان مقصرًا وله ذنوب». بعد أن قال في أول الأمر: «أدخله الله الجنة» أي: بإخلاصه. أي: تأمل وتدبر: «أدخله الله الجنة» أي: بإخلاصه وصدقه، وإيمانه برسوله، وما أرسله به، إلى آخر ما ذكره رحمه الله. تدبر هذا الموضع، كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: «يظهر لك المعنى جليًا ظاهرا بإذن الله جل وعلا». وحاصل ذلك كما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «أن لا إله إلا الله متى حققها العبد، وقام بمقتضاها، وأذعن لهذه الكلمة، وقالها خالصًا من قلبه، موقنًا مصدقًا، معظمًا محبًا لله رب العالمين جل وعلا، فإنه لا يبقى مع اسم الله شيء». إذن: «أشهد أن لا إله إلا الله» تكون نافعة بإذن الله جل وعلا، إن كانت «لا إله إلا الله» مع ما ترتب عليها من الإجلال والتعظيم لله رب العالمين جل وعلا، وما ترتب كذلك عليها من إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والصبر واليقين. وتحقق شروط «لا إله إلا الله» مكتملة. إلا أن العبد وقع منه بعض التقصير، وبعض التفريط. فإن الله جل وعلا بهذه الحسنة يدخله الجنة على ما كان من العمل. يدخله الله الجنة على ما كان من العمل. يبين هذا ويوضحه أن كثيرًا من العصاة، أو نقول: إن كثيرًا - نعم - العصاة، جاءت الأخبار بأنهم يدخلون الجنة، بأنهم ماذا؟ يدخلون الجنة إما بمشيئة الله جل وعلا، وعفوه، وفضله؛ لأن الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾. وهذا واضح. وكذلك كثير من أهل الذنوب والمعاصي يدخلون النار، مع أنهم من أهل التوحيد، عندهم «لا إله إلا الله»، مع هذا يدخلون النار. ما السبب في ذلك؟ السبب في ذلك: أنه ما قام في قلوبهم من «لا إله إلا الله» ما قام بقلوب غيرهم من أهل التوحيد. فكانت أو فرجحت سيئاتهم على حسناتهم، بخلاف من عظمت هذه الكلمة تحقيقًا لها، مخلصًا لله جل وعلا بها، معظمًا لله جل وعلا بها، مجلًا لله جل وعلا بها، محبًا لله جل وعلا، إلى غير ذلك من معاني العبودية. ووقع منه ما وقع من الذنوب. فإن هذه الحسنة لا يقف معها شيء، ولا يثقل أمامها شيء. ويبين لنا هذا المعنى ويوضحه ويجليه ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند الإمام أحمد وغيره، في الرجل صاحب البطاقة التي يأتي يوم القيامة، يأتي يوم القيامة بسجلات قد ملئت بسيئات، سجلات ملئت بسيئات، بسيئات. فتوضع في كفة الميزان. فيقول له الرب جل وعلا: «هل عندك أو هل لك من حسنة؟ هل لك من حسنة عندنا من حسنة؟» فالرجل مع ذهوله بتلك السيئات يقول: «لا يا رب». فيقول له الرب جل وعلا: «بل إن لك عندنا اليوم حسنة، لا ظلم اليوم». فتوضع «لا إله إلا الله» - يعني: تخرج له بطاقة - بطاقة. فينظر العبد إلى البطاقة، وينظر إلى السجلات المملوءة بسيئات. فيقول: «ما تنفع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟» قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيقول الله جل وعلا: لا ظلم اليوم». فتوضع بطاقة «لا إله إلا الله» في كفة، وتوضع تلك السجلات في كفة. فتطيش تلك السجلات. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ولا يبقى مع اسم الله شيء». وهذا كما قال علماء رحمهم الله تعالى: «هذا الرجل من هذا الصف». قال: «لا إله إلا الله» معظما لله جل وعلا، مجلًا لله جل وعلا، مخلصًا لله جل وعلا، محبًا لله جل وعلا، إلى غير ذلك من المعاني. إلا أن نفسه الأمارة بالسوء كانت غلابة عليه، ففعل ما فعل من السيئات، مع ما في قلبه من إخلاص الدين لله جل وعلا، ومحبة الله جل وعلا، وتعظيمه. فغلبت حسنة «لا إله إلا الله» على سيئاته، فأدخله الله الجنة على ما كان من العمل، على ما كان من العمل. فهذا يبين لنا هذا المعنى الذي اختصره العلامة عبد الرحمن بن حسن بهذه الكلمات اليسيرات. قال رحمه الله تعالى: قولهم: «وله ما في حديث عتبان: فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». قوله: «ولهما» أي: البخاري ومسلم. أي: البخاري ومسلم؛ لأن ما بعده يكون بدلًا عما قبله. فلما كان ما قبله مرفوعًا يكون ما بعده كذلك مرفوعًا. قالوا: «هذا الحديث طويل اختصره المصنف، وذكر منه ما يناسب الترجمة، وهو قولهم: من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». يبتغي بذلك وجه الله. وإذا نظرنا إلى هذا الحديث في هذا الباب بعد الحديث السابق، يقف الإنسان على نكتة لطيفة تبين لنا متانة علم الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ودقة نظره، وثقوب بصره. إذ كيف ذكر هذا الحديث بعد الحديث الأول في هذا الباب؟ وكأن الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى قد وقف وعلم أنهم سيحصل كذلك وقفة عند تلك الفقرة، أي: عند قوله: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». سيقع إشكال. فبين ووضح ذلك الإشكال بأن ذكر رحمه الله تعالى حديث عتبان بن مالك بعد الحديث الأول. وكأنه يقول: «الحديث الأول يفسره الحديث الذي يليه». وكأنه يقول رحمه الله: «الحديث الأول» أي: حديث عبادة «يفسره حديث عتبان؛ لأن في حديث عتبان قال: فإن الله حرم النار» نعم: «فإن الله حرم النار على من قال لا إله إلا الله». هل إلى هنا اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا. قال: «حرم الله النار» يعني: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». يبتغي بذلك وجه الله. إذا لابد من هذا المعنى. إذا لابد من هذا المعنى. وهذا الحديث، وإذا ضممنا هذا المعنى، وهذا الحديث إلى الحديث الأول، ظهر المعنى جليًا. ظهر المعنى المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». لذا قال الشارح رحمه الله: «وذلك هو حقيقة معناها». وهذا هو حقيقة معناها، أي: معنى «لا إله إلا الله» الذي دلت عليه هذه الكلمة من الإخلاص، ونفي الشرك. قال رحمه الله: «والصدق والإخلاص متلازمان» أي: لا ينفك أحدهما عن الآخر. لا ينفك أحدهما عن الآخر. قال رحمه الله: «لا يوجد أحدهما بدون الآخر». فإن من لم يكن مخلصًا فهو مشرك، ومن لم يكن صادقًا فهو منافق. قال: «والمخلص أن يقولها» والمخلص أن يقولها مخلصًا، أن يقولها مخلصًا الإلهية لله وحده دون كل ما سواه. إذن: لا بد أن يكون في قوله: «أشهد أن لا إله إلا الله» كما تقدم: أن يكون عالما بهذا المعنى، وأن يكون مخلصًا لله جل وعلا بهذا المعنى، وأن يكون صادقًا مع الله جل وعلا في هذا المعنى. وإذا تأملنا إلى هذه المعاني، كانت سببا لجرنا إلى معاني أخرى من معاني التعظيم والإجلال والمحبة والإينابة والتوكل والخضوع والخشية لله رب العالمين جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: «وهذا التوحيد هو أساس الإسلام الذي قال الخليل عليه السلام: ﴿ربنا وجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾. وقالت بلقيس: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾. وقد قال الخليل عليه السلام: ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين﴾». قال رحمه الله: «والحنيف هو الذي ترك الشرك رأسًا، وتبرأ منه، وفارق أهله وعاداهم، وأخلص أعماله الباطنة والظاهرة لله وحده». كما قال تعالى: ﴿ومن يسلم وجهه لله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. قال: «فإسلام الوجه هو إخلاص العبادة» هو إخلاص العبادة المنافر للشرك والنفاق. وهو معنى الآية، وهو معنى الآية ونحوها إجماعًا. فهذا هو الذي ينفعه قول «لا إله إلا الله». ولهذا قال تعالى: ﴿فقد استمسك بالعروة الوثقى﴾. إذا كما ذكر رحمه الله تعالى: «الحنيف هو الذي ترك الشرك رأسًا، وتبرأ منه ومن أهله». لا بد من أولًا ترك الشرك أصلا ورأسًا. فلا توحيد مع شرك أبدًا. بل لا بد أن يهدم مظاهر الشرك ومعالم الشرك من قلبه. وإن استطاع من واقعه - فعل - لا بد ذلك. أما من قلبه فلا بد. وإن استطاع من واقعه - أي: من الواقع من الأرض - أن يهدم مظاهر الشرك استطاع ذلك. فكذلك يفعل، كما هدم النبي صلى الله عليه وسلم الأوثان بيده صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حينما دخل فاتحًا مكة. هذا عند الاستطاعة. أما لما لم يكن قادرًا قبل الهجرة ما فعل ذلك. فإذن: يهدم «لا إله إلا الله» تهدم كل عبادة لما سوى الله. تهدم كل عبادة لما سوى الله. تهدم الأوثان، الأصنام، كل عبادة لما كانت كل عبادة لما سوى الله جل وعلا يجب أن تهدم من قلب أولًا. ويحل محلها الإخلاص لله وحده لا شريك له، لله جل وعلا وحده لا شريك له. لذا يقول: «والحنيف هو الذي ترك الشرك رأسًا، وتبرأ منه، وفارق أهله وعاداهم». وهذا كذلك صنيع الخليل إبراهيم عليه السلام. أخلص لله جل وعلا وحده. فلم يكن في قلبه شيء يزاحم إخلاصه لله جل وعلا. فهدم كل مظهر من مظاهر الشرك قد يكون في قلب بشر من قلبه. ثم تعدى إلى أمر آخر عليه السلام. فهدم الأوثان التي كانت تعبد من دون الله جل وعلا. فهدمها بيده عليه السلام. وعاد أهلهم. عاد أهل الشرك. ولو كانوا أقرب قريب. تبرأ من كل من عبد غير الله جل وعلا. «إني بريء منكم ومما تعبدون من دون الله». فتبرأ عليه السلام من كل. تبرأ من الشرك أولًا، وتبرأ من أهله ثانيًا. ولا يستقيم تبرأ من الشرك دون تبرأ من أهله. ولا يستقيم كذلك أن يقول: «أنا متبرأ من أهله» ولا يتبرأ من الشرك. بل هما متلازمان. يجب أن يتبرأ من الشرك، ويتبرأ كذلك من أهل الشرك. من الشرك وأهله. قال: «وفارق أهله وعاداهم، وأخلص أعماله الباطنة والظاهرة لله وحده». للحه وحده. «والحنيف» كما عرفه العلامة ابن القيم، والشيخ عبد الرحمن رحمه الله تعالى بين هذا المعنى في هذه الفقرات. والإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عرف الحنيف. فقال: «الحنيف المقبل على الله، الحنيف المقبل على الله المعرض عما سواه». قال: «ومن فسره بالمائل» أي: بالمائل عن الشرك إلى التوحيد. قال: «فلم يفسره بنفس موضوع اللفظ». وإنما فسره بلازمه. لأن الحنف بمعنى الإقبال. قال رحمه الله تعالى: «وهذا بخلاف من يقولها» وهو يدعو غير الله. يقول: «لا إله إلا الله» بلسانه، وظاهره، وباطنه لغير الله جل وعلا. قال: «وهذا بخلاف من يقولها وهو يدعو غير الله، ويستغيث به» أي: بغير الله. من ميت أو غائب لا ينفع ولا يضر. كما ترى عليه أكثر الخلق. أي: في زمن المؤلف، وقبله، بل وبعده إلى زماننا هذا. تجد كثيرًا من الناس - وللأسف الشديد - عند الحاجات، والنوائب، وعند الملمات والمصائب يرجعون إلى غير الله جل وعلا بالدعاء والاستغاثة، وطلب كشف الكرب والضر، وطلب جلب النافع، إلى غير ذلك من المعاني التي لا يستطيعها إلا الله، ولا يستحقها إلا الله جل وعلا. فهذا أين «لا إله إلا الله» من عمله وفعله؟ قال: «وهؤلاء إن قالوها فقد تلبسوا بما يناقضها». يقولون: «لا إله إلا الله» وهم ينقضونها ليلًا ونهارًا. فأين «لا إله إلا الله» من هؤلاء؟ قال: «فلا تنفع قائلها إلا بالعلم بمدلولها نفيًا وإثباتًا». نفيًا: «لا إله» أي: لا معبود حق. وإثباتًا: «إلا الله» أي: المستحق للعبادة وحده لا شريك له. قال: «والجاهل بمعناها» وإن قالها، فإنه لا تنفعه. لماذا؟ يقول: «لجهله بما وضعت له الوضع العربي». الوضع العربي كما تقدم: أن كثيرًا من الناس يقولون: «لا إله إلا الله». وإذا قيل لهم: «ما معنى لا إله إلا الله؟» قالوا: «لا مخترع إلا الله»، أو «لا رب إلا الله»، أو «لا خالق إلا الله». وما علموا معناها الذي علمهم العرب الأول. وما عرف معناها الذي معلوم معروف في لغة العرب، وفي دواوين اللغة. ما عرف هذا المعنى. ما عرف هذا المعنى الذي دل عليه القرآن دلالة واضحة، بينه شافية كافية. ودل عليه نبينا صلى الله عليه وسلم دلالة واضحة، بينه كافية شافية، لا لبس فيها ولا خفاء. قال رحمه الله تعالى: «ومما قيدت به في الحديث قوله: «غير شاك» كما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة». قال: «فلا تنفع إلا من قالها بعلم ويقين». لقوله: «صدقا من قلبه، خالصا من قلبه» أي: لابد أن يكون صادقًا من قلبه، وأن يكون مخلصًا من قلبه، وأن يكون على يقين بما يقول. قال: «وكذلك من قالها غير صادق في قوله، فإنها لا تنفع؛ لمخالفة القلب اللسان». كحال المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وكذلك حال المشرك. فلا تقبل من مشرك؛ لمنافاة الشرك للإخلاص، ولما دلت عليه هذه الكلمة مطابقة. فإنها دلت على نفي الشرك والبراءة منه، والإخلاص لله وحده لا شريك له. مطابقة. أي: «لا إله إلا الله» دلت على نفي الشرك والبراءة من الشرك وأهله، وعلى الأمر بتوحيد الله جل وعلا وحده لا شريك له. مطابقة. فدلالة «لا إله إلا الله» على هذا المعنى دلالة مطابقة. ومعنى دلالة المطابقة: هي دلالة اللفظ على معناه الذي قصد له. دلالة المطابقة: هو دلالة اللفظ على معناه الذي قصده المتكلم. وهي من الدلالات اللفظية عند المنطقيين. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك» قال رحمه الله تعالى: «فإنها دلت على نفي الشرك والبراءة منه، والإخلاص لله وحده لا شريك له. مطابقة». ومن لم يكن كذلك لم ينفعهم قولهم «لا إله إلا الله». كما هو حال كثير من عبدة الأوثان. يقولون: «لا إله إلا الله» وينكرون ما دلت عليه من الإخلاص. ويعادون أهله، وينصرون الشرك وأهله. من من يعبد القبور، ويعظم أولئك المقبورين. فيرفعهم إلى منزلة لا تكون إلا لله رب العالمين جل وعلا. يتقربون إليهم بأنواع القرابين، وأنواع العبادات، وأنواع الزلفة. يتقربون بها إلى الله، إلى غير الله جل وعلا. ويحسبون أنهم يحسنون صنعًا. قال رحمه الله تعالى: «وقد قال الخليل عليه السلام لأبيه وقومه: ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾ وجعلها كلمة باقية في عقيبه: ﴿لعلهم يرجعون﴾». قال: «وهي لا إله إلا الله». وقد عبر الخليل عنها بمعناها الذي وضعت له، ودلت عليه في قوله: ﴿إلا الذي فطرني فإنه سيهدين﴾. قال: «ويدل عليه» وهو البراءة من الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له. كما تقدم تقريره. قال: «وكذلك من قالها ولم يقبل ما دلت عليه من الإخلاص، كان قوله لهذه الكلمة كذبًا منه». بل قد عكس مدلولها. فأثبت ما نفته من الشرك، ونفى ما أثبتته من الإخلاص. يعني: تخيل إنسان يقول: «لا إله إلا الله» ولا يلتزم بـ «لا إله إلا الله». فيشرك بالله جل وعلا ليلًا ونهارًا. هل عمل بمقتضاها؟ الجواب: لا. هل عمل بنقيضها؟ الجواب: ماذا؟ نعم. فكيف تنفعه «لا إله إلا الله»؟ قال رحمه الله تعالى: «فهذا الذي ذكرناه هو حال الأكثرين من هذه الأمة بعد القرون السلف». وسبب ذلك: الجهل بمعناها، واتباع الهوى. فيصده عن اتباع الحق، وما بعث الله به رسله من دينه الذي شرعه لعباده، ورضيه لهم. وهذه بعض العلل والأسباب التي بين بها الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى الأسباب التي صدت ومنعت هؤلاء عن قبول الحق، وعن اتباع الحق. وأوقعتهم في الشرك بالله جل وعلا، مع أنهم يقولون: «لا إله إلا الله». وذلك أولًا: لأنهم جهلوا حقيقة معنى «لا إله إلا الله». وثانيًا: اتباعهم للهوى. اتباعهم للهوى. فكان مانعًا لهم من قبول الحق. كان مانعًا لهم من قبول الحق. وهذا داء عضال. أي: الهوى يكون مانعًا للإنسان من قبول الحق في كل زمن ومكان. قال الله جل وعلا لداود عليه السلام: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى﴾ نعم: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس﴾ ولا تتبع الهوى نعم: ولا تتبع الهوى فيصدك عن سبيل الله. فيضلك عن سبيل الله. ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. فاتباع الهوى يكون سببًا للضلال عن سبيل الله جل وعلا. الحق البين. والله تعالى أعلى وأعلم. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليه.