شرح مختصر سيرة الرسول  14

شرح مختصر سيرة الرسول 14

الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 14، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

قصة بقايا بني حنيفة واستتابتهم عند عبد الله بن مسعود

بعد رجوع بقايا بني حنيفة للإسلام واستقرارهم بالكوفة، سمع منهم مدح مسيلمة الكذاب دون إنكار، فرفع الأمر لعبد الله بن مسعود الذي استشار الصحابة وأمر بقتل الزعماء واستتابة العامة. نُفذ الحكم ليُبين خطورة إظهار الإسلام مع إخفاء الكفر.

حكم من أظهر الإسلام وأخفى الكفر وموقف الصحابة من نواقض لا إله إلا الله

يُبين المقطع أن بني حنيفة هاجروا وصلوا لكنهم أخفوا مدح مسيلمة، فحكم الصحابة بكفر المتكلم والساكت على حد سواء. وينتقد القول بمجرد النطق بالشهادتين كافٍ للإسلام مع وجود النواقض، مستدلاً بآيات تصف المعرضين بأنهم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.

قصة الغلاة في علي بن أبي طالب وحكم حرقهم بالنار وموقف الصحابة

يروي قصة من اعتقدوا الألوهية في علي بن أبي طالب، فدعاهم للتوبة فأبوا فأحرقهم بالنار، وأقر الصحابة كفرهم لكنهم أنكروا الحرق استدلالاً بحديث «لا يعذب بالنار إلا رب النار». ويوضح أن هؤلاء أغلظ كفراً من أهل الكتاب لادعائهم الألوهية في بشر، مما يبرز نواقض شهادة «لا إله إلا الله».

