الدرس في شرح قرة عيون الموحدين 88، ألقاها
يناقش هذا الفصل تحريم كثرة الحلف بالله وعلاقته بضعف الإيمان والتوحيد، ويشدد على أهمية حفظ الأيمان وتكفيرها عند الحاجة استنادًا إلى القرآن الكريم.
يشرح هذا الفصل الأحاديث النبوية التي تنهى عن كثرة الحلف بغير حاجة وتحذر من العواقب السيئة له، مشيرًا إلى دلالتها على ضعف التوحيد والإيمان.
يتناول هذا الفصل شرح حديث النبي حول تدهور الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين وظهور صفات مذمومة مثل كثرة الحلف بالكذب والخيانة، ويحلل دلالتها على ضعف الإيمان.
يشرح هذا الفصل أهمية تمسك أهل السنة بالحق وتأثير كثرة البدع والأهواء على المجتمع، ويبرز أهمية تربية الأبناء على الدين منذ الصغر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادئ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب، عليهم رحمة الله تعالى جميعا، قال: قوله -أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب- باب ما جاء في كثرة الحلف. قوله، رحمه الله تعالى -أي قول إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله- باب ما جاء في كثرة الحلف، أي كثرة الحلف بالله جل وعلا، وذلك أن أصل الحلف بالله جل وعلا إنما شُرع تأكيدًا للأمر المحلوف عليه، وتعظيمًا للمحلوف به، وهو الله تبارك وتعالى. ولهذا وجب أن لا يُحلف إلا بالله، وكان الحلف بغير الله جل وعلا من الشرك بالله جل وعلا، لما فيه من معنى التعظيم للمحلوف به. ومن تمام التعظيم أن لا يحلف بالله إلا صادقًا، ومن تمام تعظيم الله جل وعلا أن لا يحلف الحالف بالله جل وعلا إلا صادقًا. ومن تمام هذا التعظيم أيضًا أن يحترم الحالف اسم ربه جل وعلا عن كثرة الحلف به، فالكذب وكثرة الحلف بالله جل وعلا تُنافي التعظيم الواجب الذي هو روح التوحيد. كثرة الحلف من العبد تدل على نقصان تعظيمه لله رب العالمين جل وعلا، ونقصان إيمانه، ونقصان توحيده. ولأجل هذا المعنى ذكر الشيخ، رحمه الله تعالى، هذا الباب ها هنا: باب ما جاء في كثرة الحلف، أي كثرة الحلف بالله جل وعلا، تدل على ضعف توحيد ذلك الحالف بالله جل وعلا. إن كان الحالف بالله جل وعلا صادقًا، يدل على ضعف توحيده وضعف إيمانه، إذ أنهم أكثر من الحلف بالله جل وعلا، ولو كان صادقًا، فكيف إذا كان الحالف بالله جل وعلا على شيء هو كذب؟ هذا يدل على ضعف تعظيم ذلك الحالف لله جل وعلا، وعلى شدة ضعف توحيده بالله جل وعلا. لأن الحالف إما أن يكون -أي كثرة الحلف- إما أن يكون لعدم المبالاة بالمحلوف به، فيصير الإنسان لسانه طليقًا على كل شيء، وعلى أي شيء يحلف بالله العظيم، يحلف بالله العظيم. وهذا يدل على ضعف تعظيمه للمحلوف به، وهو الرب جل وعلا. وقد يكون الحالف أو كثرة الحلف بالله جل وعلا لأمر هو كذب، ويعلم ذلك الحالف بأنه كذب، ومع هذا يحلف بالله جل وعلا كذبًا. وهذا أشد إثمًا، ويدل كذلك على شدة ضعف توحيد وإيمان وتعظيم ذلك الحالف لله رب العالمين جل وعلا. فيجب على المسلم الذي يؤمن بالله واليوم الآخر، وكم لا إيمانه وتوحيده، أن يحفظ أيمانه. لذا بعد أن ذكر الشيخ، رحمه الله تعالى، هذا الباب، ذكر قول الله جل وعلا: ﴿واحفظة أيمانكم﴾، أي أن يحفظها العبد، فلا يحلف إلا لما لا بد منه، لا يحلف العبد بالله رب العالمين جل وعلا إلا في شيء لا بد منه. وهذا من تمام التعظيم لله رب العالمين جل وعلا. أما إذا لم يكن لشيء، فلا يحلف بالله جل وعلا، بل يحفظ أيمانه، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾. وصيغة احفظ: فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فدل على أن الواجب على المسلم أن يحفظ أيمانه. والحفظ -كما سيأتي معنا- إما أن يكون عن كثرة الحلف، وإما أن يكون بأن لا يحلف به كاذبًا، وإما أن يكون بأن العبد إذا حلف بالله جل وعلا على شيء، ثم رأى غيره خيرًا منه، أن يكفر عن يمينه، ولا يترك الأيمان من غير كفارة. وهذا كذلك من حفظ الأيمان. وقوله، رحمه الله تعالى: باب ما جاء في كثرة الحلف، يدلنا كذلك على أن الإنسان كلما قوي إيمانه وتوحيده وتعظيمه لله جل وعلا، كلما أمسك عن الأيمان لغير حاجة، ولا يحلف بالله جل وعلا إلا لما لا بد منه. وقوله، رحمه الله تعالى: باب ما جاء في كثرة الحلف، المقصود بالحلف هاهنا، والأيمان هاهنا: الأيمان الذي عقد عليها القلب، الذي عقد عليها القلب، لا اللغو، لا اللغو، أي الأيمان التي عقد عليها القلب، فقالها من قالها، وهو يعتقد ذلك الأيمان، بخلاف اللغو: أن يقول أو أن يحلف الإنسان دون أن يقصد حقيقة الحلف. اللغو: أن يحلف الإنسان بالله جل وعلا دون أن يقصد حقيقة الأيمان والحلف، كأن يقول: لا والله، بلى والله، كما جاء ذلك مفسرًا عن جماعة من السلف، منهم عائشة، رضي الله عنها وأرضاها: أن يقول إنسان: لا والله، بلى والله. هاهنا لم يعقد القلب على ذلك الأيمان، ولم يقصد العبد حقيقة الأيمان، ولكنه أراد ماذا؟ أراد الكلام، أراد الكلام، أي: لا والله قد فعلت، بلى والله قد فعلت. هذا من اللغو. والمقصود هاهنا: بما جاء في كثرة الأيمان أو الحلف الذي يخدش في الأيمان، الذي يخدش في الإيمان والتوحيد، هو الحلف الذي عقد عليه الحلف القلب، وقصده بذلك الحلف. ومما تقدم كذلك تظهر مناسبة لطيفة من ذكر الشيخ، رحمه الله تعالى، لهذا الباب: باب ما جاء في كثرة الحلف، بعد الباب الذي قبل، وهو قوله: باب ما جاء في المصورين. وذلك أن البابين يشتركان في أن كل من المصور والمكثر من الحلف: ضعف التعظيم الواجب في قلبه لله رب العالمين جل وعلا. ضعف التعظيم الواجب لله رب العالمين جل وعلا في قلب المصور: فصور، وفي قلب الحالف: فحلف بالله جل وعلا. فهم يشتركون في ضعف التعظيم الواجب لله تبارك وتعالى، لكن الأول كان ترجمة ذلك الضعف بالفعل، أي بفعله للتصوير، والثاني كان ترجمة ذلك الضعف بالقول، أي بكثرة الحلف بالله رب العالمين تبارك وتعالى. فالكل يجمع معنى ضعف التعظيم الواجب لله رب العالمين تبارك وتعالى، فوقع منهم ما وقع. قال، رحمه الله تعالى: قوله: باب ما جاء في كثرة الحلف، أي من النهي عنه والوعيد. قال: وقول الله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾، قال ابن جرير: أي لا تتركوها بغير تكفير، أي لا تتركوها بغير تكفير، بمعنى أن الإنسان إذا حلف على شيء، ثم رأى غيره خيرًا منه، فأتى الذي هو خير، فيجب عليه أن يكفر عن يمينه، كما جاء ذلك عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مصرحًا، فقال، صلى الله عليه وسلم: «فإني لا أحلف على شيء فأرى غيره خيرًا منه إلا وأتي الذي هو خير، وأكفر عن يميني». جاء ذلك في الصحيحين عنه، صلى الله عليه وسلم، عن جماعة من الصحابة، رضي الله عنهم وأرضاهم، رووا هذا الحديث. قال: وذكر غيره -أي غير ابن جرير- عن ابن عباس، قال: يريد: لا تحلفوا، أي واحفظوا أيمانكم، فلا تحلفوا، تعظيمًا لله جل وعلا. ففيه نهي عن أصل الحلف لغير حاجة، فيه معنى النهي عن الحلف لغير حاجة، تعظيمًا لله رب العالمين جل وعلا. وأن كثرة الحلف بالله جل وعلا لغير حاجة يدل على ضعف التوحيد والإيمان. وهذا التفسير من ابن عباس، رضي الله عنه، موافق لما ذكره الشيخ، رحمه الله تعالى، في هذا الباب. قال: وقال آخرون: واحفظوا أيمانكم عن الحنث، فلا تحنثوا. وهذا كذلك فيه هذا المعنى، بمعنى أن الإنسان إذا حلف