الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 40، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح الشيخ محمد بن عبد الوهاب أن طلب المشركين للآيات يؤدي إلى عذاب الاستئصال، وهو هلاك الأمة كلها، لكن الله خير نبيه بالصبر. قبل نزول التوراة كان المكذبون يهلكون بعذاب الاستئصال، وبعدها أصبح العذاب جزئياً، وبعثة النبي محمد ﷺ خُتمت بعدم استئصال قومه بل عذاب بعضهم فقط.
يوضح المقطع أن الله لا يستأصل الكفار جميعاً بل يعذب بعضهم ويؤخر آخرين لحكمة إلهية، وهي أن عجزهم عن مقارعة المؤمنين وإذلالهم يدفعهم للإيمان. ويشير إلى أن عدم القدرة على المعصية يعد من عصمة الله للعبد، حيث يمنع النفس من التمادي في الكفر أو الذنوب عند عجزها عن تحقيق أغراضها.
يوضح المقطع أن الله قسّى قلب فرعون ليظهر آياته وينتشر ذكرها، فأيد موسى بآيات كقلب العصا حية وبياض اليد، وأيد عيسى بآيات أعظم كإحياء الموتى وشفاء الأكمه والأبرص. ومع ذلك كذبت الأمم السابقة الرسل ونسبوهم للسحر والجنون، فأنذرهم القرآن بقصص الهلاك كما في سورة القمر.
يعلن المحاضر انتهاء الجزء الحالي من الدرس مع الوعد باستكمال الباقي لاحقاً. يختم بالدعاء والشكر للمشاهدين على المتابعة.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتاب "مختصر سيرة الرسول" صلى الله عليه وسلم، وهو يتكلم على سؤال المشركين الآيات من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبين رحمه الله أن ما طلبوه من ظهور الآيات إذا وقعت فيلزم من ذلك أن يستأصلوا، فيقعون في عذاب الاستئصال، وهو أن يهلكوا جميعاً. فربنا سبحانه وتعالى خير نبيه، فاختار أن يصبر عليهم وأن يستأني بهم كما مر معنا. قال: وَلَمَّا طَلَبَ الْحَوَارِيُّونَ من المسيح المائدة، وما جاء في آخر سورة المائدة: ﴿ وَإِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ ﴾، فأنزل الله عز وجل عليهم هذه المائدة. قال: كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذاباً لم يعذب الله به أحداً من العالمين. وكان قبل نزول التوراة، والتوراة نزلت على من؟ على موسى. فقبل نزول التوراة على موسى يهلك المكذبون بالرسل، أي يهلك الله المكذبين بالرسل بعذاب الاستئصال عاجلاً، يعني إذا لم يؤمنوا عاجلاً، يعني لا يؤخرهم. وأظهر آيات كثيرة لما أرسل موسى ليبقى ذكرها في الأرض. إذ كان بعد نزول التوراة على موسى، لما نزلت هذا كان الهلاك قبل نزول التوراة، لكن إذ كان بعد نزول التوراة لم يهلك أمة بعذاب الاستئصال، لأنه سبحانه وتعالى لا يجيبهم على كل آية، وإنما عذاب الاستئصال يكون عندما يستجيب ربنا سبحانه وتعالى لأنبياء في نزول كل ما يطلبه المعارضون لهم. قال كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى ﴾، فقبل نزول التوراة أهلك ربنا عز وجل القرون الأولى. قال: بل كان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي، يعذب الله بعضهم ويبقي بعضهم، هذا بعد نزول التوراة، إذ كانوا لا يتفقون على الكفر، فموسى له أتبع، ولم يزل في الأرض منهم أمة باقية على الصلاح. قال تعالى: ﴿ وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ﴾، أي بني إسرائيل، جعلناهم أمماً، منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، إذن فيهم أمة قائمة بأمر الله وهم الصالحون. وقال: ﴿ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴾، الآيتين. وقال: وكان من حكمته تعالى ورحمته لما أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم المرسلين أن لا يهلك قومه بعذاب الاستئصال، وعرفنا ما معنى عذاب الاستئصال، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب، كالمستهزئين الذين قال الله فيهم: ﴿ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾، فمثلا في غزوة بدر قتل صناديد الكفر، وهذا من العذاب، وهكذا دع النبي عليه الصلاة والسلام على بعضهم فأصيب بما أصيب من الأدواء والأمراض فمات بها. قال: والذي دع عليه النبي صلى الله عليه وسلم من يسلط عليه كلب من كلابه فافترسه الأسد، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ ﴾، يعني معنى ذلك أن المشركين عذب بعضهم وأجل بعضهم، فلم يستأصل المشركون جميعاً. قال: فأخبر سبحانه أنه يعذب الكفار تارة بأيدي المؤمنين بالجهاد كما وقع في غزوة بدر وأحد وغيرها من الغزوات، والحدود كقتل الأسرى، وتارة بغير ذلك، فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم، يعني الحكمة في عدم استئصالهم أن المعاند منهم يعذب ويبقى ناس لا حيلة لهم إلا الإيمان لما يرون من الآيات، فيكون هذا التأجيل سبباً لإيمانهم. قال: كما جرى لقريش وغيرهم، فإنه لو أهلكهم لبادوا وانقطعت المنفعة بهم، ولم يبق لهم ذرية تؤمن، كما جاء أيضاً في حديث عائشة لما قالت للنبي عليه الصلاة والسلام: هل مر بك يوم كان أشد عليكم من يوم أحد؟ الحديث. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما كان ذهب مغموماً مهموماً، جاءه الملك ملك الجبال، وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال عليه الصلاة والسلام: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئاً»، والأمر كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، ففي فتح مكة دخل هؤلاء في دين الله أفواجاً، ونفع الله بهم، ونصر بهم الدين فيما بعد. فإن ذلك كما قال يوجب إيمانهم، كما جرى لقريش وغيرهم، فإنه لو أهلكهم لبادوا وانقطعت المنفعة بهم، ولم يبق لهم ذرية تؤمن، بخلاف ما عذبهم به من الإذلال والقهر، وذلك بالهزائم التي وقعوا فيها، وبالفتح الذي وقع كذلك في فتح مكة ونحو ذلك، فإن في ذلك ما يوجب عجزهم، فهم لا حيلة لهم، هزموا، فما أمامهم إلا الإيمان. قالوا: النفوس إذا كانت قادرة على كمال أغراضها فلا تكاد تنصرف عنها، يعني إذا هي قادرة على التمرد وعلى تحقيق كفرها وعنادها فلا تنصرف عن ذلك، بخلاف عجزها عنها، يعني إذا عجزت عما تريد من التسلط والكفر، وكذلك إذلال المسلمين ونحو ذلك، إذا عجزت عن هذا فإنه يدعوها إلى التوبة، لا حيلة لها ولا شيء أمامها إلا أن تتوب وأن ترجع، وأن كذلك تؤمن. قال: كما قيل: من العصمة ألا تقدر. وما معنى "من العصمة ألا تقدر"؟ يعني مما يعصم الله به العبد من الاستمرار مثلاً في الكفر أو في المعصية أو في الذنب أو نحو ذلك أنه لا يقدر عليه، فهذا من العصمة. فأحياناً النفس ربما تدعوك إلى معصية، إلى الوصول إلى امرأة أو إلى سرقة أو إلى نحو ذلك، لكنك لا تقدر، فعدم القدرة هذه من عصمة الله عز وجل لك، وإلا لو كنت تقدر لربما وقعت في ذلك، ربما وقعت في ذلك، فيقال: من العصمة ألا تقدر. ولهذا آمن عامتهم، عامت هؤلاء آمنوا، وذلك لما عجزوا عن مقارعة المسلمين. قال: وقد ذكر الله في التوراة لموسى، يعني مما جاء في التوراة: «إني أقسي قلب فرعون فلا يؤمن بك لتظهر آياتي وعجائبي»، بين أن في ذلك من الحكم انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض، إذ كان موسى أخبر بتكليم الله، يعني أن الله كلمه، وبكتابة التوراة له، فأظهر له من الآيات ما يبقى ذكره في الأرض، يعني يبقى هذا بين الناس، وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب هلاكه وهلاك قومه، وهلاك قومه لأن فرعون بعدما أوحى الله عز وجل إلى موسى وأنزل إليه التوراة أرسله إلى فرعون، فلم يكن هلاك بني إسرائيل هلاك استئصال كما تقدم، وإنما هو هلاك بعض المعاندين، ومنهم فرعون ومن تبعه، وآمنت مجموعة من بني إسرائيل بموسى عليه السلام، ومنهم السحرة. قال: وفرعون كان جاحداً للصانع، يعني جاحداً لله عز وجل، ولو قال الخالق لكان أولى. قال: فلذلك أوتي موسى من الآيات ما يناسب حاله، فما هي الآيات التي أرسلت إلى فرعون؟ انقلاب العصا إلى حية تسعى، هذا فيه من عجائب خلق الله سبحانه وتعالى، وأن الله هو الخالق سبحانه وتعالى، وكذلك خروج اليد من الجيب بيضاء لم يمسسها سوء من قبل، فهذه أيضاً آية أخرى. قال: وأما بنو إسرائيل مع المسيح، يعني مع عيسى، فكانوا مقرين بالكتاب الأول، يعني بالتوراة، فلم يحتاجوا إلى مثل محتاج إليه موسى، يعني من الآيات، ولم يكن محتاجاً إلى جنس تقرير النبوة لأن بني إسرائيل قد بعث إليهم نبي، إذ كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك، وإنما الحاجة إلى تثبيت نبوته، يعني نبوة عيسى، ومع هذا فقد أظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم، فهو يحيي الموتى بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، فهذه آيات أيضاً عظيمة، أيد الله بها نبيه عيسى عليه السلام. قال: ومع هذا لم يأتِ بآيات الاستئصال، بل بين الله في القرآن أنها لا تنفعهم بل تضرهم، لأنه علم أن قلوبهم كقلوب الأولين، فلو أنزل عليهم آيات الاستئصال فلم يؤمنوا كمن سبقهم، والله أعلم بخلقه، ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾. كما قال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ﴾، كأن كل هؤلاء تواصوا على شيء واحد وهو تكذيب الرسل ونسبة السحر والجنون إليهم. وقال تعالى: ﴿ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾، الذين قبلهم يقولون مثل قول من بعدهم، كأنهم يعني اتفقوا على ذلك. وقال تعالى: ﴿ أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ ﴾، فكلهم في كفر وعناد ورد للآيات. قال: وسورة "اقتربت" التي ذكر فيها انشقاق القمر، وعرض آيات، وقوله: ﴿ سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾، وقال فيها: ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجِرٌ ﴾، أي يزجرهم عن الكفر زجراً شديداً، إذ كان في تلك الأنباء صدق الرسول والإنذار بالعذاب الذي وقع بالمتقدمين. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في الدرس. قال: إلهنا شكراً للمشاهدة.