الدرس في شرح تائية الألبيري 11، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قول الإلبيري للشاب أبا بكر بأن ما كشفه من عيوبه قليل جداً مقارنة بما يستره، فيطلب منه مضاعفة العيوب لصدقه في النقد مستدلاً بأقوال السلف الصالح. ويؤكد أن طالب العلم يجب أن ينظر لنفسه بعين التقصير ولا يغتر بأعماله.
يشدد المقطع على أهمية محاسبة النفس والتواضع، حيث يرى المؤمن ذنبه عظيماً بينما يستهين المنافق به، ويحذر من تتبع عورات المسلمين والشماتة بهم. ويبين أن ذلك يورث المقت والبغض، بينما ينبغي للمسلم أن يفرح بمن يهديه عيوبه ليصلحها.
يوضح المقطع أن تتبع العورات والشماتة بالناس يهوي بصاحب المكانة الرفيعة إلى الذل والهوان، بينما الطاعة والاشتغال بتزكية النفس ترفع العبد عند الله والناس. وتجلب له المحبة والقبول في الأرض وتكفل له حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.
يقارن المقطع بين من ينشغل بعيوب الآخرين ويشمِت بهم، وبين من يقبل على إصلاح نفسه وطاعة ربه، مبيناً الفارق في النتائج الدنيوية والأخروية. ويختتم بدعوة للمتابعة والاشتراك في القناة لاستكمال الدروس القادمة.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فيقول أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى في منظومته التائية، وهو يعظ ذلكم الشاب الذي عاتبه، وقال: «ولا تنكر فإن الأمر جد وليس كما حسبت ولا ظننت». يعني: ما قلت لك فهو جد وليس بالهزل، والجد حقه أن يعتنى به وأن يؤخذ به. وهذا يؤخذ من قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾. فتلك المواعظ التي وعظ بها حق، فينبغي أن تأخذ ما أخذ الجد، وليس كما حسبت ولا ظننت. أي: ليست تلك النصائح من الهزل، وإنما هي من الحق والجد. ثم قال له: «أبا بكر كشفت أقل عيبي وأكثره ومعظمه سترت» أو «أكثره ومعظمه سترت». «فقل ما شئت في من المخازي وضاعفها فإنك قد صدقت». أبو بكر: هذه كنية هذا الشاب الذي أنشأ الإلبيري من أجله هذه القصيدة، وقد تكرر هذا الاسم أو تلك الكنية في قصيدة الإلبيري في موضعين. الموضع الأول فيما تقدم بقوله: «أبا بكر دعوتك لو أجبت إلى ما فيه حظك لو عقلت». وفي هذا الموضع ناداه بهذه الكنية، فقال له: «أبا بكر كشفت أقل عيبي». أي: أن ما ذكرته فيّ من المعائب إنما هي قليلة، قليلة جداً، وأكثره ومعظمه سترت. أي: أنا عندي معائب كثيرة جداً، والذي ذكرته إنما هو شيء يسير منها، إنما هو شيء يسير منها. وهذا كما تقدم يحمل على هضم النفس والتواضع والاعتراف بالتقصير والتفريط. فلذلك قال له في البيت الذي بعده: «فقل ما شئت في من المخازي وضاعفها فإنك قد صدقت». أي: تحدث بما شئت فيّ من المخازي، المخازي يعني المعائب، وعدد ما شئت من العيوب ومن الأخطاء، وزد عليها. «ضاعفها» يعني: زد عليها. إذا ذكرت خمسين، زد واذكر مئة. إذا ذكرت مئة، زد واذكر مئتين عيب. «ضاعفها» أي: زد عليها، «فإنك قد صدقت». كأنه يقول: التفريط الذي عندي كبير وعظيم جداً. وهذا كله كما تقدم يقوله هضماً لنفسه، شأنه شأن الصالحين، فإنهم لا يغترون بأعمالهم ولا يعجبون بها، بل دائماً يضعون أنفسهم موضع التفريط والتقصير. ثم قال: «ومهما عبتني فلفرط علمي بباطنتي كأنك قد مدحت». يعني: يقول له: ومهما عبتني، يعني ذكرت لي من المعائب، فلفرط علمي. ومعنى «لفرط علمي» يعني: لشدة علمي، لشدة علمي بباطنتي. الباطنة هي السريرة. أي: لشدة علمي بسريرتي. أي: مهما قلت فيه من الذنوب، لما أعلمه من نفسي وتفريطي وتقصيري، والأمور التي أعلمها من سري وباطني. وفي هذه الكلمات وفي هذه الأبيات تربية لنا معاشر طلاب العلم: أننا ننظر إلى أنفسنا نظر تقصير وتفريط، ولا نغتر بأعمالنا، ولا نعجب بما من الله عز وجل علينا من علم أو أدب أو عمل صالح. وهذا هو دأب أهل العلم. فلو نظرت إلى من انتقدك نظر صدق منه، أن هذا الشيء فيك بل أكثر، فهذا يهون عليك، يهون عليك ما قيل فيك، إلا إذا كان كذباً وباطلاً وتهماً ونحو ذلك، فلك أن تبين ذلك. كان العلماء يهضمون أنفسهم ويتواضعون. كان ابن القيم يقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية: