التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 17

الدرس في التعليق على كتاب مكائد الشيطان لابن القيم 17، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تيسير الشريعة في أمور الطهارة والتعامل مع النجاسات

يشرح المقطع الأول تيسير الشريعة في بعض الأمور المتعلقة بالطهارة مثل الصلاة مع وجود الدم والتعامل مع نجاسات معينة. يُظهر كيف أن الشريعة تيسرت في هذه الأمور ولم تشدد على المسلمين.

أدلة على طهارة الأشياء بالمسح أو التجفيف

يعدد المقطع الثاني أدلة من السنة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين على طهارة بعض الأشياء بالمسح أو بالتجفيف بالشمس. كما يستدل على طهارة الماء إذا لم يتغير بفعل النجاسة.

حكم الماء المتغير بنجاسة وتوضيح شروط طهارته

المقطع الثالث يوضح حكم الماء المتغير بنجاسة، حيث لا ينجس إلا إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة، مع نقل إجماع العلماء على ذلك. كما يبين أن التغير بغير نجاسة لا يؤثر في طهارته.

نصائح للتعامل مع الوساوس والتحصين منها

المقطع الأخير يؤكد على أن بعض الأمور لا تضر، ويشير إلى الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه للتحصين من الوسوسة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام القيم رحمه الله في كتابه "من كاهد الشيطان": قال فصل، ومن ذلك الصلاة مع يسير الدم ولا يعيد. قال البخاري: قال الحسن رحمه الله: "ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم". وستذل الإمام البخاري رحمه الله بهذا الأثر على أن خروج الدم في الصلاة لا يبطلها. قال: وذكر أثر الحسن "ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم"، يعني تصيبهم الجروح ويخرج منهم الدم ويصلون ولا يخرجون من الصلاة أو يبطلون صلاتهم. قال: وعصر بن عمر رضي الله عنه بثرة فخرج منها دم فلم يتوضأ، وبصق ابن أبي أوفى دمًا ومضى في صلاته، وصلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجرحه يثعب دمًا - وجرحه يثعب دمًا يعني ينزف يجري منه الدم - واستمر في صلاته رضي الله تعالى عنه. قالوا: ومن ذلك أن المراضع ما زلنا من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الآن يصلين في ثيابهن والرضاع أو الرضعاء يتقيأون ويسيل لعابهم على ثياب المرضعة وبدنها، فلا يغسلن شيئًا من ذلك؛ لأن ريق الرضيع مطاهر لفمه لأجل الحاجة، كما أن ريق الهرة مطاهر لفمها. يعني من أنواع التخفيف والتيسير الذي لا يؤخذ عليه الإنسان مما جاءت به الشريعة التسهيل في أمر الرضعاء وما يصيب المرضعة من الصغار من القيء واللعاب ونحو ذلك؛ أن هذه الأشياء طاهرة لا تؤثر في طهارة الثياب. فالمرضعة يصيبها قيء الرضيع ويسيل لعابه، وهذه الأشياء لا تؤثر؛ فإن ريق الرضيع مطاهر لفمه، قال: كما أن ريق الهرة مطاهر لفمها، والهرة تأكل النجاسات كالفأر وغيره، ومع ذلك فروثها طاهر. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". والحديث رواه أحمد، أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو حديث صحيح. فقول عليه الصلاة والسلام "إنها ليست بنجس" يعني أنها طاهرة، ثم ذكر العلة أنها "من الطوافين عليكم والطوافات" أي ممن يكثر تجواله وتطوافه في البيت، فيشق التحرز منه، يشق التحرز منه، فجعل حكم روثها وفمها الطهارة. قال: وكان يصب لها الإناء حتى تشرب، وكذلك فعل أبو قتادة، يعني يقرب لها الإناء حتى تشرب منه. قال: وكذلك فعل أبو قتادة، يعني قرب لها الإناء حتى شربت، كما جاء في بعض روايات هذا الحديث أن أبا قتادة سكب ماء وجاءت الهرة لتشرب منه فقربه منها حتى تشرب، فلما رأى بعض أهله ينظر إلى ذلك قال: "أتعجبين يا ابنة أخي؟ يا ابنة أخي، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات". قال: مع العلم اليقيني أنها تأكل الفأر والحشرات، والعلم القطعي أنه لم يكن بالمدينة حياض فوق القلتين تردها السنانير. وكلاهما معلوم قطعًا، جرى بهذا أن حياض الماء التي كانت تردها الهرة كانت قليلة وصغيرة، يعني دون القلتين، مما إذا مسته النجاسة فإنه ينجس على القول بنجاسة الماء إذا لاقته النجاسة وكان دون القلتين، فأكثر الحياض في المدينة كانت دون القلتين، ومع ذلك حكم بطهارتها وأنه لا يؤثر أو لا يتأثر الماء بملاقات هذه السباع لها. قال: ومن ذلك أن الصحابة ومن بعدهم كانوا يصلون وهم حاملوا سيوفهم وقد أصابها الدم، وكانوا يمسحونها ويجتزئون بذلك، يعني يكتفون بمسح الدم من السيف ولا يغسلونه. وعلى قياس هذا مسح المرآة الصقيلة إذا أصابتها النجاسة فإنه يطهرها، يعني ولا يحتاج لغسلها. وقد نص أحمد على طهارة سكين الجزار بمسحها، يعني يكفي أن يمسحها بمنديل أو نحو ذلك وتطهر بذلك. قالوا: ومن ذلك أنه نص على حبل الغسال أنه ينشر عليه الثوب النجس ثم يجففه الشمس فينشر عليه الثوب الطاهر، فقال: لا بأس به. يعني نص الإمام أحمد رحمه الله: إذا علق الثوب النجس في الحبل وهذا الثوب يبقى في الشمس فتجففه الشمس، ثم ينشر في نفس الموضع الثوب الطاهر، هل تؤثر النجاسة في هذا الثوب الطاهر؟ فقال رحمه الله: إنه لا بأس به، يعني لا تؤثر؛ وذلك أن النجاسة إذا أصابتها الشمس وجفت فإنها تطهر بذلك. قال: وهذا كقول أبي حنيفة: إن الأرض النجسة يطهرها الريح والشمس، وهو وجه لأصحاب أحمد، حتى إنه يجوز التيمم بها، يعني في الأرض التي أصابتها نجاسة ثم طهرت بالريح والشمس. وحديث ابن عمر رضي الله عنه ما كان نصًا في ذلك، وهو قوله: "كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك". وهذا لا يتوجه إلا على القول بطهارة الأرض بالريح والشمس، وهذا هو الصحيح. ومن ذلك أن الذي دلت عليه سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأثار الصحابة: أن الماء لا ينجس إلا بالتغير، وإن كان يسيرًا. وهذا قول أهل المدينة وجمهور السلف وأكثر أهل الحديث، وبه أفتى عطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، وعبد الرحمن بن مهدي، واختاره ابن المنذر، وبه قال أهل الظاهر، ونص عليه أحمد في إحدى روايتيه، واختاره جماعة من أصحابنا، منهم ابن عقيل في مفرداته، وشيخنا أبو العباس، وشيخه ابن أبي عمر. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الماء لا ينجسه شيء". رواه الإمام أحمد، وفي المسند والسنن، عن أبي سعيد قال: قيل: يا رسول الله، أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتانة؟ فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء". قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الإمام أحمد: حديث بئر بضاعة صحيح، وهو كذلك. فحكم النبي صلى الله عليه وسلم بطهارة الماء، فقال: "الماء طهور لا ينجسه شيء"، مع ما يلقى في هذه البئر من هذه النجاسات، فحكم بطهارة الماء؛ لأنه إذا لم تؤثر في الماء فهو باق على طهوريته. وهذا هو الصحيح كما ذكر رحمه الله: أن قول جمهور السلف أن الماء لا ينجس إلا إذا تغير، سواء كان قليلًا أو كان كثيرًا، كان دون القلتين أو كان أكثر من القلتين. قالوا: في سنة ابن ماجة، من حديثه، بأمامة مرفوعًا: "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه". وهذا الحديث ضعيف، حيث روي بأمامة، في بيان نجاسة الماء إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة لا يصح، لكن عليه إجماع العلماء؛ العلماء أجمعوا على أن الماء إذا تغيرت أحد أوصافه الثلاثة من لون أو ريح أو طعم بهذه النجاسة فهو نجس، ونقل هذا الإجماع غير واحد، منهم إمام المنذر والإمام النووي وغيرهم. قالوا: وفي حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة، وتريدها السباع والكلاب والحمر، وعن الطهارة بها، فقال: "لها ما حملت في بطونها، ولنا ما غبر طهور، ما غبر". يعني ما بقي. قال: وإن كان في إسناد الحديثين مقال، أي حديث أبي سعيد وحديث بأمامة، فإنا ذكرناهما للاستشهاد لا للاعتماد. وقال البخاري: قال الزهري: "لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لون". ويقيد هذا التغير بنجاسة؛ لأنه إذا تغير بغير النجاسة فهو طاهر. الماء مثلًا إذا طال مكثه في الحوض فترة طويلة يتغير، لكن لا يتغير بنجاسة، بسبب طول المكث، هل هذا التغير يؤثر في طهارته؟ الجواب: لا. أو رغم ما يتغير بالمجاورة، يعني مثلًا هناك ميتة بجانب بركة، ربما يتأثر الماء الذي في هذه البركة ويتغير بمجاورة هذه النجاسة، هل ينجس الماء بذلك؟ الجواب: لا، لا يتغير إلا بملاقات النجاسة، فلابد أن يقيد التغير بالملاقات أو كذلك بالنجاسة، فيقال: "لا بأس بالماء ما لم يتغير منه طعم أو ريح أو لون بنجاسة تقع فيه". فيخرج بذلك إذا حصل التغير بغير نجاسة كطول المكث، أو حصل التغير بالمجاورة. قال: وقال سفيان، وقال الزهري أيضًا: "إذا ولغ الكلب في الإناء، ليس له وضوء غيره، يتوضأ به ثم يتيمم". قال سفيان: "هذا الفقه بعينه"، يقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾، وهذا ماء وفي النفس منه شيء، يتوضأ به ثم يتيمم. ونص أحمد رحمه الله: حب زيت ولغ فيه كلب، فقال: "يؤكل". حب الزيت ورد به الجرة، جرة كبيرة يوضع فيها الزيت، إذا ولغ فيها كلب، يعني جاء الكلب فشرب منها وولغ فيها، وضع لسانه في هذه الجرة، فقال: "يؤكل". عليها يضر ولوغ الكلب فيه. طيب هذه المسألة ذكرها إمام القيم رحمه الله ليبين تيسير الشريعة وتخفيفها في مثل هذه الأمور، حتى لا يشق على الإنسان التحرز، أو مما لا يشق على الإنسان التحرز منه، في باب الطهارة، في باب المياه أو الثياب أو بعض الأمتعة كذلك، فخففت الشريعة ويسرت في طهارتها، وهذا مما يعين الإنسان على اجتناب والابتعاد عن الوساوس، إذا علم مثل ذلك من تيسير الشريعة وتخفيفها، فالأشياء التي يعني تردها مثل هذه الأشياء، يعلم أنها طاهرة، وأن ذلك لا يضر، وحينئذ يسلم من كثير من الوساوس التي ربما يبتلى بها بعض الناس، عفانا الله جل وعلا إياكم من الوسوسة. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.