شرح القصيدة الهائية 6

الدرس في شرح القصيدة الهائية 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أقسام الناس في الدنيا والآخرة

الناس ينقسمون إلى قسمين في نظرهم للدنيا والآخرة، قسم يعمل لما ينفعه في الدنيا والآخرة وقسم آثر الدنيا. في الآخرة، ينقسمون إلى أهل التقوى والإحسان وأهل الشقاوة.

صفات الغرباء الصالحين وأجرهم

الغرباء الصالحون الذين أثنى الله عليهم في القرآن يتمتعون بصفة التقوى والإحسان، ويرثون الفردوس في الآخرة. هؤلاء لهم أجر عظيم عند الله.

أهمية الاستقامة والتحذير من الفتن

يجب على المسلم أن يستقيم على شرع الله ليحصل على الأجر العظيم، والابتعاد عن الدنيا والتمسك بالدين في زمن الفتن. الله يجزي الصالحين على عملهم الصالح.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. قال الناظم الشيخ العلامة العلم حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في منظومته الهائية: لقد نظر قوم بعين بصيرة إليها، فلم تغررهم باختيالها، أولئك أهل الله حقا وحزبه، لهم جنة الفردوس إرثا، ويا لها، وما لإليها آخرون لجهلهم، فلم نطمأنوا أرشقتهم نبالها، أولئك قوم آثروها فأعقبوا بها الخزية في الأخرى، وداقوا وبالها. قال الشارح العلامة الشيخ زيد المدخل حفظه الله: قال، هذه الأبيات الأربعة تبين لنا بإيضاح أقسام الخلق من حيث العمل والمصير، فالقسم الأول خلق من خلق الله سبقت لهم من الله الحسن وكتبت لهم السعادة، فأفقوا للتمييز بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشد، والضار والنافع، فاختاروا لأنفسهم أحسن الطرق، وارتضوا لها أقوم المناهج، فعملوا بطاعة الله على نور من الله يرجون ثواب الله، وتركوا معصية الله على برهان من الله يخافون عقاب الله، فهم العقلاء والغرباء الذين يصلحون إذا فسد الناس، ويصلحون ما أفسد الناس، وهم أولياء الله حقا الذين قال فيهم: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم». وهم حزب الرحمن صدقا الذين قال فيهم: «أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون»، وهم أهل الثبات والاستقامة الذين مدحهم ربهم بقوله: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياءكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم». وهم أهل الله وعباده الذين يمشون على الأرض هوناء، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما، والذين يقولون: «ربنا صرف عنا عذاب جهنم، إن عذابها كان غراما، إنها ساءت مستقرا ومقاما». قال: فهذه صفات القوم، وتلك أعمالهم، وجزاؤهم جنات تجري من تحتها الأنهار، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من الخلق، ولا يفوتنا أن نقول دائما: اللهم لا تحرمنا خير ما عندك، بشر ما عندنا من التقصير والإحسان. قالوا: أما القسم الثاني، فهم الذين كتب عليهم الشقاء في الأزل، ذلك لأنهم ليسوا للخير أهلا، ولا للصلاح موضعا، قوم لم يمتثلوا لله أمرا، ولم يجتنبوا له نهيا، ولم يقبلوا من أنبيائه ورسله توجيها ونصحا، قوم ضعفت عقولهم، وسفهت نفوسهم، فلم يميزوا بين حق وباطل، ولا بين ضار ونافع، يتجرؤون على المعاصي، ويتنكبون الطاعات، لأنهم آثروا الدنيا، وقدموها، وركنوا إليها، وعظموها، وغرتهم بزخرفها وجمالها، فانصاعوا إليها، وكرموها، فهم في غيهم يعمهون، وفي ريبهم يترددون، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ذكر الناظم الشيخ العلامة حافظ الحكمي رحمه الله في هذه الأبيات، وهكذا ذكر الشارح المدخل حفظه الله تعالى، أن هذه الأبيات تضمنت أقسام الناس في نظرهم في هذه الدنيا، وهم على قسمين: قسم نظر إلى هذه الدنيا بعين بصيرة، فلم تغررهم هذه الدنيا، فعرفوا حقيقتها، فعملوا لما ينفعهم فيها وفي الدار الأخرى، وهؤلاء الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى، وكتبت لهم السعادة منه جل وعلا، ذلك بتقواهم لله جل وعلا، فلما اتقوا الله جل وعلا، جعل الله جل وعلا لهم فرقانا، مصداق قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾، فجعلهم فرقانا فرقوا به بين الحق والباطل، وبين