الدرس في شرح القصيدة الهائية 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ الآيات والأحاديث التي توضح حقيقة الدنيا الفانية وزينتها الزائلة، ويبين أن الله يضرب الأمثال ليتعظ الناس. يُوضح أن الدنيا مثل نبات الأرض الذي يزدهر ثم يذبل.
يشرح أهمية الأمثال في القرآن والسنة لبيان حقيقة الدنيا، ويذكر أمثلة مثل تشبيه الدنيا بالبعوضة والزهرة التي تذبل. يُظهر كيف استخدم السلف هذه الأمثال لتعليم الناس.
يبين حقيقة الدنيا وسرعة زوالها مستشهدا بالآيات والأحاديث التي تحذر من الاغترار بالدنيا. يحث على عدم التعلق بها وجعلها وسيلة للآخرة.
ينتهي بالتأكيد على نهاية الدنيا ويدعو الله أن يرزقنا الفقه في الدين والبصيرة في أمور الدنيا، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الناظم الشيخ العلامة حافظ الحكم، رحمه الله تعالى، في منظومته الهائية: لقد جاء في آي الحديد ويونس، وفي الكهف إيضاح بضرب مثالها، وفي آل عمران وسورة فاطر، وفي غافر قد جاء تبيان حالها، وفي سورة الأحقاف أعظم واعظ، وكم من حديث موجب لاعتزالها. قال الشيخ العلامة الشارح زيد المدخلي، حفظه الله تعالى: الآيات التي يشير إليها الناظم، رحمه الله تعالى، في هذه الأبيات الثلاثة، سأوضحها حسب ترتيبها في نظم الأبيات، وسأبين الغرض الأساسي الذي سيقت من أجله في نظمها القرآن. فإن وفقت، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإن قصر بي الفهم، فأستغفر الله. فالآية الأولى في سورة الحديد، ونصها: ﴿اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾. والآية الثانية في سورة يونس، ونصها: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وزينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون﴾. والآية الثالثة في سورة الكهف، ونصها: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا﴾. فإن هذه الآيات الثلاث، وما في معناها، تصور لنا بدقة ووضوح قصر هذه الحياة، إذ أنها كمثل نبات الأرض الناتج عن نزول الأمطار، فيزهر ذلكم النبات ويترعرع ويأخذ نصيبا وافرا من الزينة، وعما قريب يكون مصر ملتويا ثم حطاما متفتتا، تدروه الرياح يمنة ويسرة، كل ذلك في وقت قصير وزمن يسير. والآية الرابعة والخامسة في آل عمران، ونصهما: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور ولا يغرنكم تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾. والآية السادسة في سورة فاطر، ونصها: ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. والآية السابعة في سورة غافر، وهي إخباره تعالى عن نصيحة مؤمن آل فرعون، ونصها: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾. وأما الآية الثامنة في سورة الأحقاف، ونصها: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾. وهذه الآيات كالسابقات لها، فهي تبين لنا مقدار الحياة الدنيا وقصرها، وأن مصيرها إلى الفناء والزوال. وأما الأحاديث التي أشار إليها الناظم بقوله: «وكم من حديث موجب لاعتزالها»، فسأذكر نموذجا منها. عن أبي سعيد الخدري، رضي الله عنه، قال: «جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها» متفق عليه. وعنه أيضا، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء» رواه مسلم. وعن المستورد بن شداد، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم، فلينظر بما يرجع» رواه مسلم. وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مر بالسوق والناس كنفتيه، فمر بجد يأسك صغير الأذن، فتناوله فأخذه، ثم قال: «أيكم يحب هذا له بدرهم؟» فقالوا: «ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟» ثم قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: «والله لو كان حيا كان عيبا، إنه أسك، فكيف هو ميت؟» فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «فوالله، لالدنيا أهون على الله من هذا عليكم» رواه مسلم. وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أنه قال: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش» رواه البخاري. وعن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: «نام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله، لو اتخذنا لك موطئا؟ فقال: «ما لي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. فيجب على العاقل أن يزرع في دنياه صالح العمل، كي يجني أينع الثمر في دار الجزاء والبقاء، التي لا نهاية لها ولا انقطاع لنعيمها. ذكر الناظم، رحمه الله تعالى، في هذه الأبيات الأمثال التي ذكرت في الدنيا، والتي بين الله جل وعلا في كتابه الكريم حقيقة هذه الدنيا بهذه الأمثال. وهكذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في سنته المطهرة، قد ضرب أمثالا كثيرة في بيان حقيقة هذه الدنيا. وضرب الأمثال فيه فوائد، يحصل الاتعاظ بضرب الأمثال، ويحصل الفهم وتقريب الكلام. قد ذكر السعدي، رحمه الله تعالى، في مقدمة تفسيره فوائد ضرب الأمثال في القرآن، فذكر فوائد من ضرب الأمثال في القرآن، منها التقريب والفهم والاتعاظ والاعتبار. فأهل الإيمان يتعظون بهذه الأمثال وينتفعون بها إذا فهموها. ولذلك كان السلف، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله، إذا لم يفهموا هذه الأمثال يبكون، فيقولون: الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿تلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾. فإذا لم يفهموا هذه الأمثال بكوا، رضي الله تعالى عنهم ورحمهم الله تعالى. فالأمثال يحصل منها التفكر والاتعاظ، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله تلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون﴾. قال جل وعلا: ﴿يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون﴾. فبالأمثال يحصل التذكر ويحصل التفكر ويحصل كذلك الاتعاظ والاعتبار. ولذلك كثرت الأمثال في كتاب الله، وكثرت الأمثال في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى ضرب الله جل وعلا الأمثال بالذباب والعنكبوت وغيرها من مخلوقاته جل وعلا. فالكفار والمنافقون قالوا: ما بال الذباب والعنكبوت يذكر في كتاب الله جل وعلا؟ فأنزل الله جل وعلا قوله: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين﴾. فالأمثال ينتفع بها أهل الإيمان، ويعلمون أنها ما ضربت إلا لأجل غايات وأجل حكم اقتضتها حكمة الله سبحانه وتعالى. وهكذا سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، الأمثال فيها كثيرة. ضرب النبي عليه الصلاة والسلام الأمثال بالمنافقين، وضرب الأمثال بالعبادات مثل الصلوات الخمس، وضرب الأمثال بحال المنفق الذي ينفق المال. والغرض منها الافتعاض والاعتبار والعمل بموجب ما دعت إليه هذه الأمثال في كتاب الله أو في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولذلك كان من سبيل أهل العلم في دعوتهم إلى الله جل وعلا، وفي تأليفهم، أنهم يذكرون الأمثال للناس ليتعظوا وليتذكروا. فالمؤلف، رحمه الله تعالى، في منظومته ذكر أمثالا لهذه الحياة الدنيا، كما ذكرت في كتاب الله جل وعلا، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهكذا العلماء من بعده، مثل الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى، في نونيته، ضرب للدنيا أمثالا، منها ما استنبطه من كتاب الله، ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ومنها من خلال فهمه لحقائق الحياة الدنيا. فضرب للدنيا مثلا بالظل، وضرب للدنيا مثلا بالريح، وضرب مثلا للدنيا بالبرق الخاطف الذي يظهر ويلمع فجأة ثم يختفي. وهكذا ضرب أمثالا للدنيا بالزهرة التي في الربيع، فسرعان ما تنتهي وتحول وتدبل. وهكذا ضرب أمثالا كثيرة، رحمه الله تعالى عليه. وهكذا السلف، مثل الربيع بن أنس، وهكذا أبو العالية، رحمهما الله تعالى، عند قول الله جل وعلا: ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها﴾، مثلوا الدنيا بالبعوضة في سرعة انقضائها وفنائها. وقالوا: إن البعوضة إذا جاعت عاشت، وإذا سمنت ماتت. يعني هذه الدنيا، هذه حقيقتها. فالإنسان إذا ركن إليها وصار يأكل منها ويشرب نعم، وينمي هذا الجسم، وما همه إلا بطنه، كما يقال، فإنه يهلك ويفنى. لكن من كان جائعا فيها، غير ناظر إلى حطامها ولا إلى لذاتها، فإنه الذي يعيش في هذه الحياة الدنيا. فمن تبسط بها يهلك، والعياذ بالله، كما تهلك البعوضة التي إذا سمنت. وأما إذا جاع الإنسان فيها، والجوع المراد به الاستغناء عن هذه الدنيا، وعدم الركون إليها، وعدم الإكثار من لذاتها وشهواتها، فإنه يعيش كما تحيا وتعيش تلك البعوضة. وهذا كله يدلنا على حرص السلف على بيان حقارة هذه الدنيا، بمثل هذه الأمثلة التي تقرب الفهم والحقيقة لهذه الدنيا إلى الأذهان. فالمؤلف، رحمه الله تعالى، ذكر آيات في كتاب الله جل وعلا، في بيان الأمثال التي ضربت بهذه الدنيا، وأشار إلى الأحاديث. ثم الشارح، رحمه الله تعالى، ذكر شيئا من سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، التي فيها بيان شيء من الأمثال التي ضربها رسول الله عليه الصلاة والسلام في بيان حقيقة هذه الدنيا. فالآيات التي ذكر المؤلف، رحمه الله تعالى، كما شرح الشارح، رحمه الله تعالى، زيد المدخلي، حفظه الله، أنها كلها تبين أن هذه الدنيا زائلة فانية. قال: فإن هذه الآيات الثلاث، وما في معناها، تصور لنا بدقة ووضوح قصر هذه الحياة الدنيا، كمثل النبات الذي ينزل عليه المطر فينمو شيئا قليلا، فسرعان ما يضمحل وسرعان ما يذبل. يبدأ أخضر، ثم بعد ذلك يصفر، ثم تأتيه الرياح يمنة ويسرة، ثم يتحطم ذلك ويصير حطاما، والعياذ بالله. وقد انتهى وقد انقطع. ومثل هذا أيضا ما جاء في سورة الزمر، ولم يشِر المؤلف، رحمه الله تعالى، إلى هذه الآية، وفيها مثل ذلك. كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب﴾. وهكذا هي هذه الحياة الدنيا، كمثل هذه النبتة التي ينزل عليها المطر فتنمو فتخضر، سرعان ما تصفر وتدبل وتأتيها الرياح وتقطعها. وهكذا هي الحياة الدنيا. وذكر، رحمه الله تعالى، وحفظه الله تعالى، في آيات آل عمران، الآية الرابعة والخامسة، مثل هذه الحياة الدنيا، وأنها متاع. ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، في الآية الأخرى: ﴿ولا يغرنكم تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل﴾. فالدنيا متاع قليل، والدنيا متاع الغرور. وهذا يدل على حقارتها وعلى دناءتها عند الله جل وعلا. وما سميت الدنيا إلا لدناءتها. فهي دنيا دنيئة، وهي دنيا قصيرة وزائلة وفانية. والآية السادسة في سورة فاطر: ﴿يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾. أيضا في بيان أنها غرور، هذه الحياة الدنيا غرور. فلا يغتر بها إلا مغرور. أما الإنسان الذي عرف حقيقتها، فإنه لا يغتر بها. وهكذا الآية في سورة غافر، في نصيحة ذلك الناصح الأمين لقومه، وهو مؤمن آل فرعون، قال عنه ربنا جل وعلا، وهو يدعو قومه ويبين لهم حقيقة هذه الدنيا: ﴿يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾. هكذا هي نصائح الربانيين، وهكذا هي نصائح الصادقين في إيمانهم. فهي نصائح بعدم الاغترار بهذه الدنيا، ونصائح ببيان حقيقتها التي هي عليها، خلاف ما اغتر به المغترون حين رأوا زينتها وزخرفها، فضلوا بذلك وأضلوا، والعياذ بالله. وهذه الآية الثامنة في بيان سرعة انقضاء هذه الدنيا، وذهاب هذه الدنيا: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾. كأن هذه الدنيا ما هي إلا ساعة من نهار. ما أسرع الساعة التي تذهب. وقد جعل الله جل وعلا هذه الحياة الدنيا، كما قال الله جل وعلا عنها: ﴿إلا ساعة من نهار﴾. ومعنى ذلك أنها قصيرة فانية زائلة، لا تبقى: ﴿بلاغ فهل يهلك إلا القوم الفاسقون﴾. وقد ذكر الشارح، حفظه الله تعالى، الأحاديث التي ذكرها المؤلف، فأي أحاديث ذكرها، بيان حقارة الدنيا. منها حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، في أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف على هذه الأمة ما يفتح عليها من زهرة هذه الدنيا. وهذا من نصح النبي عليه الصلاة والسلام العظيم لأمته، فقد أدى وبلغ البلاغ المبين، ونصح عليه الصلاة والسلام النصيحة المبينة. فحذر من هذه الدنيا وما يفتح على الناس من زهرتها، لأنه يكون سببا في هلاك الناس، والعياذ بالله، إذا نظروا إلى ذلك وتمسكوا به وركنوا إليه. وهكذا الحديث الآخر في بيان أن هذه الدنيا حلوة وخضرة، وما هي إلا أمانة عند العباد. فالله جل وعلا استخلفنا في هذه الحياة الدنيا، جعلها على هذه الحلاوة، وجعلها على هذه الاخضرار، وجعلها على هذه الزينة، وجعلها أمانة عندنا. فنحن مستخلفون في هذه الحياة الدنيا، والله جل وعلا أمرنا بعبادته وعدم الركون إليها. فينظر الله جل وعلا كيف نعمل بهذه الدنيا، هل نركن إليها أو نجعلها طريقا للآخرة، ونجعلها في مرضاة الله جل وعلا. ولذلك حذر نبينا عليه الصلاة والسلام من هذه الدنيا: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء»، الذي هو أيضا شيء من زخرف هذه الدنيا. وحديث المستورد بن شداد، رضي الله عنه، كذلك، وفيه بيان مثل لهذه الدنيا، كمثل ما يجعل أحدنا إصبعه في اليم، إذا وضعه في البحر، فينظر بما يرجع. وأشار يحيى أحد الرواة إلى السبابة، يعني يجعل أحدنا سبابته في البحر، وينظر بما يرجع، أي لا شيء. وهذه حقيقة الدنيا كما بينها رسول الله عليه الصلاة والسلام. وحديث جابر بن عبد الله، كذلك، لما مر بالسوق والناس كنفتيه، يعني بجانبيه، ووجد جديا أسك، تناوله وقال: «من يأخذ هذا بدرهم؟» فقال له: «من يريده لا نريده، فهو به عيب، لو كان حيا كان عيبا، فكيف وهو ميت؟» فبين عليه الصلاة والسلام أن الدنيا أهون وأحقر عند الله من هذا عليكم. فقال عليه الصلاة والسلام: «فوالله، لالدنيا أهون على الله من هذا عليكم». وفي حديث ابن عباس، أنه عليه الصلاة والسلام مر بشاة ميتة قد ألقاها أهلها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «والذي نفسي بيده، للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها». شاة ميتة قد ماتت، رماها أهلها، فهل ينتفعون منها بشيء؟ هل يريدون منها شيئا بعد ذلك؟ فهكذا هي الدنيا، أهون عند الله من هوان هذه الشاة على أهلها. وفي حديث ابن الدرداء، أنه مر على سخلة ميتة، فقال: «ما لأهلها فيها حاجة؟» قالوا: «لا، يا رسول الله». قال: «لو كان لأهلها فيها حاجة ما نبذوها». فقال عليه الصلاة والسلام: «للدنيا أهون على الله من هذه على أهلها». وهذا كله يدلنا على حقارة هذه الدنيا وهوانها. فكيف يغتر بها مغتر، والعياذ بالله، ويركن إليها راكن، إلا من جهل حقيقتها. وحديث أبي هريرة، كذلك، في بيان أن من ركن إلى هذه الدنيا وإلى لذاتها وزخارفها، فإنه، والعياذ بالله، يصير فيها تعيسا شقيا. فقد دعا عليه الصلاة والسلام على أولئك الذين ركنوا إلى هذه الدنيا وجعلوها أكبر همهم: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش». ثم أثنى على من جعل الآخرة همه: «طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، إن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة». وهكذا ذكر الشارح، زيد المدخلي، حفظه الله تعالى، حتى حديث عبد الله بن مسعود، في بيان مثل الدنيا الذي ضربه النبي عليه الصلاة والسلام، كرجل استظل تحت شجرة، ثم ذهب وتركها. فهذه الأحاديث وغيرها كثير، يدلنا على حقارة هذه الدنيا. بل النبي عليه الصلاة والسلام مثل الدنيا بما يخرج من ابن آدم، لتعلم حقارة الدنيا. هذه الدنيا حقيقتها مثل ذلك الذي يخرج منك، حين تأكل الطعام والشراب ثم تخرجه. ذلك الخارج ضربه نبي عليه الصلاة والسلام مثلا للدنيا، كما في حديث أبي بن كعب، رضي الله تعالى عنه، في زوائد المسند. والحديث في صحيح المسند لشيخنا العلامة مقبل بن هادي الوادعي، رحمه الله تعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ضرب مطعم ابن آدم للدنيا مثلا، فليتظر ابن آدم ماذا يخرج؟ وإن قزحه وملحه، وإن قزحه وملحه، قد علم إلى ما يصير». طعامك تجعل له الحوائج، تجعل له التوابل، تجعل له كذا وكذا. لكن ما هي النهاية؟ وإن قزحته وإن ملحته، رجع إلى ذلك الحال. فهذه الدنيا وما فيها من قزح وملح وشهوات وزخارف، إنما مثل ذلك الطعام الذي قزحت وملحته، نهايته ذلك الذي تعلمه حين تخرجه. وهكذا هي نهاية هذه الدنيا. نسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في ديننا، وأن يبصرنا بحق هذه الدنيا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.