التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 14

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 14، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

حكم خروج المسلم حافياً إلى المسجد

المسلم يجوز له الخروج إلى المسجد حافياً، وقد كان الصحابة والتابعون يفعلون ذلك. طهارة قدميهم تكون باجتناب النجاسة المتيقنة.

طهارة الأرض ومسألة النجاسة

الأرض تطهر بالجفاف، وهو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدلوا بفعل السلف وعدم أمر النبي بصيانة طريق المسجد من النجاسة التي تجف.

تطهير المذي وأحكام الثوب المصاب

يكتفى برش المذي الذي يصيب الثوب بالماء، لما في غسله من مشقة، وقد ورد في الحديث النبوي الأمر برش الثوب المصاب بالمذي.

التنظيف المبالغ فيه للثوب المصاب

يعتبر غسل الثوب كاملاً عند إصابته بالنجاسة مبالغة ومخالفة للسنة النبوية، حيث يكفي النضح أو الرش كما ورد في الأحاديث.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»، فيما ذكره، نقله عن إمام قدام رحمه الله في كتابه «ذنب وسوسين»، قال: فصل، ومن ذلك أن الناس في عصر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كانوا يأتون المساجد حفاة في الطين وغيره. قال يحيى بن وثاب: قلت لابن عباس: الرجل يتوضأ، يخرج إلى المسجد حافياً، قال: لا بأس به، يعني ليس بذلك حرج. وقوله «لا بأس به» يدل على الجواز. ومعنى هذا أن الإنسان إذا خرج من بيته حافياً وجاء إلى المسجد، فإنه سيصلي والصلاة صحيحة، وضوء صحيح. قال كميل بن زياد: رأيت علياً رضي الله عنه يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصل ولم يغسل رجليه. وهذا إذا كان المسجد مفروشاً بالحصى أو بالرمل، فلا يحتاج أن يغسل رجليه، لكن إذا كان مفروشاً بالفرش والقطائف، فإنه يغسل رجليه من باب النظافة فقط، ليس من باب يعني إزالة النجاسة، فرجليه طاهرة، لكن من أجل نظافة حتى لا يتوسخ الفرش، فإنه يغسل رجليه. قال إبراهيم النخعي: كانوا يخوضون الماء والطين إلى المسجد فيصلون. وقال يحيى بن وثاب: كانوا يمشون في ماء المطر، وينتضح عليهم -يعني يصيبهم أثر الماء وهو قد اختلط بالطين- فلا يغسلونه، رواه سعيد بن منصور في سننه. وقال ابن المنذر: وطئ ابن عمر بمنى وهو حاف في ماء وطين، ثم صلى ولم يتوضأ. قالوا: ممن رأى ذلك علقمة، والأسود، وعبد الله بن مغفل، وسعيد بن المسيب، والشعبي، والإمام أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، وأحد الوجهين للشافعية. قال: وهو قول عامة أهل العلم. ولأن تنجيسها فيه مشقة عظيمة منتفية بالشرع، كما في أطعمة الكفار، وثيابهم، وثياب الفساق، شربة المسكر وغيرهم. يعني القول بأنها تنجس إذا مشى حافياً فيه مشقة، وهذه الشريعة جاءت لرفع الحرج والمشقة، وإذا وجدت المشقة وجد معها التيسير، كما في القاعدة الشرعية: «المشقة تجلب التيسير»، فلأجل ذلك حكم على من مشى حافياً بطهارة قدميه، وبصحة وضوءه، وأنه لا يضر ما مر عليه بقدميه مما هو طاهر. أما إذا مر بنجاسة متيقنة -يعني وطئ النجاسة- كمجاري مثلاً أو نحو ذلك، فهنا لا شك لا بد من غسلها، حتى لو وطئ النجاسة لا يضر ذلك بوضوءه، الوضوء صحيح، لكن يلزمه غسل قدميه. أما إذا لم يطأ نجاسة، وإنما أمور أشياء طاهرة من تراب وطين ونحو ذلك، فلا يلزمه أن يغسلها. وقوله «كما في أطعمة الكفار وثيابهم» يعني أن الأصل فيها الطهارة، الأصل فيها الطهارة، إلا إذا تيقن أن في هذا الثوب نجاسة فيغسله، أما إذا لم يعلم فيه نجاسة، فالأصل أنه طاهر. قال أبو البركات ابن تيمية -وهو جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: قالوا: هذا كله يقوي طهارة الأرض بالجفاف، لأن الإنسان في العادة لا يزال يشاهد النجاسات في بقعة من طرقاته التي يكثر فيها تردده إلى سوقه ومسجده وغيرهما، فلو لم تطهر إذا أذهب الجفاف أثرها، للزمه تجنب ما يشاهده من بقاع النجاسة بعد ذهاب أثرها. يعني إذا لم تطهر الأرض بالجفاف، فالأرض