أنه كان يقول: «ما أنا بشيء، ولست بشيء». وبعض العلماء ربما يقول: «ما أنا إلا طويل بعلم»، وهو إمام، وهو جبل من جبال العلم والسنة، ومع هذا يقول: «ما أنا شيء، أنا طويل بعلم، لا تغتر». وهكذا وهكذا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم. يقول التابعي الجليل عبد الله بن أبي مليكة: «أدركت أكثر من ثلاثين صحابياً، كلهم يخاف النفاق على نفسه، كلهم يخاف النفاق على نفسه». وهم صحابة. عمر بن الخطاب، ومن هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الذي يفر منه الشيطان لتقواه ويقينه وعلمه رضي الله تعالى عنه، يأتي عند حذيفة بن اليمان، ويقول: «يا حذيفة، أعدني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين». سبحان الله! انظروا كيف ينظرون إلى أنفسهم نظر تقصير وتفريط. المؤمن يرى ذنبه كأنه جبل يكاد أن يقع عليه، أما المنافق فهو الذي أمن، يرى ذنبه كأنها ذبابة، أو كأنه ذبابة وقعت على أنفه، فقال: «به، هكذا»، لا يبالي. ولا كذلك يحترق لفعل معصية أو لصدور تقصير منه. لربما أحد الصالحين، كما ذكر عن أحدهم، فتف تفته صلاة الجماعة يوماً، صلاة الفجر، لا لتقصير منه، وإنما لعطل حصل للمنبه الذي ينبه للصلاة، كان ينبه هذا المنبه، ففي تلك الليلة عطل هذا المنبه، فلم يقم إلا وقد خرج الناس من صلاة الفجر. فتأسف أسفاً شديداً، وتندم ندامة عظيمة، فذهب إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كان يصلي في المسجد النبوي، وجلس في المسجد وهو يستغفر الله ويتوب إلى الله، ويعتبر هذا ذنباً عظيماً، ويكثر من الأعمال الصالحة، عملاً بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾. فلازم المسجد في ذلك اليوم إلى بعد صلاة العشاء. ونحن اليوم ربما تفوتنا الصلاة خلف الإمام، ولا نشعر بأسف ولا بتندم، ولا كأن تقصيراً وقع منا. لا شك أن هذا يدل على عدم تربية هذه النفس على التواضع وهضم النفس واتهامها بالتفريط والتقصير. فهنا يقول له: «ومهما عبتني فلفرط علمي بباطنتي كأنك قد مدحت». يعني: ما تعلم شيء من عتبك، عند ما هو أعظم من ذلك. فذكرك لهذه المعايب أعتبرها مدحاً لي، كأنك مدحتني، لأنها لا تساوي شيئاً مع ما أعلم من نفسي من تقصير وتفريط، ومن كثرة عيوب ونحو ذلك. ولذلك ينبغي للمسلم أن يعتني بعلاج عيوبه، لا بالتنقيب والبحث عن عيوب غيره. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول، كما في حديث عبد الله بن عمر عند الترمذي وغيره: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المؤمنين، ولا تتتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف بيته». انظروا إلى هذا الحديث العظيم. هذا يدعونا إلى أن نعتني بصلاح قلوبنا وبمعالجة عيوبنا، لا بتتبع عورات المسلمين. وقد قيل، لا، كما قال أحدهم في المثل المعروف: «لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه ويبتليك». لا تظهر الشماتة في أخيك، وجدت منه عيباً فاستر عليه، وانصحه بينك وبينه، ولا تشمت به، ولا تنشر معايبه. فإن فعلت ذلك، فلعل الله أن يعافيه، أي يوفقه للتخلص من هذا العيب، ثم يبتليك بعيوب أعظم وأكثر من تلك العيوب التي عبتها عليه. لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك. ينبغي للمسلم أن يتواضع، وطالب العلم خاصة، وأن يعتني بصلاح عيوبه، بل يفرح إذا دل على عيوبه، ويقول: «رحم الله امرأ أهدى إلي عيوبي». من ينصحك، لا تشمئز منه، من أظهر لك عيوبك، لا تنفر منه، بل أقرب منه. هذا دليل على نصحه، ودليل على حبه لك، حتى تصحح مسارك، وحتى تتخلص من عيوبك. ثم قال: «فلا ترضَ المعايب فهي عار عظيم يورث المحبوب مقتعاً». أي: لا تنشغل بهذا الباب، وهو تتبع العيوب، تتبع العيوب وإظهارها، والشماتة بأهلها. «فلا ترضَ المعايب فهي عار»، يعني: خزي عليك عظيم. وما هو أثر هذا الفعل؟ «يورث المحبوب مقتعاً». أي: الإنسان المحبوب الذي له مكان عند الناس، إذا اشتغل بهذا الأمر وإظهار العيوب والتنقيب عنها، أورثه ذلك بين الناس مقتاً، أي: بغضاً، فيكون مبغوضاً بين الناس. يقول لك: انظر هذا رجل سيء، يتتبع عورات الناس، وكذلك يشمت بالناس، ويتكلم على الناس، يكرهونه. ولربما من كان يحبك إذا رأى منك ذلك أبغضك ونفر منك. ثم بين أيضاً بعض تلك الآثار السيئة لهذا الفعل، فقال: «ويهوي بالوجيه في الثرية ويبدله مكان الفوق تحت». يعني: الإنسان الوجيه، عالي المكان، رفيع المنزلة، يهوي به مثل هذا المسلك، ومثل هذا الفعل، تتبع العورات، الشماتة بأهلها. هذا الفعل يهوي به من الثرية إلى الثرى، إلى الثرى، من الثرية إلى الثرى، يعني: من فوق إلى تحت. الثرية: نجم فوق في السماء، والثرى: هو التراب. فتكون منزلته سافلة دنيئة بعدما كانت عالية رفيعة. وهذا معنى قوله: «ويهوي بالوجيه من الثرية من فوق، ويبدله مكان الفوق تحت». كان ذا منزلة وذا مكانة رفيعة بين الناس، فلما سلك هذا المسلك صار وضيعاً دنيئاً حقيراً. ثم بين له أسباب الرفعة وأسباب محبة الناس له، فقال: «كما الطاعات تبدلك الدرار وتجعلك القريب وإن بعدت». يعني: الطاعات، يعني: إذا اشتغلت بها واعتنيت بهذه الطاعات، من طلب العلم، من الاشتغال بصلاح النفس، من الاستقامة على الشرع، وواظبت على ذلك، فإن هذه الطاعات تبدلك الدرار. ومعنى «الدرار» يعني: المنازل العالية، لأن الدرار هي الكواكب. المراد بالدرار هنا هي الكواكب. تجعلك في رفعة وفي مكانة عظيمة، وتجعلك القريب وإن بعدت. أي: الطاعة والعبادة تجعلك قريباً من قلوب الناس، فهي من أسباب محبة الناس لك. ومصداق هذا المعنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾، أي: محبة ومودة في قلوب الناس. وهكذا حديث أبي هريرة: «لما ينادي جبريل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه من في السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض». لماذا يحبه الله؟ لأنه قائم على مرضاة الله، على طاعة الله، منشغل بنفسه وبزكاة قلبه. فهذا يوضع له القبول في الأرض، فيحبه أهل الخير وأهل الصلاح، ويقربون منه، ويحبون الجلوس معه. وأيضاً من فوائد من اشتغل بنفسه عن عيوب الناس، وأقبل على الطاعات والقربات: «وتنشر عنك في الدنيا جميلاً، وتلقى براً فيها حيث شئت». أي: اعتناءك بالطاعات ومحافظتك عليها واهتمامك بها ينشر عنك الذكر الجميل، الذكر الجميل في الدنيا، بل وفي سكان أهل السماء. وكما مر معنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا﴾. وهكذا يذكره الناس بالجميل، لما كنت عليه من الأخلاق الفاضلة، ومن الإحسان إلى الخلق، ومن نشر العلم وإفادة الناس. يقولون: فلان جزاه الله خيراً، علمنا ونصحنا، وفقهنا وأحسن إلينا. يذكرونك بكل جميل. فهذه الطاعات سبب لفوح عطرك بين الناس، يفوح عطر الصادق وعطر الطائع بين الناس، فيذكرونه بكل جميل. «وتقى براً فيها حيث شئت». المراد هنا بالبر: أي أبواب الخير. فالطاعات سبب لكل خير في الدنيا والآخرة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، هذا باب من أبواب الحصول على البر. وهكذا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فمن كان عاملاً بالطاعات، تاركاً للمعاصي والمنكرات، فليبشر بخيري الدنيا والآخرة. ثم قال: «وتمشي في مناكبها عزيزاً وتجني الحمد فيما قد غرست». هذا أيضاً من آثار الطاعات والانشغال بتزكية النفوس والقلوب. قال: «وتمشي في مناكبها عزيزاً». أي: تمشي في هذه الأرض عزيزاً، لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. فلا عزة للعبد إلا إذا عمل بطاعة الله، لأن العزة من الله، ولا يعز الله عز وجل إلا من قام بدينه وشرعه، وأتمر بأمره، وانتهى عن نهيه. فمن ثمار الطاعات والانشغال بصلاح القلوب وتزكية النفوس أن تكون عزيزاً في هذه الأرض، لا تعرف المهانة ولا الذل. «وتجني الحمد فيما قد غرست». أي: تجني العاقبة الحميدة. الحمد يعني: العاقبة الحميدة فيما غرست من الطاعات والعبادات التي عنيت بها في حياتك. فهذه أيضاً من ثمار الطاعات والقربات. فهنا عمل مقارنة بين من ينشغل بعيوب الناس، وكذلك الشماتة بالناس، وبين من يقبل على نفسه وعلى طاعة ربه سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في دروس قادمة. إلى هنا، والله تعالى. اشتركوا في القناة، اشتركوا في القناة.