الدرس في شرح تعجيل الندى بشرح قطر الندى 68، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع قاعدة «كل أمة معافى إلا المجاهرون» مبيناً إعراب «المجاهرون» مبتدأ وخبراً محذوفاً. ثم يفصل في أحكام الاستثناء بـ «إلا» عند بني تميم والحجازيين مرجحاً البدل في المتصل والنصب في المنقطع عند التميميين، ووجوب النصب في المنقطع عند الحجازيين مع الاستشهاد بالآيات القرآنية.
يُعرب المستثنى بـ «إلا» نصباً على الاستثناء في الأغلب بشرطين هما تمام الكلام وخلوه من النفي أو النهي أو الاستفهام. ويسري هذا الحكم على المتصل والمنقطع، أما في الكلام المنفي فيجوز في المتصل النصب أو إتباع المستثنى منه إعراباً على البدل.
يبين المقطع الفرق في إعراب المستثنى بين المتصل الذي يجوز فيه الرفع على البدل والنصب على الاستثناء، والمنقطع الذي يجب فيه النصب عند الحجازيين. ويوضح أنه إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه في الكلام التام غير الموجب وجب النصب وامتنع البدل في الحالتين.
يوضح المقطع أن الأصل في التابع التأخر عن المتبوع وعدم جواز تقديمه عليه أو قلب الترتيب. ولما امتنع تقديم التابع أوجب النحويون نصب التابع علامة على تبعيته للمتبوع.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، جاء حديث: «كل أمة معافى إلا المجاهرون». هذه الرواية المشهورة: «إلا المجاهرون». فيقال: «المجاهرون» مبتدأ لخبر جملة محذوفة، والتقدير: «إلا المجاهرون غير معافين». هكذا يكون التقدير: «غير معافين». فالأصل أن ما بعد «إلا» يكون مجرورا منصوبا إذا كان الكلام تاما. «مجاهرون» فما جاء مرفوعا فليس هو من باب الاستثناء، وإنما هو من باب المبتدأ والخبر، فيكون ما بعد «إلا» مبتدأ وخبر. نعم، فتكون الجملة كلها مستثناة، وليس الاسم هو المستثنى، وليس الاسم هو المستثنى. والآية واضحة: ﴿فشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، فقليلا هنا مستثنى بـ «إلا» منصوب، علامة نصبه الفتحة، لأن الكلام تام موجب. فقليلا مستثنى من الواو، مستثنى من الواو، الضمير في «شربوا». وقوله: «فإن فقد الإيجاب ترجح البدل في المتصل والنصب في المنقطع عند بني تميم، ووجب عند الحجازيين». يعني هنا إذا كان الكلام نعم تام، لكنه غير موجب، يعني منفي، لكنه تام، المستثنى منه موجود، فهنا يجوز فيه الوجهان عند بني تميم، فيجوز البدل ويجوز كذلك النصب على الاستثناء. فقولك مثلا: «ما جاء القوم إلا زيدا» يجوز «إلا زيدا» و«إلا زيد»، هذا عند بني تميم. والراجح عندهم ماذا؟ فيه تفصيل. والراجح عندهم فيه تفصيل. ما هو هذا التفصيل؟ التفصيل فيما إذا كان الاستثناء متصلا أو منقطعا. والمتصل: الاستثناء المتصل هو الذي يكون فيه المستثنى من جنس المستثنى منه، مثل الأمثلة التي ذكرناها: «جاء القوم إلا زيدا» أو «زيد». زيد من جنس القوم. لكن لو قلت: «جاء القوم إلا حمارا»، الحمار ليس... وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس﴾، لأن إبليس ليس من الملائكة، فهذا استثناء منقطع. لكن هنا ليس منفي، لكن الشاهد... الشاهد أن هناك من الاستثناء ما يكون منقطعا. أو ما تقول مثلا: «جاء الطلاب إلا سيارة» أو «إلا السيارة»، فالسيارة ليست من جنس الطلاب، فهنا يكون الاستثناء ماذا؟ منقطعا. يكون الاستثناء منقطعا. فهنا يقول: «فإن فقد الإيجاب ترجح البدل في المتصل» هذا عند بني تميم، «والنصب في المنقطع». فمثلا لو قلنا: «جاء القوم إلا زيدا»، هذا استثناء متصل، فعند بني تميم هنا يترجح البدل، فيترجح أن تقول: «جاء القوم إلا زيد»، لأن الاستثناء هنا ماذا؟ متصل. فبني تميم يرجحون البدل، والنصب يجعلونه مرجوحا. هذا في المتصل. وأما في المنقطع، مثل: «جاء القوم إلا حمارا»، هذا منقطع، فبني تميم يرجحون النصب، فيقولون: «جاء القوم إلا حمارا»، «إلا حمارا» بالنصب. واضح هذا الآن. وأما عند الحجازيين، في المنقطع فإنه يجب النصب، فيقولون: «جاء القوم إلا حمارا»، يجبون النصب، ولا يجعلون هناك قول مرجوح وهو البدل. هذا خلاصة ما ذكره. وذكر الآية فيها دليل على الاستثناء المنقطع: ﴿وقلوا ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾، فاتباع الظن هنا ليس من العلم، الظن ليس من العلم، فهو ماذا؟ استثناء منقطع، لأن المستثنى خالف المستثنى منه. فهنا عند التميمييين يجوز ماذا؟ يجوز البدل: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع﴾، يقولون تمام. لكن عند الحجازيين لا، يجب هنا ماذا؟ النصب. ولذلك قرأ السبعة بالنصب، لأن القرآن نزل على لغة الحجازيين. فهنا «اتباع» جاء بالنصب. واضح. مع أن الاستثناء ليس موجب، وهو منقطع. واضح هذا الآن. قال الشارح حفظه الله: «قول: والمستثنى الظاهر أنه معطوف على التمييز، وعبر المصنف رحمه الله بالمستثنى لأنه هو الذي من المنصوبات، فهو أولى في التعبير بالاستثناء لأنه يحتاج للتأويل، لأنه مصدر بمعنى اسم المفعول». يعني يحتاج إلى التأويل بمعنى أنه لا يشمل على المستثنى المنصوب وإنما يشمل على كل ما يتركب منه الاستثناء من المستثنى والمستثنى منه. قال: «والمستثنى هو الاسم المذكور بعد «إلا» أو إحدى أخواتها، مخالفا في الحكم لما قبلها». فإذا قلت: «جاء القوم إلا زيدا»، فزيدا خالف الحكم فيما قبله، فهو نقيض ما قبله. القوم جاء، وزيد لم يأت. واضح. فخالفهم في الحكم، وهو حكم المجيء، وهو حكم المجيء. قال: «نحو: حضر الأصدقاء إلا عليا، فعلي مستثنى، والأصدقاء مستثنى منه، وهو المحكوم عليه بالحضور». يعني الأصدقاء: حضر الأصدقاء، أما علي فلم يثبت له هذا الحكم الذي ثبت لبقية الأصدقاء. فإذا زيد أو علي لم يحضر، أما فهو مستثنى منهم، مخالف لهم في الحكم. وأما حكم المستثنى من حيث الإعراب ففيه تفصيل. وهنا: «فإذا إذا وجدت إسما مفردا بعد «حيث» فارفعه ولا تجره، لماذا؟ لأن «حيث» اسم مكان لا يضاف إلا إلى الجمل، لا يضاف إلى المفرد. فإذا كسرت ما بعده أضفته للمفرد. طيب، فقل: «من حيث الإعراب» وليس «من حيث الإعراب». هذا يلحن فيه كثير من القراء. قال: ﴿وَأَمَّا حُكْمُ الْمُسْتَثْنَى مِنْ حَيْثُ الْإِعْرَابِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ﴾. فالمستثنى بـ «إلا» يجب نصبه على الاستثناء في الأغلب، بشرطين. وقوله «في الأغلب» كما تقدم: قد يأتي أحيانا ما بعده مرفوعا، فقلنا: هذا ليس من باب الاستثناء. قال: «الأول: يعني شرط المستثنى بـ «إلا» أن يكون الكلام تاما، وهو أن يكون المستثنى منه مذكورا. الثاني: أن يكون الكلام موجبا، وهو أن يكون خاليا من نفي أو نهي أو استفهام. ولا فرق في ذلك بين الاستثناء المتصل، وهو أن يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه، والمنقطع، وهو أن لا يكون المستثنى بعضا من المستثنى منه. هذا في الكلام التام الموجب، لا يفصل فيه بين المتصل والمنفصل، أو المنقطع، لا يفصل فيه. بخلاف التام غير موجب، فإنه يفصل فيه». قال: «مثال المتصل: قرأت الكتاب إلا صفحة، فالصفحة جزء من الكتاب، فهي من جنسه، فصفحة مستثنى منصوب بالفتحة، والكلام تام موجب، وهو متصل. ومنه قوله تعالى: ﴿فاشربوا منه إلا قليلا منهم﴾، فقليلا مستثنى بـ «إلا» منصوب بالفتحة. ومثال المنقطع: جاء القوم إلا سيارة، فسيارة مستثنى منصوب، وهو منقطع لأنه ليس بعضا مما قبله، ومع هذا يجب نصبه لأنه لا يفصل في التام الموجب بين المنقطع والمتصل. فإن فقد الشرط الأول وهو التمام، فسيأتي حكمه إن شاء الله، وهو ما يسمى بالاستثناء المفرغ. إذا لم يوجد المستثنى منه، مثل: «ما جاء إلا زيد». ولا بد في الاستثناء المفرغ أن يكون منفيا، أن يكون منفيا. هذا سيأتي معنا. فإذا فقد الشرط الأول وهو ماذا؟ وهو نعم، وهو عدم التمام، فسيأتي حكمه إن شاء الله. قال: «وإن فقد الثاني وهو الإيجاب، أن اشتغل الكلام على نفي أو شبهه، فلا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون الاستثناء متصلا، فيجوز فيه وجهان: الأول نصبه على الاستثناء، والثاني إعرابه بإعراب المستثنى منه على أنه بدل منه، يعني يتبع المستثنى منه. هذا معنى قوله: «إعرابه بإعراب المستثنى منه» لأنه بدل، بدل بعض من كل، للمشاكلة في الإعراب. تقول: «لا تعجبني الكتب إلا النافع» و«إلا النافعة» بنصب النافع على الاستثناء، «إلا النافعة» أو رفعه على أنه بدل من الكتب: «إلا النافع». يجوز هذا وهذا. ومنه قوله تعالى: ﴿ما فعلوه إلا قليلا منهم﴾، فقرأ السبعة إلا ابن عامر برفع «قليل» على أنه بدل من الواو في قوله تعالى: ﴿ما فعلوه﴾، أما ابن عامر فقد قرأ بالنصب على الاستثناء، لأنه يجوز هذا وهذا. فهما قراءتان سبعيتان. هذا إذا كان الكلام ماذا؟ تام غير موجب ومتصل، فهو يجوز فيه الوجهان عند التميمييين وعند كذلك الحجازيين. قال: «ولم يصرح المصنف رحمه الله بالنصب وهو الوجه الأول، لكنه لما قال: «ترجح البدل» علم منه جواز النصب، لكن الإتباع على أنه بدل أرجح». يعني في المتن ما ذكر النصب، لكنه عرف من قوله: «ترجح» إذن هناك في مرجوح، ما هو المرجوح؟ هو النصب. قال: «الحالة الثانية: أن يكون الاستثناء منقطعا، فيجب النصب على الاستثناء عند الحجازيين كما تقدم، وهي لغة القرآن. نحو: «ما حضر القوم إلا فرسا»، فالفرس ليس من القوم، بنصب «فرسا» على الاستثناء. ومنه قوله تعالى: ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن﴾، «اتباع» فقد قرأ السبعة بالنصب على الاستثناء، وهو الاستثناء منقطع على قول الجمهور، لأن اتباع الظن ليس بعضا من العلم، فالظن ليس هو العلم. قال: «وجوز عن بني تميم اتباعه لما قبله في إعرابه، فتقول: «ما حضر القوم إلا فرس» برفع، لأنه بدل من القوم، وبدل المرفوع مرفوع، والنصب عندهم أرجح». وهذا واضح. قال: «وقول المصنف: «والنصب في المنقطع» معطوف على ما تقدم، والتقدير: «وترجح النصب» هذا في المتن. قال: «ماذا في المتن؟ قال: «والنصب في المنقطع» هذا معطوف على ماذا؟ على ما تقدم، والتقدير: «وترجح النصب»، لأنه قال: «ترجح البدل في المتصل، وترجح النصب في المنقطع». هذا هو التقدير. هذا في المتنة. قال: «قوله: «ما لم يتقدم فيهما فالنصب» نحو قوله... يعني قوله هنا: «ما لم يتقدم فيهما فالنصب»، يعني إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه. إذا كان الكلام تام وغير موجب، هنا وجب النصب وامتنع البدل، لأنه تقدم. معنى أن التام غير موجب يجوز فيه الأمران، لكن إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه لا يجوز الوجهان، يجوز وجه واحد وهو النصب. هذا معنى كلامي: «ما لم يتقدم فيهما فالنصب». نحو قوله: ﴿وما لي إلا آل أحمد شيعة﴾، ﴿وما لي إلا مذهب الحق مذهب﴾. فهنا التقدير: ﴿وما لي شيعة إلا آل أحمد﴾، فهنا قدم المستثنى وهو آل... وأخر المستثنى منه «وشيعة». ومثله العجز قال: ﴿وما لي إلا مذهب الحق مذهب﴾، والتقدير: ﴿وما لي مذهب إلا مذهب الحق﴾. فهمتم هذا الآن؟ فهنا قدم ماذا؟ قدم المستثنى على المستثنى منه، فهنا وجب ماذا؟ هنا وجب النصب، وجب هنا النصب، ولا يجوز البدل. قال: «إذا تقدم المستثنى على المستثنى منه فيهما، أي في المتصل والمنقطع، في كليهما، إذا كان الكلام تاما غير موجب، وجب النصب وامتنع الإبدال. نحو: «ما حضر إلا عليا الضيوف»، والتقدير: «ما حضر الضيوف إلا عليا». فهنا المستثنى منه وهو الضيوف أخر، والمستثنى وهو علي قدم، فوجب هنا النصب، ولا يجوز أن تقول: «ما حضر إلا علي الضيوف». فهمتم هذا الآن؟ مثل ما ورد في البيت: ﴿وما قدم إلا فرسا القوم﴾، يعني: ﴿وما قدم القوم إلا فرسا﴾، هكذا التقدير. لكن لما قدم المستثنى هنا وجب ماذا؟ وجب النصب. عندك شيء؟ رفعت يدك؟ قال: «ومنه قول الشاعر: وما لي إلا آل أحمد شيعة وما لي إلا مذهب الحق مذهب فقد نصب الشاعر المستثنى في الموضعين لأنه مقدم على المستثنى منه، والأصل: ﴿وما لي شيعة إلا آل أحمد﴾، ﴿وما لي مذهب إلا مذهب الحق﴾. قال: «وإنما امتنع إعرابه بدلا لأنه لو رفع على البدلية لزم منه تقدم التابع على... كما في المثال على المتبوع «الضيوف»، أو يتغير الحال فيصير التابع متبوعا، وكلاهما ممنوع. يعني الأصل في التابع أن يكون بعد المتبوع، ما يقع قبل المتبوع، التابع يكون بعد المتبوع، ما يكون قبله. وهذا ممتنع، فلما امتنع هذا أوجبوا ماذا؟ أوجبوا النصب». طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر