الدرس في شرح العقيدة الواسطية 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول صفة العلم لله تعالى وأدلتها من الكتاب والسنة والعقل، بينما يناقش المقطع الثاني آراء أهل السنة والجماعة في إثبات صفة العلم لله تعالى. يُظهر كلا المقاطعين أهمية صفة العلم كصفة ذاتية مستقلة قائمة بالذات.
يشرح المقطع الثالث شمولية علم الله تعالى للأماكن والأزمان وأفعال العباد، ويبين أن الله يعلم كل شيء بما في ذلك الغيب ومفاتيحه مثل علم الساعة ونزول الغيث وما في الأرحام.
يؤكد المقطع الرابع أن إدراك المسلم لصفة العلم لله تعالى يؤثر على حياته، حيث يستشهد بآيات قرآنية تدل على شمولية علم الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ و﴿أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال مؤلف رحمه الله تعالى: وهو العليم الحكيم، وهو العليم الخبير. ما سيأتي الآن عبارة عن سرد لآيات صفة العلم، سنسردها سردًا ثم نذكر الأدلة فيها. قال رحمه الله تعالى: وهو العليم الحكيم، وهو العليم الخبير. قال: يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. قال: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. قال: وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. وقوله: لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما. هذه الآيات كما قلنا أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر آيات الصفات. أولًا، نبدأ ببيان المسائل السريعة في هذه القضية، ثم نعرج على الآيات المذكورة من المسائل المهمة في هذا الباب. أن نعلم أن الكتاب والسنة وإجماع المسلمين على إثبات صفة العلم لله سبحانه وتعالى. وما أنكر هذه الصفة إلا الزنادقة، لأنها تستلزم ماذا؟ الجهل. فالله يتصف بصفة العلم، فالذي ينفي عن الله صفة العلم ما الذي أثبت لله؟ أثبت العكس، وهو الجهل، وهذا هو الكفر. المسألة الثانية في هذا الباب: ليس فقط الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة هي التي دلت على إثبات صفة العلم، بل كذلك العقل. الأدلة العقلية دلت على إثبات صفة العلم لله جل في علاه. إذ أن إيجاد الأشياء يكون بإرادة، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم. نقول حتى للمتكلمين الذين لا يرفعون رأسًا بأدلة القرآن والسنة: حتى العقل يدلك على أن الله يعلم سبحانه. فأنت تعترف معي بأن الله هو الذي أنشأ، وهو الذي خلق، وهو الذي أوجد. أنت معترف معي؟ يقول: نعم، معترف. طيب، خلق الأشياء ما الذي يحتاج؟ لا يكون خلق الأشياء إلا بإرادة. لأن هذه المعمورة ما خلقت عبثًا أو صدفة، هذا قول الحاد. فأنتم تقرون بأن الله هو الخالق، بأن الله هو الرازق، وأن الله أبدع في مخلوقاته. هذا الإبداع وهذا الخلق من الله عز وجل إنما كان بإرادة. إن الله أراد هذا الخلق. يقول: نعم. وإرادة الشيء تستلزم تصور المراد. لا تفعل شيئًا وأنت ما تدري إيش ستفعله. لا يمكن لأحد أن يفعل شيئًا وهو لا يدري ما الذي يفعله. بل لا يكون لك تصور للمراد الذي أنت ستريد أن تفعله. قال العلماء: فتصور المراد هو العلم. تصور المراد هو في حد ذاته علم. فأنت بهذا أثبت أن الله يعلم، شئت أم أبيت. فدل على أن إثبات صفة العلم دل عليها الأدلة الشرعية والأدلة العقلية. من هذا الباب: أن إيجاد الأشياء يكون بإرادة، والإرادة تستلزم تصور المراد، وتصور المراد هو العلم. كذلك من مسائل العلم: أن نعلم أن علم الله علم شمولي. فعلم الله كامل، وهو شامل كذلك. فهو يشمل كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. أحاط بكل شيء علما، يدل على شمولية علم الله سبحانه وتعالى. وأنه أحاط بكل الأشياء، فهو شامل. فعلمه شامل للأزمان، ما كان من المضي، وما كان في الحاضر، وما كان في المستقبل. هذا من علم الله، من شمولية علم الله. كذلك شمولية علم الله للأماكن، فهو يعلم ما في السماوات، ويعلم ما في الأرض. يعلم ما في العالم العلوي، ويعلم ما في العالم السفلي. ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا وهو يعلمها. فعلمه قد أحاط بكل شيء من الأماكن في السماء والأرض، وفي البر والبحر. وكذلك علمه شامل لأفعال العباد، لأفعالهم، لأقوالهم، لأحوالهم، سواء ما أظهروه أو ما أضمره. قال سبحانه: ﺧَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. وكذلك علم ربنا من أفعال العباد، في كل ما كان من فترات أفعالهم. علم ما كان، وما سيكون، ولو لم يكن، لو كان كيف سيكون؟ هذا تابع لعلم الله. علم ما كان، أي ما سبق. وعلم ما سيكون، أي ما سيأتي. وعلم ما لم يكن، أي الذي ما وقع، لو وقع كيف سيكون؟ علمه الله. كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾. ولو ردوا، لعادوا، ولن يردوا، هم من مات. لن يرد، لكن يقول ربنا: لعلمه بعلمه الشامل لأفعال عباده. أي: لو أنهم رددناهم، أعدناهم إلى الحياة الدنيا، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه. من أين كان هذا؟ هذا لعلم الله عز وجل، أي الذي ما كان، لو كان كيف سيكون؟ هذا تابع لعلم الله. فربنا من شمولية علمه، علم ما كان، وما سيكون، وما لم يكن، لو كان كيف سيكون. فعلم الله سبحانه وتعالى شمل ووسع كل شيء. وكذلك من مسائل العلم: أن نعلم أن الله عز وجل من اسمه العليم، صفة العلم هي صفة مستقلة ذاتية. صفة مستقلة ذاتية، ذاتية بمعنى أنها قائمة بالذات، لا تنفك عنه. لأن صفات الله عز وجل منها صفات ذاتية، ومنها صفات فعلية. الصفات الذاتية هي التي لا تنفك عن الله، والصفات الفعلية هي التي تنفك. وبعض من يأتي بضابط آخر يقول: أن الصفات الذاتية التي ليس لها تعلق بالمشيئة، بخلاف الصفات الفعلية هي التي لها تعلق بالمشيئة. مثل صفة الحياة، صفة ذاتية لا تنفك عن الله. هل يمكن أن يقال: أن الله إذا شاء كان حيًا، وإذا لم يشاء لم يكن حيًا؟ لا، ما يقال بهذا. بخلاف ماذا؟ صفة النزول، صفة المجيء، هذه صفة فعلية. إذا شاء الله جاء وأتى ونزل، وإذا لم يشاء لم يفعل. فهذا متعلق لهذا من الفوارق في التمييز بين الصفات الذاتية والفعلية: أن متعلقة بالمشيئة. فالصفات الذاتية لا تتعلق بمشيئة الله، بل هي ملازمة لله، ملازمة لذاته المقدسة. وأما الصفات الفعلية، فهي التي تفعل متى ما شاء الله أن يفعلها. كصفة الغضب، هي صفة فعلية. هل يقال: بأن الله دائمًا يغضب؟ لا، ما يقال. يقال: صفة ذاتية لا تنفك عن الله. فالله يغضب إذا شاء، بوجود أسبابه، أسباب الغضب. وإلا فإنه سبحانه وتعالى يرضى ويغضب، هذه صفات فعلية. فلهذا يقول علماء في صفة العلم: أنها صفة مستقلة قائمة بالذات. هذا ملخص سريع، إخواني في الله، حول أهم المسائل المتعلقة بصفة العلم، والذي يثبتها أهل السنة والجماعة لله سبحانه وتعالى. وبالمقابل نجد أن من أهل البدع من أنكر صفة العلم، ولو في ذلك أقوال وعبارات. فمنهم من أنكر علم الله السابق. فعلم الله منه علم سابق، وعلم لاحق. العلم السابق هو أن الله يعلم به سبق وقوع الأشياء قبل أن تقع، قد علمها الله قبل أن تقع. وأما علم الله اللاحق، وهو أن الشيء وقت وقوعه قد علم الله به. فمن أهل البدع من أنكر علم الله السابق، وأن الله لا يعلم بالأشياء قبل وقوعها. وهذا الذي يحد علم الله قد كفر. يقول إمام الشافعي رحمه الله تعالى: ناظروا القدرية بالعلم، فإن أقروا به خصموا. أي: إن أثبتوا أن لله جل وعلا علمًا سابقًا ولاحقًا، اكتفينا وانتهينا، خصموا. وإن أنكروه كفروا. أي: من أنكر علم الله فقد كفر، لأنه قد مضى معنى أن إنكار العلم الجهل. فمن لم يثبت لله علمًا فسيقع في ضده، وهو الجهل. وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن القدرية: هل يكفر؟ قال: إن جحد العلم كفر. قال: إن جحد العلم كفر. ذكر هذا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى. عن القدرية: هل يكفر؟ طبعًا هذا قول الغلاة، غلاة القدرية ممن أنكر علم الله السابق. ومنه من أنكر علم الله بالجزئيات، وخص علمه بالكليات. يقول: نعم، أنا أعترف بأن الله عليم ويعلم، لكن علمه إنما يتعلق بكليات الأمور، بالعموم الإجمالي، بالأمر الإجمالي. يعلم به الرب، أما التفاصيل والجزئيات، هذه ليس من علم الله عز وجل. ومن أقوال أهل البدع في هذا الباب: من أنكر الإسم والصفة. فعندهم بأن الله ليس بعليم، ولا يعلم. أنكروا الإسم والصفة. وهؤلاء الجهمية، ظن منهم أنهم إن أثبتوا الإسم والصفة شابه الله بخلقه، فتحرزوا عن هذا، فألغوا باب الأسماء والصفات. ومنه من يثبت الإسم من غير صفة. من أقوال المبتدعة في هذا الباب: منه من يثبت الإسم من غير صفة. فيقول: من حيث الإسمية، الله عليم، الله عليم. لكن هل له صفة علم؟ لا، ينكر صفة العلم. يثبت الإسم، لكن لا يقر بالصفة. وهل معنى هذا أنهم يعني يرون أن الله لا يعلم البتة؟ لا، هم لهم مخرج آخر. يقولون: بأن الله عليم، لكن علمه بذاته، علمه بذاته، ليس بصفة. فيرون أن صفات الله عز وجل قائمة بذاته، هي ذاته، ليست قابلة للزوال، هي ذاته. فالله عليم، علمه بذاته. الله سميع، سمعه بذاته. يسمع بذاته، ليس بصفة. ما هناك صفة، أي ما هناك قدر زائد عن الذات. ليس هناك قدر زائد عن الذات. وأهل السنة والجماعة يثبتون أن لله عز وجل ذاتًا، ويثبتون لله عز وجل صفاتًا. وأن صفات الله جل وعلا تقوم في ذاته. فالله عز وجل ذاته، وما من ذات أصلا، ما هناك ذات مجردة عن الصفات. وما هناك صفات تقوم بحالها من غير ذات. فعندي ذات، وعندي صفات. ولله المثل الأعلى. لكن المعتزلة يثبتون الذات، وصفات وهي هي الذات. وهذا هو الضلال. ولهذا ماذا خرجوا؟ خرجوا مثل هذه العبارات. يقولون: بأن الله عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. هل معنى كلامكم أن الله ما يبصر، أن الله ما يعلم؟ لا، ما قصدنا هذا. يقول: بأن الله عليم، علم بذاته. هذا من أقوال المعتزلة، سيأتي معنا. ومنه من يثبت الصفة، لكن بمعاني سلبية. بمعاني سلبية، يثبت الصفة، لكن بمعاني سلبية. فيقول: نعم، الله عليم. وما معنى الله عليم؟ قال: بمعنى أنه لا يجهل. يثبت الصفة، لكن على شكل سلب، بأن صفة سلبية. يقول: بأن الله عليم، ومعنى الله عليم بأنه ماذا؟ لا يجهل. عنده أن الله قدير، بمعنى لا يعجز. لا يعجز. فيهربون من ماذا؟ الصفات الثبوتية، ويثبتون لله الصفات المنفية. طبعًا هل هذا إخواني يمدح؟ لا، هذا ليس مدح. والياب عندما ناقش بعض أئمة السنة المبتدعة في هذا الباب، فوجده بأنه يكرر هذه العبارة في مناظرته: وأن الله لا يجهل أحوال العباد، وأن الله لا يجهل من في السماوات والأرض. فقال له: لا يجهل. قال: وهل هذه الإسطوانة تجهل؟ أو بمعنى كلامه يعني. فذكر أو ذكر أمرًا آخر. ذكر أن الله عز وجل وصف خلقه من ملائكته، ومن أنبيائه، ومن رسله، وصفهم بالعلم. إذا كان هذا وصف خلقه، فكيف بالخالق سبحانه وتعالى؟ وأي صفة وهي القياس الأولوي تكون للمخلوق، فالله أولى أن يتصف بها. نأتي الآن إخواني في الله إلى الآيات التي أوردها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في مسألة صفة العلم. في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. فيها إثبات لإسم العليم. والقاعدة عند أهل السنة والجماعة: أن ما من إسم إلا ويشتق منه صفة، لا العكس. وليس كل صفة يشتق منها أسماء. فعندي هنا: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. إسم العليم يؤخذ منه صفة العلم. الحكيم يؤخذ منه صفة الحكم أو الإحكام. والآية الأخرى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾. بالمثل. قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. الآيات. وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ﴾. في إثبات لصفة العلم. لأن من دلالات صفة العلم الأفعال. من دلالات الصفات: أن تأتي على هيئة أفعال. فهنا: ﴿يَعْلَمُ﴾. فعل. فيستفاد منه صفة العلم. لأن الأفعال تشتق من مصادرها، والمصادر صفات. ﴿يَعْلَمُ﴾. علما. ﴿يَعْلَمُ﴾. علما. علم صفة. ولهذا من دلالات الصفات عند أهل السنة والجماعة: أنها تعرف عن طريق الأفعال. فهنا قال: ﴿يَعْلَمُ﴾. قال: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ﴾. وهنا ما اسم موصول. والأسماء الموصولة تفيد العموم. فكل شيء ما به يلج، يلج في الأرض. الولوج بمعنى الدخول. قال العلماء في وصفهم الولوج: هو الولوج في شيء مصمت، في شيء مغلق. هذا هو الولوج. لأن الدخول له صفات كثيرة. فهل كل دخول يسمى ولوج؟ لا. الدخول إلى شيء مصمت، أي مغلق، يسمى هذا ولوج. فقال سبحانه: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾. أي كل ما يلج، كل ما يدخل إلى الأرض، قد علمه الله عز وجل. فيشمل ذلك الحبوب والبذور، ويشمل ذلك المياه، ويشمل ذلك الحشرات التي في بواطن الأرض، المعادن. كل ما في جوف الأرض قد علمه الله. قال: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾. كذلك، ما اسم موصول، فيد العموم. أي ما يخرج من الأرض قد علمه الله عز وجل. فيشمل ذلك الزرع والنبات، والأجاج، والعيون الذي تنبع من الأرض. هذا كله قد علم الله جل وعلا به. قال: ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ﴾. هذا كذلك من علم الله عز وجل: أن الله علم بكل شيء ينزل من السماء. يشمل هذا الأمطار، يشمل هذا الثلوج، يشمل ذلك الصواعق، يشمل ذلك نزول الملائكة. ما من شيء ينزل إلا وقد علم الله جل وعلا به. قال: ﴿وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾. كذلك من علم الله عز وجل: ما يعرج إلى السماء. والعروج بمعنى الصعود. فكل شيء يصعد إلى السماء قد علم الله جل وعلا به. ويشمل ذلك الكائنات إن كانت تطير في السماء قد علم الله جل وعلا بها. ومثل ذلك الأعمال، أعمال العباد الذي تصعد إلى الله عز وجل قد علم الله سبحانه وتعالى بالذي يصعد إليه الملائكة، ثم تعرج إلى السماء قد علم الله عز وجل بعروجها. فكل ذلك من علم الله سبحانه وتعالى. ما يقف على الله شيء. قال رحمه الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. الآية. وهذه الآية كذلك فيها بيان لشمولية علم الله. وقد قال الإمام السعدي رحمه الله تعالى في تفسيره عند هذه الآية: قال: هذه الآية العظيمة من أعظم الآيات تفصيلًا لعلمه المحيط. وقول سبحانه وتعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾. دل على أن هذه المفاتيح من علوم الغيب اختص بها الرب سبحانه وتعالى، اختص بها الرب سبحانه وتعالى لقوله: ﴿وَعِنْدَهُ﴾. أي جعلها عنده. قال العلماء: فيه دلالة على القرب. فهذه المفاتيح الغيب، لا يعلمها أحد من خلق الله، لا الملائكة ولا الأنبياء. لأنها جوامع غيب. نعم، يعطي ربنا جل وعلا أنبيائه شيئًا من الغيب، من بعض التفاصيل. أما مفاتيح الغيب، فهي عند الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. واختلف العلماء: ما المقصود بمفاتيح الغيب هنا؟ على أقوال عدة. لكن أحسن ما يذكر في هذا الباب: ما جاء في صحيح البخاري، في تفسير النبي لهذه المفاتيح. فعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مفاتيح الغيب خمس". ثم قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. فهذا أحسن ما يفسر به قول ربنا عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾. فهذه المفاتيح الغيب الذي اختص بها الرب عز وجل: علم الساعة، لا أحد يعلم به. ولو تكهن من تكهن قديمًا وحديثًا بتحديد مواعيد لعلم الساعة، إذ أن تحديدهم باء بالفشل وفضحوا. فلا يمكن لأحد من البشر أن يتوصل لعلم الساعة، ولوقت قيام القيامة. ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾. قد يقول قائل: الآن في العصر الحديث، عندما يسمى الاستمطار الصناعي. الاستمطار الصناعي عبارة عن مواد ترسل في الجو عبر طائرات، تطرح في الجو، ثم بعد فترة سبحانه، هذا المجربون قالوا: تجتمع السماء، تجتمع، ثم تهطل الأمطار. يوجد هذا في بعض الدول الغربية، بل حتى في بعض الدول العربية يفعل. طيب، دعونا من المبالغة: أن هذا واقع. بعضهم يقول: هذا ما هو حاصل. بعضهم يقول: هذا أكثره فشل. لكن هي تجارب موجودة. تجارب موجودة، حتى بعضهم أدخل في باب الحروب: أن تفعل هذا في باب الحروب. الله أعلم بالتكهنات الناس. لكن نقول: لو وجد هذا الآن، هل هذا فيه معارضة لأن الله يعلم بنزول الغيث؟ وأصبح الناس يعلمون؟ أمطار يا شباب، قالوا: أمطار، يلا، طائرة، يلا فوق، يلا ساعتين، سننزل الأمطار بعد كم ساعة. هل هذا أصبح خروج عن علم الغيب؟ لا. مهما كانت فائدة عليه. جماعة من العلماء: أن الله عز وجل قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾. ما قال: ﴿وَيُنَزِّلُ الْمَطَرَ﴾. هل هناك فرق بين المطر والغيث؟ نعم، فيه فرق. الغيث ما يأتي إلا نافعًا للعباد. الغيث لا يأتي إلا نافعًا للعباد. اللهم أغثنا، اللهم أغثنا. أما المطر، أحيانًا يكون نافعًا، وحيانًا ماذا؟ ضارًا. بل أكثر ما يأتي الأمطار على وجه ماذا؟ على وجه العقوبة. فأمطرنا عليهم مطرًا، أي الرجوم. فإذا علمنا هذا الفرق، فنجد أن الآية هنا قالت: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾. من علم الله تنزيل الغيث. إذا ما المقصود بالغيث؟ هو المطر النافع للناس. إذا علموا مثلًا، إذا استسلمنا على هذه الظاهرة العبثية في الكون، والاستمطار الصناعي. فنقول: أنتم أنزلتم الأمطار. بقي السؤال: ليس الإشكال في نزول مطر. الإشكال: هل هذا المطر نافع أم لا؟ ربما تحط الأمطار، تحط، ما في فائدة. لم تسقي كائنات، ولم تنبت الأرض. بل ربما ضرت أكثر مما نفعت. أو تكون عبثًا. وربنا هنا قيد علمه في ماذا؟ في نزول الغيث، بين قوسين: المطر النافع. وهذا لا أحد يعلم إلا الله سبحانه وتعالى. قال: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. ما في البطون. قد يقول قائل: كيف يا أخي ما في الأرحام؟ والآن تذهب إلى الدكتورة بالسونار، يقول لك: والله ذكر، ولا أنثى. هذا متى كان ذكرًا، وأنثى؟ هذا بعد التكوين، بعد ما تكون. لكن قل لي: قبل أن تكون، ما هو؟ ما أحد يعلم. ما أحد يعلم ما في الأرحام إلا بعد تكون، خرج عن حيز الغيب، أصبح في حيز المشاهدة. هذا أمر، أمر آخر. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾. هذا المخلوق الذي في الرحم: شقي أم سعيد؟ عاقل والديه أم بار؟ هذا لا أحد يعلم. ما أحد يعلم. هذا مما اختص به الرب سبحانه وتعالى. ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾. قال سبحانه: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. إثبات لصفة العلم. لأن هنا: ﴿وَيَعْلَمُ﴾. فعل مضارع. والأفعال من دلالة الصفات. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. فكل ما في البر يعلمه الله، من البراري، ومن القفار، ومن الوديان، ومن السهول، ومن الجبال، ومن الكائنات، ومن الإنس، ومن البشر. من كل شيء. كل ما كان في البر فهو في علم الله يعلمه. قال: ﴿وَالْبَحْرِ﴾. كذلك. البحر، عالم واسع جدًا. حتى قيل: أنه أوسع من البر. البر استطعنا أن نعرف أكثر من أحواله، لما المشاهدة. لكن البحر، عالم ثاني، عوالم. بل هناك في البحار أعماق، إلى الآن ما استطاع البشر أن يصلوا إليها. عندنا ما يسمى بقمة إفرست، أعلى قمة في العالم. هذه القمة مثلها موجود في البحر. ومع ذلك، بعد هذه المسافة، مسافات ما استطاع البشر أن يصل إليها. القواصات الحديثة تتحطم لقوة الضغط فيها. وفيها عوالم، الله أعلم بها. لكن من يعلم بها؟ الله عز وجل. المخلوقات والكائنات في البحار يعلم بها الرب. يعلم بها الله عز وجل. ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾. قال: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾. ورقة نكرة في سياق النفي. وما تسقط من ورقة تعم جميع الأوراق. أوراق الأشجار، أوراق النباتات، أوراق المزارع، الحدائق، الغابات. الأوراق التي تكون في أجار البر، أو في أجار البحر. ما تسقط من ورقة إلا يعلمها سبحانه. علم عظيم، ليس هذا بمقدور البشر أبدًا. قال: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ﴾. حبة من الحبوب، من الحبوب، الثمار، والمزروعات، والزروع. هذه الحبوب في علمها عند الله، في باطن الأرض. ولا رطب ولا يابس. قال علماء: هذا العموم بعد تخصيص. لأن هذا: ﴿وَلَا حَبَّةٍ﴾. هذا العموم. ولا حبة في ظلمات الأرض، ذكر ربنا الحبة، ثم عمم. وبين هذا الحب قد يكون منه رطب، ومنه يابس، على كل أشكاله. هو في علم الله. ما كان رطبًا، وما كان يابسًا. قال: ﴿فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. وهو اللوح المحفوظ. وهو في كتاب مبين، أي اللوح المحفوظ، مبين، أي واضح، جلي. وتذكرون، وقد مر ذلك معنا: أن هذه الأسماء والصفات التي تثبت لله عز وجل، كما أنها تدل على ذات الله، وتدل على اتصاف الله، تدل على عظيم أثر هذه الصفات على خلق الله. هذا لها أثر عظيم على خلق الله، على الناس. فأنت عندما تستشعر بعظيم علم الله، وما هناك شيء يعزب عن علم الله. كيف يكون أثر هذا في نفسك؟ عظيم. تعرف بأن الله قد علم بكل شيء، ولو ما كان في مكنون قلبك، ولو كان في جوارحك، ولا يعلم به أحد، ولو من أقرب الناس إليك. لكن يعلم به الرب سبحانه وتعالى. هل هو أثره؟ فأسماء الله وصفاته لها أثر عظيم في حياة المسلم. قال: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾. إلا بعلمه. ما تحمل من أنثى، عموم أنثى، نكرة في سياق النفي، تعم كل أنثى. من الإنس، ومن الجن، ومن الحيوان. وما تحمل من أنثى، وما تحمل من أنثى، ولا تضع، أي ما في بطنها، إلا بعلم الله. علم الله عز وجل ما في الأرحام، من حيث متى، وكيف؟ كل ذلك بعلم الله. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. كل شيء قد أحاط الله به علمًا. قد علما، وادمر ذلك. شمولية علم الله، علما. شمولية الزمان والمكان، وما في الأكوان، وما كان من أفعال العباد. هذا إخواني في الله خلاص ما يذكر من صفة العلم، من خلال هذه الآيات التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى إلى هنا. والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وعلى آله وصحبه وسلم. وعلى آله وصحبه وسلم.