الضلال والهدى، وبين الغي والرشاد، وبين السنة والبدعة، وبين التوحيد والشرك، وبين الغث والسمين. فوفقهم الله جل وعلا لهذا الخير العظيم، هؤلاء الذين سبقت لهم من الله الحسنى، كما أثنى الله جل وعلا عليهم بقوله: «إن الذين سبقت لهم من الحسنى أولئك عنها مبعدون، لا يسمعون حسيسها، وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون، لا يحزنهم الفزع الأكبر، تتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون». هؤلاء الغرباء الذين أثنى الله جل وعلا عليهم في كتابه الكريم بقوله: ﴿فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين﴾، أثنى عليهم نبينا عليه الصلاة والسلام بقوله كما في مسلم عن أبي هريرة: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء»، قيل: من الغرباء يا رسول الله؟ قال: «هم الذين يصلحون ما أفسد الناس». وهكذا هم أهل التقوى، وهم أهل الثبات على دين الله جل وعلا، فهم أولياء الله جل وعلا حقا، كما قال الله جل وعلا عنهم في كتابه الكريم: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الذين آمنوا وكانوا يتقون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لا تبديل لكلمات الله، ذلك هو الفوز العظيم». وهم حزب الله الصدق الذين أثنى الله جل وعلا عليهم بقوله في كتابه الكريم: «لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون». هؤلاء هم الذين وفقهم الله جل وعلا على الاستقامة على شرعه والثبات على دينه، كما أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم مبينا أجرهم وثوابهم، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: «إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم، ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم». هكذا أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم لاستقامتهم ولثباتهم على دين الله جل وعلا، ولعدم اغترارهم بهذه الدنيا الفانية الزائلة، وهؤلاء كذلك هم الذين يرثون الفردوس يوم القيامة، كما وصفهم الله جل وعلا وأثنى عليهم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿فقد أفلح المؤمنون، الذين هم في صلاتهم خاشعون، والذين هم عن اللغو معرضون، والذين هم للزكاة فاعلون، والذين هم لفروجهم حافظون، إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين، فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون، والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون، والذين هم على صلواتهم يحافظون، أولئك هم الوارثون، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون﴾. يرثون الفردوس، تلك الجنة التي أعدها الله سبحانه وتعالى، التي فيها من النعيم العظيم ما لا يخطر على قلب بشر، ولا أذن به سمعت، ولا رأته عين، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه جل وعلا أنه قال: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: اقرأوا إن شئتم قول الله جل وعلا: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾. فهذه الجنات التي فيها من الألبان، وفيها من العسل، وفيها كذلك من النعيم العظيم، فيها من الحور العين، فيها من السرر، فيها من الأسرة، فيها كذلك من الخمر لذة للشاربين، فيها من النعيم العظيم، فيها من الثمار اليانعة المدللة، فيها كذلك من الظلال التي يتمتع بظلالها، فيها كل ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى. فهذا نعيم عظيم، وأعظم ذلك النعيم الرؤية إلى وجه الله الكريم في ذلك اليوم العظيم، الذي هو أعظم النعيم الذي يتحصل عليه أهل التقوى وأهل الإحسان، والذين جعلوا الدنيا طريقا للآخرة، هؤلاء الفطناء، هؤلاء أصحاب العقول السليمة، وأصحاب الفطر السليمة، وأصحاب الفطنة الذين وصفهم النووي رحمه الله تعالى بقوله: «إن لله عبادا فطناء، طلقوا الدنيا وخافوا الفتن، نظروا إليها فلما علموا أنها ليست لحي وطنا، جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا». هؤلاء الذين وفقهم الله سبحانه وتعالى، وأثنى عليهم الثناء العظيم في كتابه الكريم، وأثنى