الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 15، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل مفهوم التيسير في الشريعة الإسلامية عند التعامل مع النجاسات، مثل جواز الاستجمار بالأحجار و العفو عن يسير النجاسات. يبين الفصل سبب التيسير في هذه الأحكام وهو مشقة الاحتراز منها.
يناقش هذا الفصل آراء الفقهاء حول نجاسة القيح والصديد والمدة، حيث يرى بعضهم طهارتها لعدم وجود دليل على نجاستها، مستدلين بآثار بعض الصحابة والتابعين.
يبرز هذا الفصل آراء الفقهاء حول التيسير في إزالة النجاسة وتأثير الوسوسة على الموسوسين، حيث تيسر الشريعة على المسلمين في حالات الجهل أو النسيان أو العجز، وقد تؤدي الوسوسة إلى أفعال غريبة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه «مكائد الشيطان»، في ذكره لما ذكره الإمام قدام رحمه الله في كتابه «ذنب الوسواس»، قال: فصل، ومن ذلك إجماع المسلمين على ما سنه لهم النبي صلى الله عليه وسلم من جواز الاستجمار بالأحجار في زمن الشتاء والصيف، مع أن المحل يعرق، فينضح على الثوب، ولم يأمر بغسله. ويريد بذلك أن هذا مما جاءت الشريعة بالتخفيف فيه، وكذلك أيضا بعدم المؤاخذة به لما يحصل في ذلك من مشقة التحرز منه. فأجازت الشريعة الاستجمار بالأحجار، سواء كان ذلك في الشتاء أو في الصيف، ولا شك أن محل الاستجمار يبقى فيه شيء من الأثر والرطوبة، وربما أصاب شيء من ذلك الثوب، أو كذلك السراويل، ربما يلبسها، ولم تأمر الشريعة بغسله لما في ذلك من المشقة. ومن ذلك أنه يعفى عن يسير أرواث البغال والحمير والسباع، في إحدى الروايتين عن أحمد، اختارها شيخنا، لمشقة الاحتراز أيضا. أرواث البغال والحمير والسباع، وكل ما لا يؤكل لحمه، فهو نجس، ومع ذلك إذا أصاب شيء قليل منها الثياب، وربما لم يعلم به الإنسان، فإنه يعفى عن ذلك لمشقة الاحتراز من ذلك، وخاصة مع ملامسة الإنسان لها، وكذلك أيضا استعماله لهذه الحيوانات. فالتحرز من هذه الأشياء فيه شيء من المشقة، فلذلك إذا أصابه شيء من ذلك، فإنه لا يضر لأجل التيسير. قال الوليد بن مسلم: قلت للأوزاعي: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه، كالبغل والحمار والفرس؟ فقال: قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم، فلا يغسلونه من جسد ولا ثوب. أما قوله: مما لا يؤكل لحمه كالبغل والحمار والفرس، أما البغل والحمار، فهو كذلك، لا يجوز أكلهما. البغل هو الحيوان المتولد من الحمار والفرس، لا يجوز أكله لأنه اجتمع فيه حاضر ومبيح، فالفرس كما سيأتي يجوز أكله، وأما الحمار فلا يجوز أكله. والقاعدة أنه إذا اجتمع حاضر ومبيح، فيغلب جانب الحضر، لأجل ذلك حرمت الشريعة أكل البغال. وأما الحمار، فالمراد به الحمار الأهلي، فهو أيضا مما نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن أكله. وأما الفرس، فالصحيح جواز أكله، لما ثبت في الصحيح من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، قالت: نحرنا فرسا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكلناه. إذن قوله: فأبوال الدواب مما لا يؤكل لحمه، يكون هذا في البغل والحمار. قال: قد كانوا يبتلون بذلك في مغازيهم، يعني أن يصيبهم بول الحمار وبول البغل، وذلك لمشقة التحرز مع ركوبها واستعمالها. قال: فلا يغسلونه من جسد