على شيء، فالواجب عليه أن يحفظ أيمانه عن الحنث. حلف أن لا يفعل شيئًا أو أن لا يقول شيئًا مما يكون تركه خيرًا من فعله، فيجب عليه أن يحفظ أيمانه، يجب عليه وينبغي له أن يحفظ أيمانه. فيدخل في قول الله جل وعلا: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾. قال الشارح، رحمه الله تعالى: والمعنى يعم القولين، أو قل الأقوال كلها. قال، رحمه الله تعالى: قوله: لأن القاعدة عند المفسرين: أن الآية إذا دلت أو فُسِّرت بأكثر من معنى، ولا تعارض بينها، وكلا المعاني التي فُسِّرت بها تلك الآية ممكن أن تُحمل عليها تلك الآية، فإنه يُحمل عليها جميعًا. والأمر ها هنا كذلك، إذ أن القرآن، الآية الواحدة أو الكلمة الواحدة، تدل على عدة معاني. ولأن المفسرين، رحمهم الله تعالى، ربما فسروا الآية بجزء معناها، أو بلازمها، أو ببعض معانيها، فيفسر هذا لمعنى، أو بمعنى، والآخر بمعنى، وهكذا. وتكون الآية تناول جميع تلك التفاسير. قال: قوله: عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «الحلف منفقة للسلعة، منحقة للكسب». أخرجاه -أي البخاري ومسلم- وأخرجه أبو داود والنسائي. قال: والمعنى: أنه قد يحلف على ثمن السلعة بزيادة على ما اشتريت به، أو سميت به، فيأخذها المشتري لظنه أنه صدق. وهذا وإن كان فيه زيادة، فهو يمحق البركة، كما جاء في الحديث: «الحلف، الحلف منفقة للسلعة، منحقة للكسب»، أي أنه يكون كسبًا لا بركة فيه، ممحوق البركة. قال: فهو يمحق البركة، كما جاء في الحديث، والواقع يشهد بصحته، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا العاصي، فعاقبتها إضلال وإحلال وذهاب. وهذا يبين لنا أن الخير لا يؤتى إلا بالخير، وأن الشر سبب لانقطاع ذلك الخير. النعمة لا تؤتى إلا بخير ونعمة، وحفاظ على تلك النعمة. أما من أراد أن يصل إلى نعمة ما بواسطة غير مشروعة، كانت تلك الفعلة سببًا لامتناع وصولها، بل وانقطاع وانقطاع أخواتها عن ذلك الطامع فيها، لأنهم أرادوا الوصول إليها بغير الطريق التي شرعت له. وقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة وغيره، من حديث أبي أمامة، رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس نفث في روعي أنها لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فأجمل في الطلب، فإن ما عند الله لا ينال بمعصية». وجاء في بعض رواياته: «لا ينال إلا بطاعته»، أو كما قال، صلى الله عليه وسلم. فالحاصل: أن الإنسان يسعى في تحصيل الرزق بالطرق المشروعة، فهي أعظم سبب لنيل النعمة والرزق، وللبركة في ذلك الرزق، والحفاظ على تلك النعمة. ولا يستعجل ولا يطمع بأن يسلك طريقًا غير مشروع للحصول على نعمة ما أو رزق ما، فيكون ذلك الطريق الذي سلكه سببًا لانقطاعه دون مراده. قال، رحمه الله: قال: قوله: عن سلمان، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته: لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه». رواه الطبراني بسند صحيح، وهو كما قال -أي سنده صحيح- صححه العلامة الألباني، رحمه الله تعالى، في الصحيحة. قال: وسلمان: لعله سلمان الفارسي، أبو عبد الله، أسلم مقدم النبي، صلى الله عليه وسلم، المدينة، وشهد الخندق، روى عنه أبو عثمان النهدي، وشرحبيل بن الصمت وغيرهما. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «سلمان منا أهل البيت». وهذا الحديث بهذا اللفظ مرفوع لم يثبت، ولكن ثبت موقوفًا عن علي، رضي الله عنه وأرضاه، قال: «إن الله يحب من أصحاب أربعة: عليًا، وأبا ذر، وسلمان، والمقداد». أخرجه الترمذي. وهذا حديث كذلك في ضعف. قال: توفي سلمان في خلافة عثمان -أي عثمان بن عفان- رضي الله عنهما. قال: ويحتمل أنه سلمان بن عامر، أنه سلمان بن عامر بن أوس الضبي. قال: قوله: «لا يكلمهم الله»، هذا وعيد شديد في حقهم، لأنه قد تواتر أنه يكلم أهل الإيمان، ويكلمونه في عرصات القيامة، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة أظهر شيء وأبيانه. وفي رد على الجامية والأشاعرة نفات الكلام. فقوله: «لا يكلمهم الله» دل على أن ذلك من العذاب، ودل ذلك على أن كلام الله جل وعلا: إثبات إثبات الكلام من الكمال، إثبات صفة الكلام من الكمال. وأن من كلمه الله جل وعلا فقد أكرمه الرب تبارك وتعالى، لأن قوله: «لا يكلمهم الله» يدل على ماذا؟ على نوع عذاب لهؤلاء، كما قال الله جل وعلا كذلك في الكفار: أنهم كذلك ماذا؟ أنهم لا يرونه، قال: ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. هذا في الرؤية، وما تقدم ذكره في الكلام، فدل على أن من النعيم أن يرى الرب جل وعلا يوم القيامة، وأن يكلم العبد كلام رضوان، والعكس بالعكس. قال، رحمه الله تعالى: قوله: «ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم». قال: هذا من تمام العقوبة عليهم، وفي هذا الوعيد الشديد ما يزجر منه، ما يزجر من له عقل عن هذه الأعمال السيئة ونحوها. قوله: «أشيمط زان»، صغره تحقيرًا له. وكما يذكر علماء المعاني، رحمهم الله تعالى، أن للتصغير معاني، منها التحقير أحيانًا، وللتلطف أحيانًا، يطلق للتحقير. يذكر بصيغة التصغير. قال: صغره تحقيرًا له، وذلك لأن داع المعصية ضعيفة في حقه، فدل على أن الحامل له على زنى محبته المعصية والفجور، وعدم خشيته لله، لأن رجل شيبة كبير السن، هل هو بحاجة إلى الشهوة الجبلية؟ ضعفت شهوته، فكونه ما زال في رغبة في فعل الفجور والفواحش، يدل على ماذا؟ يدل على فجوره وضعف خوفه من الله جل وعلا، لذا كان من أشد الناس عذابًا. قال: وكذلك «العائل المستكبر»، أي العائل: الإنسان الفقير، إنسان فقير، ومع هذا مستكبر. تخيل إنسان فقير، وكذلك ماذا؟ مستكبر. هل من دواعي الفقر: السكينة والضعف والذل؟ أم الاستكبار والعلو والتكبر والتجبر؟ فداعي التكبر والتجبر غير موجود في هذا الإنسان، لكن لما في قلبه من المرض، كان متكبرًا، فكان من أشد الناس عذابًا، واستحق هذا الوعيد الشديد. قال: وكذلك «العائل المستكبر»: ليس له ما يحمل على الكبر، فدل على أنه خلق له، فعظمت العقوبة في حقه، لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي. قال: قوله: «رجل جعل الله بضاعته»، بنصب الاسم الشريف، يعني اليمين بالله عز وجل، جعله بضاعة له، لكثرة استعماله. ما معنى هذا؟ معنىه: إذا اشترى شيء، إذا اشترى شيء، لا يشتريه إلا بماذا؟ بالحلف: والله أقسم بالله إني وجدته بأقل من هذا، وهو كذب. وإذا باع شيء، يقول: أقسم بالله أن قيمته كذا وكذا، كذب، من أجل ماذا؟ تمشي السلعة. سواء كان محقًا أو كان كاذبًا، لا يجوز له أن يجعل الله جل وعلا في بيعه وشرائه، لا يجوز له أن يفعل ذلك. وأشد إثمًا إن كان الحلف كذبًا، لأجل أن يروج بضاعته، كما هو حال كثير ممن رقى إيمانه وتوحيده. قال، رحمه الله تعالى: قوله: في الصحيح -أي الصحيح مسلم- وأخرجه أبو داود والترمذي، ورواه البخاري بفضه. قوله: عن عمران بن حسين، أي خيركم في قوله: «خير أمة قرن». قال: قوله: عن عمران بن حسين، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «خير أمة قرن، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرن مرتين أو ثلاثًا. ثم إن بعدكم قومًا: «يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن». قوله: «خير أمة قرن»، لكثرة الخير فيهم، وقلة الشر، وشدة الإنكار على من خالف الحق، وابتَدَع، كالخوارج والقدرية والجهمية ونحوهم، أي أن خير القرن: القرن الذي بُعث فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أي قرن الصحابة. وهذا الحديث وما كان في معناه: نص صريح جلي في الدلالة على أن خير هذه الأمة وأفضل هذه الأمة: هم أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم. وفي رد على الروافض الذين يزعمون أن شر هذه الأمة: صحابة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تعالى الله عن قولهم، وتقدس سبحانه وتعالى. قال، رحمه الله تعالى: ثم الذين يلونهم، فضلهم على من بعدهم، لظهور الإسلام فيهم، وكثرة العلم والعلماء. وأما القرن الثالث، فظهرت فيهم البدع، لكن أنكرها العلماء، وتصدى كثير منهم لإنكارها، والرد على من قالها، وهم كثيرون. بمعنى أن القرن الأول له الأفضلية المطلقة، ثم بعدهم القرن الثاني: قرن التابعين، ظهر الإسلام فيهم، وكثرة العلم والعلماء. وأما القرن الثالث، فظهرت فيهم البدع، لكن كانت ضعيفة وضئيلة، لقوة السلف، وقوة العلم والإيمان، لقوة العلم والإيمان في ذلك الزمن. ثم الذين يلونهم، كذلك كان هناك علم وإيمان، ونصح لله رب العالمين جل وعلا، ولدينه. وإن كان قد ظهرت في ذلك الزمن بعض البدع، لكن كان لها العلماء، رحمهم الله تعالى، بفضل الله رب العالمين جل وعلا، بالمرصاد. قال، رحمه الله تعالى: قوله: «فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا». قال: هذا شك من راوي الحديث: عمران بن حسين، أي أن عمران شك: هل قال ثلاثًا أم أربعًا؟ ثم ذكر ما وقع بعد الثلاثة، أي بعد الثلاثة القرون، من جفاف الدين، وكثرة الأهواء، فقال: «ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون»، لاستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تحريهم الصدق، وذلك لقلة دينهم، وضعف إسلامهم. هذا والشاهد من الحديث: لأن الشهادة تكون غالبًا مصحوبة بالأيمان، فكثرة شهادتهم تدل على كثرة ماذا؟ حلفهم بالله جل وعلا، والحلف هاهنا كذبًا، والعياذ بالله، لأنه جاء في الحديث على سبيل ماذا؟ على سبيل الذم. قوم «يشهدون ولا يستشهدون»: أن يشهدون دون أن يطلب منهم الشهادة، وهذا يدل على ماذا؟ على ضعف إيمانهم وتوحيدهم. قال، رحمه الله تعالى: وقد يقال: بأن قولهم، صلى الله عليه وسلم: «ثم إنا بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون»، قد يراد به الشهادة كما هو ظاهر الأمر، وقد يراد به الأيمان: أنهم يحلفون من غير أن يستحلفوا، يحلفون من غير أن يستحلفوا، لأن الشهادة أحيانًا تطلق، ويراد بها الأيمان، أحيانًا تطلق الشهادة، ويراد بها الأيمان، كما في قول الله جل وعلا: ﴿إذا جاءك المنافقون فقالوا نشهد إنك لرسول الله﴾، أشهد: نشهد إنك لرسول الله، والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، إن المنافقين لكاذبون. ذكر بعض أهل العلم: أن قولهم: نشهد إنك لرسوله، أن المراد منها الشهادة على ظاهر آية. وذكر بعضهم: أن المراد بها الأيمان، أي حلفوا بالله جل وعلا إنك لرسوله، حلفوا بالله جل وعلا إنك لرسوله. فالأمر ها هنا كذلك: محتمل أن يرادوا بالشهادة الشهادة، فتتضمن الإيمان، وقد يرادوا بها الأيمان أصلا ورأسًا. وعلى كلا المعنيين: يكونوا في إيراد هذا الحديث، أو هذه الفقرة، شاهدًا لتبويب الشيخ، رحمه الله تعالى: باب ما جاء في كثرة الحلف. قال، رحمه الله تعالى: قال: «أو من يشهدون ولا يستشهدون»، قال: استخفاف بأمر الشهادة، وعدم تحريهم الصدق، وذلك لقلة دينهم، وضعف إسلامهم. قوله: «ويخونون ولا يؤتمنون»، قال: يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم، أو أكثرهم. قال: «وينذرون ولا يوفون»، أي لا يؤدون ما وجب عليهم، فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف إسلامهم، وعدم إيمانهم، أي الإيمان الكامل، الإيمان الكامل يحمل على هذا المعنى، وعلى عدم إيمانهم، أي الإيمان الكامل، أو قل الإيمان الواجب، الإيمان الواجب الذي يمنع العبد من فعل ما نهاه الله جل وعلا عن فعله. أما نفي أصل الإيمان: فلا، نفي أصل الإيمان: فلا. ويدل عليه قوله، رحمه الله تعالى: قال: «فظهور هذه الأعمال الذميمة يدل على ضعف الإسلام»، ما قال: على ذهاب الإسلام، قال: يدل على ضعف الإسلام، فعندهم إسلام ضعيف، وعندهم كذلك إيمان ماذا؟ ضعيف. فقوله: «وعدم إيمانهم»، أي الإيمان الكامل، أو الإيمان الواجب، لا بد من هذا التأويل. قال، رحمه الله تعالى: قوله: «ويظهر فيهم السمن»، لرغبتهم في الدنيا وشهواتها، وقلة الإيمان باليوم الآخر. وفي حديث أنس: «لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم». قال: «أنا سمعته من نبيكم، صلى الله عليه وسلم». أخرجه البخاري. قال: فما زال الشر يزيد في الأمة، حتى ظهر الشرك والبدع في كثير منهم، حتى فيمن انتسب إلى العلم، ويتصدر للتعليم والتصنيف، أي ممن انشغل ببعض العلوم، وكان جاهلًا بعلم التوحيد. قال: فحدث التفرق والاختلاف في الدين، وحدث الغلو في أهل البيت، من بني بويه في المشرق، لما كان لهم دولة، وبنوا المساجد على القبور، وغالوا في أربابها. وظهرت دولة القرامطة، وظهر فيهم الكفر والإلحاد في شرائع الدين. والقرامطة مذهب معروف، كما ذكر: قرامطة من الباطنية، والباطنية -كما ذكر شيخ الإسلام- نقل شيخ الإسلام، رحمه الله تعالى، الإجماع: إجماع الأمة على أن الباطنية أكثر من اليهود والنصارى. نقل شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، على أن الباطنية أكثر من اليهود والنصارى. قال، رحمه الله تعالى: وظهر فيهم من البدع ما يطول عده، وكثر الاختلاف والخوض في أصول الدين. وما زال أهل السنة على الحق، كما جاء في الحديث، في قول النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم، حتى يأتي أمر الله، وهم على ذلك». قال: ولكن كثرت البدع والأهواء، حتى عاد المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير. قول وفيه عن ابن عباس، وفيه عن ابن مسعود: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «خير الناس قرن، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته». في هذا الحديث: أن خير القرون ثلاثة، من غير شك، أي في حديث ابن مسعود، بخلاف حديث عمران. قال: قول: «ثم يجيء قوم إلى آخره»، وذلك لضعف الإيمان، وهذا كذلك يؤكد ما تقدم ذكره من قوله، رحمه الله تعالى: «وعدم إيمانهم»، أي الإيمان الكامل الذي يستحق صاحب المدح. قال: وذلك لضعف الإيمان، والرغبة في الدنيا، وأخذها بالقلوب، وكثرة المعاصي والذنوب. قال: قوله: وقال إبراهيم: «كانوا يضربوننا -وذلك لضعف الإيمان- وكانوا يضربوننا على الشهادة والعهد، ونحن صغار». قال: هكذا حال السلف الصالح: محافظة منهم على الدين الذي أكرمهم الله تعالى به، فلا يتركون شيئًا مما يكره، إلا أنكروه. قال الشيخ: وفيه: تمرين الصغار على دينهم بالتعليم، يعني: تخيل إذا كان الآباء يربون الأبناء منذ صغرهم على حفظ الأيمان، وعلى كذلك حفظ العهد، كيف يكون الصغار إذا كبروا؟ يكونون أشد تحريًا وتحفظًا من ذلك. وهذا من حسن تربية السلف لأبنائهم. وفيه: تعليم لنا جميعًا في تربية الأبناء. نسأل الله جل وعلا أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى. والله تعالى أعلى وأعلم، صلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.