ربما تصيبها النجاسة، لكنها تجف بالريح وبالشمس فيذهب أثر النجاسة، فإذا لم يكن هذا تطهيراً لها، لكان في ذلك مشقة على الإنسان في سيره ومشيه إذا جاء إلى مكان قد أصابته النجاسة من قبل وقد جف، معنى أنه سيذهب يميناً عنه أو شمالاً وهكذا يتجنب في طريقه الأماكن الجافة التي قد أصابتها نجاسة من قبل، وهذا لا شك أن فيه مشقة. قال: ولما جاز له التحفي بعد ذلك -يعني أن يمشي حافياً- لأن ما من مكان إلا ربما أصابته النجاسة في طريقه، وقد علم أن السلف الصالح لم يحترزوا من ذلك -يعني من المشي حافياً- بل كانوا يمشون حفاة. قال: ويعضده أمره عليه الصلاة والسلام بمسح النعلين بالأرض لمن أتى المسجد ورأى فيهما خبثاً، كما في حديث رواه سعيد بن منصور: «إذا أتى أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد فيهما قذراً فليمسحهما وليصل فيهما». قال: ولو تنجست الأرض بذلك نجاسة لا تطهر بالجفاف، لأمره بصيانة طريق المسجد عن ذلك -يعني عن أن يمشي أو يطأ في الأماكن التي قد أصابتها النجاسة وقد جفت- لكن ما قال ذلك النبي عليه الصلاة والسلام ولا أمر به؛ لأنه يسلكه الحافي وغيره. قلت: وهذا اختيار شيخنا رحمه الله. قلت: أي ابن القيم رحمه الله، قال: هذا اختيار شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- ومع أنه يرى طهارة الأرض إذا جفت، وجواز سير الإنسان حافياً، وأنه لا يلزمه الابتعاد عن الأماكن التي قد أصابتها النجاسة وقد جفت الأرض من ذلك، فإنها تطهر بذلك. قال أبو قلابة: جفاف الأرض طهورها، يعني إذا جفت الأرض فإنها قد طهرت بذلك. قال رحمه الله: فأصل من ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن المذي، فأمر بالوضوء منه، فقال: كيف ترى بما أصاب ثوبي منه؟ -يعني يقول له السائل الصحابي سأله عن المذي فأخبره أنه يجب الوضوء منه، قال: فكيف بما أصاب ثوبي منه؟ يعني من المذي- قال: تأخذ كفاً من ماء فتنضح به حيث ترى أنه أصابه، رواه أحمد والترمذي والنسائي، وهو حديث صحيح. أمره عليه الصلاة والسلام بتطهير الثوب من المذي بالنضح -يعني الرش- على ما يغلب على ظنه، قال: «بما ترى حيث ترى أنه أصابه» يعني الذي تظن أن المذي أصابه من مواضع ثوبك فترشه بالماء، اكتفى بتطهير المذي بالرش. لماذا؟ لأجل المشقة. قال: فجوز نضح ما أصابه المذي كما ينضح بول الغلام، كما جاء بحديثه بالسمح وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يغسل بول الجارية وينضح بول الغلام» -يعني يكتفى بالرش وإصابته بالماء من غير غسل- لأجل المشقة في تطهيره. كذلك أيضاً حكم المذي إذا أصاب الثوب، فإنه يكتفى بالرش، لماذا؟ لأن المذي قد يخرج من الإنسان ولا يشعر به، قد لا يشعر به، وربما يشعر بشيء يسير، لكن يخرج متقطعاً فيتفرق في الثوب، فيشق على الإنسان في مثل هذه الحالة أن يتبع أثر المذي أو أن يغسله، فيحتاج أن يخرج ثوبه ويغسله، ربما ليس عنده إلا هذا الثوب أو نحو ذلك، فلأجل ذلك يكتفي بالرش، يرش بالماء ويطهر بذلك. قال شيخنا: وهذا هو الصواب -يعني شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله- قال: وهذا هو الصواب؛ لأن هذه نجاسة يشق الاحتراز منها لكثرة ما يصيب ثياب الشاب العزب، فهي أولى بالتخفيف من بول الغلام، ومن أسفل الخف والحذاء. يعني كما أنه خفف في نجاسة بول الغلام لكثرة من يحمله ولانتشار بوله إذا بال، وهكذا أيضاً خفف في أسفل الخف فلم يؤاخذ الإنسان بما أصاب أسفل الخف والنعل إلا إذا ظهرت فيه النجاسة، فكذلك أيضاً خفف في تطهير المذي إذا أصاب الثوب لأجل المشقة -يعني مشقة الاحتراز منه أن يصيب الثوب إذا نزل من الإنسان- فإنه لا شك أنه سيصيب شيئاً من ثوبه، فلأجل ذلك اكتفي بالنضح والرش، ويصلي في ثوبه وليس عليه شيء، هذا حكم الشرع. لكن هل المسوس يكتفي بذلك أبداً؟ بل ربما يغسل الثوب، ما يكتفي مجرد النضح والرش، بل يرى أنه لا بد من غسله وإخراجه وإبداله بثوب آخر، وهذا خلاف سنة النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.