الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 23، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
عندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة، سافر إلى الشام في تجارة لخديجة رضي الله عنها ومعه ميسرة، فحقق ربحاً عظيماً وبارك الله في تجارتها. مما دفعها لطلب الزواج منه، فتزوجها عقب عودته وكانت أول زوجاته ولم يتزوج عليها غيرها.
تميزت خديجة بأربع خصائص لم تشاركها فيها أي من زوجات النبي: أول زوجة له، أول من ماتت من نسائه، لم يتزوج عليها، وجميع أولاد النبي الأحياء منها. كما بشرها جبريل ببيت في الجنة من قصب، وكان النبي يتعبد في غار حراء قبل الوحي.
عصم الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم من الشرك وسوء الأخلاق منذ صغره، فبغض الأوثان وتعبد لله على الفطرة، ونشأ متميزاً بمكارم الأخلاق حتى لقبه قومه بالأمين. ويعزو ذلك إلى فطرته السليمة، وتجنب عبادة الأصنام، وإلى حادثة شق الصدر وإخراج العلقة وصفاء قلبه من المعاصي بتوفيق من الله.
كان النبي محمد صلى الله عليه وسلم معصوماً من الله قبل البعثة، فلم يهم بفعل ضار إلا صرفه الله عنه. ومن ذلك أنه دُعي إلى أعراس الجاهلية فيها الخمر والمعاصي، فألقى الله عليه النعاس مرتين فلم يحضرها، وهذا من حفظ الله له.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم: قال: خروجه إلى الشام وزواجه خديجة. قال: فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمساً وعشرين سنة خرج إلى الشام في تجارة لخديجة رضي الله عنها، ومعه ميسرة غلامها، فوصل بصرى، يعني بلداً مشهوراً في الشام. وهذه القصة رواها الحاكم والبيهقي، وجاءت من مراسيل الزهري، فبعض أهل العلم بمجموع طرق هذا الحديث يحسنونه فهو ثابت. خروج النبي عليه الصلاة والسلام إلى الشام عندما بلغ خمساً وعشرين سنة، وذلك أن خديجة رضي الله تعالى عنها سمعت بصدقه وأمانته عليه الصلاة والسلام، فأرادت منه المتاجرة بمالها، فخرج إلى الشام من أجل ذلك، وذكر أنه عليه الصلاة والسلام كسباً عظيماً، هذا ورد في بعض الروايات، وبارك الله في تجارتها، حتى رغبت رضي الله تعالى عنها أن يكون زوجاً لها عليه الصلاة والسلام، وهو ابن خمس وعشرين سنة. قال: ثم رجع فتزوج عقب رجوعه خديجة بنت خويلد، وهي أول امرأة تزوجها، وأول امرأة ماتت من نسائه، ولم ينكح عليها غيرها. هذه من خصائص خديجة رضي الله تعالى عنها. ذكر ثلاث خصائص لم يشاركها فيها أحد من النساء: النبي عليه الصلاة والسلام، الخاصية الأولى: أنها أول امرأة تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا أول خاصية اختصت بها رضي الله عنها. والخاصية الثانية: أن أول امرأة ماتت من نسائه. والخاصية الثالثة: أنه لم يتزوج عليها، ما تزوج فوقها، إنما بقيت زوجته إلى أن ماتت ولم يتزوج عليها. وذكر خاصية رابعة: أن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم منها، وبنات النبي عليه الصلاة والسلام كلها، كلهن من خديجة رضي الله تعالى عنها، يعني الأحياء منهن، ومات بعضهم، هذا أيضاً من خصائصها رضي الله تعالى عنها وأرضاها. إذن هذه أربع خصائص لم يشاركها أحد من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم فيها. قال: وأمرها جبريل أن يقرأ عليها السلام من ربها ويبشرها ببيت في الجنة من قصب. وهذا يدل على فضلها رضي الله عنها، يأتي جبريل فيقرئها السلام من الله، سبحان الله، ويبشرها بالجنة، فهي رضي الله تعالى عنها من المبشرات بالجنة، ومما نؤمن بذلك لأن قالوا: يبشرها ببيت في الجنة، يعني بيتاً لها من قصب، والقصب هو اللؤلؤ المجوف، واسع كالقصر المنيف. وجاءت في بعض الحديث: من قصب لا وصب فيه ولا صخب، يعني ما فيه تعب، وما فيه لغو ولغط وكلام مرتفع، ولا شيء. وهذا الحديث في الصحيح. قال: تحنثه في غار حراء. قال: ثم حبب إليه الخلاء والتعبد لربه، فكان يخلو بغار حراء يتعبد فيه، وهو غار معروف مشهور. قال: وبغضت إليه الأوثان ودين قومه، لأنه أولاً كان على الفطرة عليه الصلاة والسلام، ثانياً من تهيئة الله عز وجل له بالرسالة، فكان عليه الصلاة والسلام يتعبد لله ويخلو بربه. وهذه الصفة قد كان عليها بعض العرب ممن كانوا على الفطرة، ومنهم ورقة بن نوفل، كان كذلك ممن يتعبد لله، وممن يبغض عبادة الأوثان التي كانت عليها قريش. قال: فلم يكن شيء أبغض إليه من ذلك، وهذا من عصمة الله عز وجل نبيه أنه عصمه من الوقوع في الشرك ومما يخل بالأخلاق الفاضلة. قال: وأنبته الله نباتاً حسناً حتى كان أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقاً، وأعزهم جواراً، وأعظمهم حلماً، وأصدقهم حديثاً، وأحفظهم لأمانة، حتى سماه قومه الأمين، لما جمع الله فيه من الأحوال الصالحة والخصال الكريمة المرضية. وهذا له أسباب، اتصاف النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الصفات له أسباب عدة: منها ما كان عليه من الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها، فلم يكن يخالط قومه في عبادة الأصنام والأوثان، وهذه عصمة من الله لنبيه. ومن هذه الأسباب: نزع العلقة من صدره كما ورد بذلك الأحاديث الصحيحة، شق الصدر وإخراج قلبه وغسله، وإخراج ما فيه مما يقع فيه الناس من المعاصي ومن المخالفات ونحو ذلك، فالله عز وجل صفا قلب نبيه من ذلك. ومن ذلك أيضاً، يعني من هذه الأسباب التي حفظ بها نبينا عليه الصلاة والسلام قبل البعثة: أنه ما كان يهم بشيء مما يضر به إلا صرفه الله عنه، مثل ما وقع في قصة أعراس بعض أهل الجاهلية وما فيها من الخمور والمعاصي، فلما أراد أن ينزل ألقى الله عليه النعاس، وهذا حديث صحيح، ووقع مرتين، فعصمه الله، فنام ولم ينزل ولم يحضر، وهذا من عصمة الله