ولا ثوب، وهذا يعني يحمل كما سمعنا على الشيء اليسير، أو كذلك أيضا ربما يكون في موضع ليس فيه ماء حتى يغسل ما أصابه من بولهما. فلأجل ذلك يعفى عما أصابه منه. قال: ومن ذلك نص أحمد على أن الودي يعفى عن يسيره كالمذي، وكذلك يعفى عن يسير القيء، نص عليه أحمد. الودي ما يخرج بعد البول، مادة بيضاء غليظة تخرج بعد البول، وهي من الأشياء النجسة، والمذي ما يخرج عند التفكير بالجماع ومقدماته، أو كذلك أيضا ما يخرج عند الملاعبة والمداعبة. فهذه الأشياء نجسة، ومع ذلك يعفى عن يسيرها. يعفى عن يسيرها لأن الإنسان ربما يخرج منه المذي ويصيب بعض الأماكن من ثوبه وهو لا يدري في أي الموضع أصاب الثوب، فيرش وينضح بالماء ويكتفي بذلك. وربما لا يصيب الماء بعض المواضع التي أصابها المذي، ومع ذلك اكتفت الشريعة بذلك، أن الإنسان ينضح ثوبه ويصلي فيه، وبهذا يكون قد تطهر، وما لم يصبه الماء عفي عنه للمشقة. قال: وقال شيخنا: لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديد. قال: ولم يقم دليل على نجاسته. المدة هي القيح الذي ليس معه دم، يقول: لا يجب غسل الثوب ولا الجسد من المدة والقيح والصديد إذا أصاب الإنسان قيح، يعني ما يخرج من الجروح أو بعض البثور من الوسخ، فأصاب ثوبه أو أصاب بدنه، لا يجب عليه غسله لأنه لا دليل على نجاسته. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه طاهر، حكاه أبو البركات، وهو شيخ جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وكان ابن عمر رضي الله عنه لا ينصرف منه من الصلاة، وينصرف من الدم. وعن الحسن نحوه. وهذا القول هو الصحيح أن القيح والصديد طاهر لعدم الدليل على النجاسة. فابن عمر كان لا ينصرف منه إذا صابه القيح أو خرج منه في الصلاة، لم ينصرف من الصلاة لأنه طاهر، لكن إذا خرج منه الدم خرج من الصلاة. قال: وسئل أبو مجلز عن القيح يصيب البدن والثوب، فقال: ليس بشيء، إنما ذكر الله الدم ولم يذكر القيح، يعني في ذكره للمحرمات والنجاسات. قال: أودما مسفوحا، ولم يذكر جل وعلا القيح، فسكت عنه، فدل ذلك على عدم نجاسته. قالوا: قال إسحاق بن راهويه: كل ما كان سوى الدم، فهو عندي مثل العرق المنتن وشبهه، ولا يوجب وضوءا. يقول: كل ما كان سوى الدم، يعني من الأوساخ والقيح والصديد ونحو ذلك، فهو بمنزلة العرق المنتن، يعني العرق ذو الرائحة الكريهة، هو طاهر، وإن كان فيه شيء من الكراهية الرائحة مثله، مثل القيح، وإن كان هو قذر، لكن ليس بنجس، ولا يلزم من القذارة النجاسة. قال: لا يوجب وضوءا، كما أن العرق إذا نزل لا يوجب وضوءا، كذلك القيح إذا نزل لم يجب منه الوضوء. وسئل أحمد رحمه الله: الدم والقيح عندك سواء؟ قال: لا، الدم لم يختلف الناس فيه، يعني في نجاسته، والقيح قد اختلف الناس فيه. وقال مرة: القيح والصديد والمدة عندي أسهل من الدم. لماذا؟ لحصول الخلاف في القيح والصديد، وأما الدم فغالب أهل العلم، بل بعضهم نقل الإجماع على أنه نجس، وإن كان هناك خلاف يسير، لكن عامة قول أهل العلم أنه نجس. ومن ذلك ما قال أبو حنيفة: إنه لو وقع بعر الفأر في حنطة فطحنت، أو في دهن مائع، جاز أكله ما لم يتغير، لأنه لا يمكن صونه عنه. قال: فلو وقع في الماء نجسه. لو وقعت بعرة الفأر -والفأر حيوان لا يؤكل- فبعره وبوله نجس، فلو وقعت بعرة منه في حنطة، يعني حب الحنطة، فطحنت مع الحنطة، فيقول: جاز أكله ما لم يتغير، إذا لم يؤثر في هذه الحنطة، فلا يؤثر. لماذا؟ لأن هذا شيء يسير ويشق التحرز منه. أو وقع في دهن مائع، دهن سائل كزيت أو نحوه، فإنه لا يؤثر، أنه شيء قليل ولا يمكن صونه عنه. لكن لو وقع في الماء نجسه. والصحيح أنه لا ينجس إلا إذا تغير بهذه النجاسة. وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى جواز أكل الحنطة التي أصابها بول الحمير عند الدياس من غير غسل. قال: لأن السلف لم يحترزوا من ذلك. وكانوا بالسابق قبل مجيء الآلات الحديثة التي تستعمل في الزراعة وفي إخراج الحبوب من سنابلها، كانوا يستعملون الحيوانات كالبقر والحمير، توضع السنابل مما فيها من الحبوب في الأرض وتدوسها بأقدامها حتى تفرق الحب منها. فيقول: لو بال الحمار في هذه الحبوب في أثناء دوسه، يقول: لا بأس بأكلها لأن السلف لم يحترزوا من ذلك. ما كانوا يحترزون من ذلك، فدل هذا على أنه لا يؤثر. وقالت عائشة رضي الله عنها: كنا نأكل اللحم، وخاصة إذا وضع في الشمس وأصابته الشمس، فإنه يجف ويذهب أثره. قال: كنا نأكل اللحم والدم خطوط على القدر. وهذا الدم الذي يبقى في العروق بعد ذبح البهيمة، عفي عنه لمشقة الاحتراز منه. قال: وقد أباح الله عز وجل صيد الكلب وأطلق، ولم يأمر بغسل موضع فمه من الصيد، وما عضه ولا تقويره، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة. أباح الله جل وعلا صيد الكلب كما قال جل وعلا: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ تعلمونهن مما علمكم الله فاكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه. ولم يأمر بغسل موضع فم الكلب مما يمسكه الكلب من الصيد بثمه، مع أن فمه نجس ولعابه نجس في قول جمهور أهل العلم. ومع ذلك ما أمر الله جل وعلا به، ولا أمر به رسوله، ولا أفتى به أحد من الصحابة، أنه يغسل أو يزال ما أمسكه الكلب بثمه. قالوا: من ذلك ما أفتى به عبد الله بن عمر، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وأطاوس، وسالم، ومجاهد، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، والحكم، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والإمام أحمد في أصح الروايتين، وغيرهم: أن الرجل إذا رأى على بدنه أو ثوبه نجاسة بعد الصلاة، لم يكن عالما بها، أو كان يعلمها، لكنه نسيها، أو لم ينسها، لكنه عجز عن إزالتها، أن صلاته صحيحة، ولا إعادة عليه. لماذا؟ لأجل المشقة والتخفيف والتيسير. إذا صلى بالنجاسة وهو عالم بوجودها متعمدا، صلاته باطلة. لكنه صلى وهو جاهل أن في ثوبه أو في بدنه نجاسة، عفي عن ذلك لأن هذا فعل محظور حصل منه على سبيل الجهل، فلا يؤثر في عبادته. كذلك إذا كان على جهة النسيان، يعلم أن في ثوبه نجاسة، فقال: سأغسلها إذا وصلت إلى المسجد، فوصل ونسي وصلى، فصلاته صحيحة. أو علم بها، لكن عجز عن إزالتها، فهو معذور، وصلاته صحيحة. وكل ما ذكر في هذا الباب يدلنا على ما جاءت به هذه الشريعة العظيمة من التخفيف والتيسير، لما في المشقة من التحرز من مثل هذه الأشياء. لكن الموسوس ترى أنه ما يكفيه ذلك، ويشق على نفسه بما هو دون ذلك. وإذا أصابه شيء من ذلك، لربما أزال ثيابه أو استبدلها أو قطعها أو غير ذلك من الأمور والأفعال التي اتقع من بعض الموسوسين. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.