كتاب نواقض الإسلام للشيخ محمد عبد الوهاب وختام الدرس

يُشير المقطع إلى رسالة الشيخ محمد عبد الوهاب المسماة «نواقض الإسلام» التي تُبيّن الأعمال المخرجة من الملة. ويختتم المتحدث الدرس مكتفياً بالقصتين والدليلين، مؤجلاً تكملة الموضوع لدرس قادم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول"، وفي سياق ذكره للأدلة على أن "لا إله إلا الله" ليست كلمة تقال باللسان، وليس من قالها يكون مسلما مطلقا وإن أتى بما يناقضها: "الدليل الثاني: قصة أخرى وقعت في زمن الخلفاء الراشدين". قال: وهي أن بقايا من بني حنيفة لما رجعوا إلى الإسلام، يعني بعد ردتهم وتصديقهم لمسيلمة، وتبرؤهم من مسيلمة وإقرارهم بكذبه، كبر ذنبهم عند أنفسهم، يعني قالوا: كيف وقعنا في هذا؟ فأنبوا أنفسهم، وكبر هذا الذنب في نفوسهم. قال: وتحملوا بأهليهم إلى الثغر لأجل الجهاد في سبيل الله، لعل ذلك يمح عنهم آثار تلك الردة. ومعنى "تحملوا" يعني أخذوا أهاليهم إلى الثغر، يعني إلى الرباط في سبيل الله والجهاد من أجل نصرة دين الله، لعل هذا العمل الصالح يكفر عنهم ما وقعوا فيه من الردة. قال: لأن الله تعالى يقول: ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾، فالشاهد: "وعمل عملا صالحا". لذلك كان بعض السلف إذا أذنب ذنبا أكثر من العمل الصالح بعد توبته من هذا الذنب، سواء كان الصدقة أو الصلاة أو الصيام أو نحوها من الأعمال الصالحة. قال: ويقول: ﴿ وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ ﴾، والشاهد: "وعمل صالحا"، تاب وآمن وأتبع هذه التوبة بالعمل الصالح. قال: فنزلوا الكوفة، يعني جهة العراق، وصار لهم بها محلة معروفة، يعني نزلوا في مكان واحد واستقروا فيه. قال: فيها مسجد يسمى مسجد بني حنيفة. فمر بعض المسلمين على مسجدهم بين المغرب والعشاء، فسمعوا منهم كلاما معناه أن مسيلمة كان على حق. كانوا في مسجدهم، فمر بعض المسلمين من غيرهم، فسمع بعضهم يقول: إن مسيلمة على الحق. مسيلمة كذاب دجال ادعى النبوة، وهم جماعة كثيرون، يعني كانوا في المسجد جماعة كثيرون، ولكن الذي لم يقله لم ينكره على من قاله، يعني أن بعضهم قال هذا القول، والبعض الآخر موجود في هذا المجلس ولم ينكر، لم ينكر على من قاله. هذا معنى قوله: "ولكن الذي لم يقله ممن كان جالسا لم ينكره على من قاله، إنما سكت". فرفعوا أمرهم إلى عبد الله بن مسعود، فجمع من عنده من الصحابة واستشاره. جاء الخبر إلى عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وأن هؤلاء يقولون كذا وكذا، وأن جماعة كانوا عندهم ولم ينكروا عليه. قال: فجمع من عنده من الصحابة واستشارهم: هل يقتلهم وإن تابوا، أو يستتيبهم؟ إيش يفعل معهم الآن وهم قالوا هذا القول؟ هل يقتلهم وإن قالوا: نحن تبنا ورجعنا، أو أولا يستتيبهم؟ يعني يقيم عليهم الحجة ويجلس معهم ويطلب منهم التوبة. قال: فأشار بعضهم بقتلهم من غير استتابة، وأشار بعضهم باستتابتهم. والتفصيل في هذا الذي ذكره: أن من قال بقتلهم هم زعماؤهم، زعماؤهم وكبراؤهم، ومن لم يُشر إليه بقتلهم هم من دون ذلك من عامتهم. قال: فاستتاب بعضهم وقتل بعضهم ولم يستتبه. قال رحمه الله: "فتأمل رحمك الله، إذا كانوا قد أظهروا من الأعمال الصالحة الشاقة، يعني هاجروا من بلدهم بأهليهم، ما أظهروا لما تبرؤوا من الكفر وعادوا إلى الإسلام، ولم يظهروا منهم إلا كلمة أخفوها في مدح مسيلمة، لو كانوا يعلمون أن أحدا يستمع إليهم ربما ما قالوا هذه الكلمة، أخفوها لكن سمعها بعض المسلمين، ومع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم، كلهم: المتكلم والحاضر الذي لم ينكر، لأن الساكت عن الكفر يدخل في من قاله، يدخل في من قاله". فهنا قال: "ومع هذا لم يتوقف أحد في كفرهم، كلهم المتكلم والحاضر الذي لم ينكر، ولكن اختلفوا: هل تقبل توبتهم أو لا؟". والقصة في صحيح البخاري. وهذه القصة ليست في صحيح البخاري بهذا التفصيل، ولعله أراد أصلها، وإلا فهذه القصة رواها أبو داود وأحمد، وهي قصة صحيحة، أوردها شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى في كتابه "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" في مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال: "فأين هذا من كلام من يزعم أنه من العلماء؟ انظر إلى بني حنيفة: هم في المسجد يصلون ويذكرون الله، وخرجوا من أجل الجهاد، وقالوا هذه الكلمة وأخفوها، فحكم الصحابة بكفرهم، حكم الصحابة بكفرهم. فكيف بمن عنده ما هو أكثر من ذلك من دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله والتعلق بغير الله ونحو ذلك؟ فأين هذا من كلام من يزعم أنه من العلماء، ويقول: البدو ما معهم من الإسلام شعر إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله؟ هذه مقولة قالها بعض علماء زمانه من علماء الضلال: أن البدو وإن كان عندهم ما عندهم من المخالفات ومن كذلك إنكار بعض شعائر الإسلام ونحو ذلك، بل ويقر هذا العالم أن ما معهم من الإسلام شعره إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله، إذن هم مسلمون طالما أنهم يقولون لا إله إلا الله. وهذا أمر ليس بصحيح كما تقدم، ومع ذلك يحكم بإسلامهم بذلك. أين هذا مما أجمع عليه الصحابة في من قال تلك الكلمة أو حضرها ولم ينكر؟ سارت مشرقة وسرت مغربة، شتان بين مشرق ومغرب". لمعنى أن هؤلاء العلماء في بعد، وفي كذلك تفاوت كبير بينهم وبين الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وبين الحق الذي عليه أهل الحق. قال: ﴿ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ ﴾ [آل عمران: 47]، يعني يريد أن هؤلاء العلماء بينت لهم هذه الأدلة، والشيخ كان يدعو بهذه الدعوة ويبين للناس ويناظرهم ويكاتبهم ويراسلهم، وهم مصرون على ما هم عليه من أن من قال لا إله إلا الله فهو المسلم وإن فعل ما فعل، فهذا من الطمس على البصيرة، فهم مثل الصم البكم العمي الذين لا يعقلون، والذين لا يرجعون. قال: ﴿ وَلَا تَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [هود: 46]، ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [الأنفال: 22]. هذه الأمثلة ما يعقلها القارئ والمطلع عليها، العامي البليد كما عبر الشيخ في ما تقدم، يفهم مثل هذه النصوص ومثل هذه الحوادث، فكيف بمن يزعم أنه عالم ولا يفهم هذا؟ فحالهم كما جاء في هذه الآيات: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171]. قال: "الدليل الثالث"، أي من أدلة أن "لا إله إلا الله" ليست كلمة قال باللسان فحسب، بل لها نواقض ومبطلات. قال: "ما وقع في زمان الخلفاء الراشدين: قصة أصحاب علي بن أبي طالب، لما اعتقدوا فيه الألوهية، التي تعتقد اليوم في أناس من أكبر بني آدم وأفسقهم". ويريد بهم هؤلاء المقبورين الذين يقصدهم هؤلاء الصوفية وعباد القبور، فيذبحون لهم، وكذلك يستغيثون بهم. وتجد هؤلاء ربما من أكثر بني آدم، لأنهم من السحرة، لربما يكونون من السحرة، أو ممن يزعم أنه قد بلغ مرحلة اليقين التي بها تسقط عنه التكاليف، فيموت وهو لا يصلي لأن الصلاة قد سقطت عليه، قد بلغ هذه المنزلة، ونحو ذلك، ثم يقبر ويقصد ويعبد من دون الله. فهذا معنى قوله: "قصة أصحاب علي بن أبي طالب، لما اعتقدوا فيه الألوهية، التي تعتقد اليوم في أناس من أكثر بني آدم وأفسقهم: سحرة، مشعوذين، تاركين للصلاة، آكلين لأموال الناس، ونحو ذلك". فدعاهم إلى التوبة، أي علي، فأبوا، فخد لهم الأخاديد وملأها حطما وأضرم فيها النار، وقدفهم فيها وهم أحياء. وهو القائل رضي الله تعالى عنه: "لما رأيت الأمر أمرا منكرا، أججت ناري ودعوت قنبرا"، أو "قنبرا"، وهو خادم له، خادم لعلي. والصحابة رضي الله تعالى عنهم وافقوا عليا في قتل هؤلاء، ولكن خالفوه في كيفية قتلهم بالنار، واستدلوا عليه بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يعذب بالنار إلا رب النار». فأنكروا عليه هذه الكيفية، وإلا فوافقوه في قتلهم لأنهم ادعوا فيه الألوهية، وقام عليهم الحجة فأبوا وأصروا، فحقهم القتل. قال: "ومعلوم أن الكافر مثل اليهود والنصارى إذا أمر الله بقتله لا يجوز إحراقه بالنار، فعلم أنهم أغلظوا كفرا من اليهود والنصارى، وكذلك لا يجوز أيضا غير النصارى واليهود أن يحرق بالنار". نتقدم معنا أن الصحابة لم يوافقوا عليا رضي الله تعالى عنه على حرق هؤلاء بالنار، ولكن يمكن أن نقول: إن هؤلاء أغلظ كفرا، أغلظ من اليهود والنصارى، لأنهم ادعوا في علي الألوهية، وأما اليهود والنصارى فبعضهم أهل دين متمسكين ببعض بقايا دينهم، مع أنهم كفار لأنهم لم يؤمنوا بالنبي عليه الصلاة والسلام، فمن هذه الحيثية يعني يكون هذا التفضيل، يكون هذا التفضيل والله أعلم. قال: "هذا وهم يقومون الليل، يعني هؤلاء الذين ادعوا الألوهية في علي، يقومون الليل ويصومون النهار ويقرؤون القرآن، آخذين له عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أخذوا القرآن عن الصحابة". قال: "فلما غلوا في علي ذلك الغلو، أحرقهم بالنار وهم أحياء، وأجمع الصحابة وأهل العلم كلهم على كفرهم". فأين هذا ممن يقول في البدو تلك المقالة، مع اعترافه بهذه القصة وأمثالها، واعترافه أن البدو كفروا بالإسلام كله إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله؟ واعلم أن جناية هؤلاء إنما هي على الألوهية، وما علمنا فيهم جناية على النبوة، يعني أنهم ما ادعوا في علي أنه نبي أو في غيره، إنما ادعوا الألوهية في علي وأنه يعبد من دون الله. قال: "والذين قبلهم جناياتهم على النبوة، يعني أصحاب الردة، ومنهم من صدقوا مسيلمة الكذاب". قال: "وما علمنا لهم جناية على الألوهية". وهذا مما يبين لك شيئا من معنى الشهادتين اللتين هما أصل الإسلام. يعني يريد بهذا أن "لا إله إلا الله" لها نواقض كثيرة، فمن ادعى النبوة في غير النبي عليه الصلاة والسلام فهذا مما يناقض "لا إله إلا الله"، ومن ادعى الألوهية في غير الله عز وجل فصرف شيئا من العبادات لغير الله فهذا مما يناقض "لا إله إلا الله"، وهكذا قس على ذلك. والشيخ محمد عبد الوهاب له رسالة مستقلة في هذا اسمها "نواقض الإسلام"، ذكر فيها عدة نواقض يخرج بها المسلم من الإسلام إذا ارتكبها وتلبس بها. طيب، نكتفي اليوم بهاتين القصتين وهذين الدليلين، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. لهنا والله تعالى أعلم.