عليهم نبينا صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة ثناء عظيما عطرا. وأما القسم الثاني، فهم الذين كتبت عليهم الشقاوة في الأزل، وما ظلمهم الله سبحانه وتعالى، وإنما لأنهم قوم -والعياذ بالله- ليسوا للصلاح أهلا، وليسوا للخير أهلا، ولا للصلاح موضعا، قوم هم أهل تمرد، قوم هم أهل إعراض، قوم هم أهل زيغ، فأزاغ الله جل وعلا قلوبهم، مصداق قوله سبحانه وتعالى: ﴿فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم﴾، ومصداق قوله سبحانه وتعالى: ﴿ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾. فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولما أعرضوا عن الإيمان أول مرة، قلب الله جل وعلا أفئدتهم، قلب الله جل وعلا أبصارهم، فركنوا إلى هذه الدنيا -والعياذ بالله- واطمأنوا بها، وهؤلاء هم الذين ذمهم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بقوله جل وعلا: ﴿فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى﴾، هؤلاء الذين ذمهم الله جل وعلا بقوله: ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى﴾. هؤلاء الذين شغلوا بلذات هذه الدنيا وحطامها الفاني، فصاروا صرعى لهذه الدنيا، وكما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «لقد آثروا الدنيا ولذة عيشها الفاني على الجنات والرضوان، وركبوا وصحبوا الأماني وابتلوا بحظوظهم، ورضوا بكل مدلة وهوان». ورضوا بالمدلة، ورضوا بالهوان لأنهم ركنوا إلى هذه الدنيا -والعياذ بالله- وصحبوا الأماني -والعياذ بالله- فخرجوا من هذه الدنيا على خسارة عظيمة، لم يفيقوا من غفلتهم إلا بعد علمهم منقلبهم الذي انقلبوا إليه، لكن في وقت لا ينفع فيه الندم، فاتهم القطار، وفات الأوان، فلم تنفعهم الحسرات، ولا الندم منهم، لأنهم كانوا في غفلة في هذه الدنيا، فلما علموا منقلبهم الذي انقلبوا فيه تفكروا وظنوا، ولا ساعة مندم في ذلك الوقت. فاحذر يا عبد الله أن تكون من هؤلاء، وإنما عليك أن تكون من أهل القسم الأول، من أهل النظر السليم، ومن أهل النظر البصير، أصحاب النظر البصير بالعيون الباصرة لحقيقة هذه الدنيا، حتى لا تركن إليها، وحتى لا تغتر بزينتها، ولا بزخرفها، ولا بجمالها، فأنت إذا عرفت حقيقتها سلمت ونجوت من شرها ومكرها وكيدها، وإذا لم تعرف حقيقتها وقعت في حبالها وشباكها. فكن من هؤلاء الذين أثنى الله سبحانه وتعالى عليهم، الذين هم أهل القرآن، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «هم أهل الله وخاصته»، أهل الاستقامة على شرع الله، الغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس في هذه الأزمان، هؤلاء الذين هم القابضون على دينهم كالقابض على الجمر، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في حديث عتبة بن غزوان، وبمعناه من حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله تعالى عنه عند أهل السنن، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى عليه. قال عليه الصلاة والسلام: «إن من ورائكم أيام الصبر، للعامل فيها والمتمسك بدينه أجر خمسين منكم»، قالوا: يا رسول الله أو منهم؟ قال: «بل منكم»، وهذا لاشتداد الغربة في آخر الزمان، فكان هذا الأجر العظيم المترتب على هؤلاء. فكونوا من الغربية، عباد الله، ولا تقنطوا بكثرة من ركن إلى هذه الدنيا، وتمسك بحبالها، وصار يفتخر بها، ويعمل لأجلها، ويعاد لأجلها، وهي همه الشاغل في ليله ونهاره، كونوا عباد الله من أبناء الآخرة، كونوا من الغرباء، كونوا من القابضين على دينكم كالقابض على الجمر، لأن الفتن شديدة، عباد الله، وتشتد زمنا بعد زمن، ومن نجا نجاه الله جل وعلا، وفقه. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن نظر إلى هذه الدنيا بعين بصيرة، فعرف حقيقتها، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى من أهله وخاصته، ومن المستقيمين على شرعه، ومن الغرباء، ومن الذين يصلحون ما أفسد الناس، نعيش على ذلك، ونموت على ذلك، ونبعث مع الغرباء من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، والحمد لله رب العالمين.