الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 16، ألقاها
بدأ الدرس بشرح قاعدة فقهية أساسية وهي أن الواجب يسقط عند العجز عنه والمحرم يباح عند الضرورة، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
تناول المقطع الثاني قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، موضحاً استدلالها من القرآن الكريم، وضابط الضرورة وشروطها لارتكاب المحظور.
أوضح المقطع الثالث ضوابط قاعدة الضرورات تبيح المحظورات، منتقداً استخدام بعض المنتسبين إلى العلم لها بشكل غير صحيح ومبيناً أهمية الضوابط لتفادي التلاعب بها.
اختتم الدرس على أمل استكمال ما تبقى من القاعدة في الدرس اللاحق، مع ختم المجلس بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعدي رحمه الله: ومنها قولهم لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. فالشارع لم يوجب علينا ما لا نقدر عليه بالكلية، وما أوجبه من الواجبات فعجز عنه العبد سقط عنه. وإذا قدر على بعضه وجب عليه ما يقدر عليه، وسقط عنه ما يعجز عنه، وأمثلتها كثيرة جدا. وكذلك محتاج الخلق إليه لم يحرمه عليهم، والخبائث التي حرمها إذا اضطر إليها العبد فلا إثم عليه. فالضرورات تبيح المحظورات الراتبة والمحظورات العارضة، والضرورة تقدر بقدرها تخفيفا للشر. فالضرورة تبيح المحرمات من المآكل والمشارب والملابس وغيرها. قوله: ومنها، أي من الأصول والقواعد التي ذكرها العلماء واستنبطوها من أدلة الكتاب والسنة، قولهم: لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. هاتان قاعدة. الأولى: لا واجب مع العجز، معناها إذا عجز الإنسان عن الإتيان بالواجب فإنه لا يجب عليه ويسقط عنه هذا الواجب. ما هو الدليل؟ استدل العلماء بقول الله جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾، وقوله جل وعلا: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». إذن الله جل وعلا أسقط الواجبات التي يعجز عنها الإنسان. فإذا عجز الإنسان عن الإتيان بالواجب سقط عنه هذا الواجب، ولم يكلف به؛ لأنه ليس في طاقته، وليس في قدرته، وليس في استطاعته. والله جل وعلا رفع عنا الأغلال والآصار التي كانت في الأمم السابقة: ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾. هذا معنى هذه القاعدة، وهذا دليلها. مثاله: مثلا في باب الوضوء، إذا عجز الإنسان عن استعمال الماء، هو الآن يجب عليه أن يتوضأ. طيب لم يجد الماء، سقط عنه هذا الواجب. قد ينتقل إلى البدل، وهو التراب، لكن قد لا يجد التراب أيضا، فيصلي على حالته التي هو عليها. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. طيب كذلك أيضا في باب الصلاة، أمر أن يصلي قائما، عجز عن القيام، فيصلي جالسا، سقط عنه هذا الواجب. عجز عن الصلاة جالسا، صلى مستلقيا. ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. لا واجب مع العجز. هكذا أيضا في باب الصيام، المريض مرضا لا يرجى برؤه، أو الكبير في السن يعجز عن الصيام، سقط عنه الصيام، لكن يؤمر بالإطعام بدلا عن الصيام. لكن هذا الواجب الذي هو الصيام يسقط عنه؛ لماذا؟ بسبب العجز وعدم الاستطاعة. لا واجب مع العجز. ويسدل بها بعض أهل العلم على جواز صلاة المنفرد خلف الصف إذا لم يجد من يصلي معه. فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة المنفرد خلف الصف». ما يأتي الإنسان يصلي خلف الصف وحده، وهناك مثلا في الصف فرجة، أو عنده من سيصلي معه، فلا يجوز أن يفعل ذلك. لكن إذا جاء مثلا وقد اكتمل الصف، ولا يوجد أحد يصلي معه الآن، هذا الواجب عجز عنه. فهنا قال بعض أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وابن القيم، جاز له أن يصلي خلف الصف؛ لأن هذا واجب عجز عنه. ولا واجب مع العجز. قال: ولا محرم مع الضرورة. وهنا قال: ما عجز عنه العبد سقط عنه، وإذا قدر على بعضه وجب عليه ما يقدر عليه، يعني إذا كان ما عجز عنه لا يستطيع أن يأتي به، لا يستطيع أن يأتي به ولو بشيء منه، سقط عنه. مثل فاقد الطهورين، ما يستطيع لا يتوضأ ولا يتيمم، سقط عنه هذا الواجب الكلية. وإذا كان يقدر على البعض أتى بما يستطيع، كما في حال الصلاة، ما استطاع القيام، لكن يستطيع الجلوس، يصلي وهو جالس، يأتي بما يستطيع من هذا الواجب. قال: «ولا محرم مع الضرورة»، أي عند وجود الضرورة التي يضطر الإنسان إلى دفعها، فإنه يباح له فعل الحرام. يباح له فعل الحرام. فالضرورات تبيح المحظورات. واستدل العلماء بقول الله جل وعلا حين ذكر المحرمات من المطاعم: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير﴾، ثم بعد ذلك استثنى جل وعلا عند الضرورة: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾. وقال جل وعلا: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فلا إثم عليه﴾. فأباح الله جل وعلا أكل الميتة إذا اضطر الإنسان. وهذا لا شك أنه دليل صريح على هذه القاعدة أن الضرورات تبيح المحظورات. ولهذا جاز للإنسان في حال فرط الجوع وخشية الهلاك أن يأكل من الميتة. لكن ما هو ضابط الضرورة؟ ضابط الضرورة هو ما كان في عدم دفعها ضرر في أحد الضرورات الخمس، يعني إذا لم يدفعها الإنسان أصابه الضرر في دينه، أو في عقله، أو في ماله، أو في عرضه، أو في نفسه. فإذا كان الحال على هذا الوصف فهي ضرورة تبيح له ارتكاب الحرام. ليست الضرورات بالهوى، يقول الإنسان هذه ضرورة فيرتكب الحرام وهو في الحقيقة ما وصل إلى حد الضرورة. ولهذا ذكر العلماء شروطا ينبغي أن تتوفر حتى يرتكب هذا المحظور، حتى يكون قد بلغ مبلغ الضرورة. ومنها أولا: أن يكون الضرر متحققا، أن يكون الضرر متحققا إن لم يفعل هذا المحظور حصر له هذا الضرر. والأمر الثاني: أن يكون ارتفاع هذا الضرر كذلك متحققا بارتكاب هذا المحظور، أن يكون ارتفاع الضرر متحققا بارتكابه لهذا المحظور. والأمر الثالث وشرط الثالث: أنه لا يجد سبيلا غيره، ما عنده طريق إلا ارتكاب هذا المحظور حتى يرفع هذا الضرر. والأمر الرابع: أن يكون استعماله لهذا المحظور على قدر ما ترتفع به الضرورة، على قدر ما ترتفع به الضرورة. وهذا ما يسميه العلماء بقولهم: الضرورة تقدر بقدرها، كما سيأتي الكلام عليها. فهذه شروط مهمة ينبغي أن تتوفر في هذا المحظور الذي يراد ارتكابه لأجل دفع هذا الضرر. إذن فليس كل أمر يبيح للإنسان ارتكاب الحرام، وليس كل ضرورة. لكن الضرورة التي هي منضبطة بهذا الضابط. لأن بعض من ينتسب إلى العلم ربما يتلاعبون بهذه القاعدة، يتلاعب بهذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات، فيبيح للناس المحرمات من غير ضرورة. كما سئل أحدهم -أحد هؤلاء ممن يعني ينتمي إلى مناهج الإخوان- يسأل وهو يعتبر من كبار علمائهم، سئل عن بعض المسلمات التي يدرسن في بعض دول الكفر، ويؤمرن بنزع الحجاب حتى يتمكن من الدراسة في تلك المدارس، وإن لم يفعلن ذلك فصلن من الدراسة. فكان جوابه: أن هذا من باب الضرورة، يجوز أن تنزع الحجاب، وأن تدرس في تلك المدارس، واستدل بهذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. ما شاء الله، كأنها ستموت إذا ما درست في هذه المدرسة. وهذا من التلاعب بمثل هذه القواعد. وأطم من ذلك وأكبر: سئل عن ممارستهن للرياضة والسباحة، ألا أن تدرس يعني في مدرسة لابد أن تتعلم الرياضة، وأن تلبس لباس السباحة -معروف لباس السباحة الذي يلبس في دول الكفر- قال: لا بأس، بالضرورة، الضرورات تبيح المحظورات. الله المستعان. هذا أهل أشك أنهم من التلاعب في مثل هذه القواعد الفقهية التي ضبطها العلماء وقيدوها بقيود، وكذلك أيضا بضوابط منضبطة حتى لا يحصل بها التلاعب والتساهل في استعمالها. قال: قلنا: ولا محرم مع الضرورة. والعلماء كذلك يقيدون هذه القاعدة بقولهم: الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها. فإذا علمنا الآن أن الضرورة تبيح للإنسان ارتكاب الحرام، مثل أكل الميت للمضطر، وكذلك أيضا التلفظ بكلمة الكفر للمكره. للمكره إذا أكره الإنسان على الكفر، إما أن تقول كلمة الكفر أو تقتل، هو الآن مكره في حال الضرورة يحتاج أن يرفع هذا الضرر عنه، فأجاز له الشرع أن يقول كلمة الكفر. هذا من باب هذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. كذلك أيضا حرمة قتل المسلم، هذا شيء معلوم. فإذا اضطر إلى ذلك، إذا اضطر إلى ذلك جاز له ذلك. مثل ماذا؟ المعتدي الصائل، اعتدى إنسان عليك، أراد قتلك أو أخذ مالك، الشرع أجاز لك أن تدافع عن نفسك، تدفعه بالأخف فالأخف، من دفع إلا بالقتل جاز لك قتله، ودمه هدر. هذا من باب هذه القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات. لكن قيدها العلماء بقولهم: بشرط عدم نقصانها عنها. ما معنى عدم نقصانها عنها؟ يعني لا يكون هذا المحظور ماذا؟ أعظم من الضرورة أو أشد من الضرورة. مثلا: أكره إنسان على قتل شخص، إما أن تقتله وإلا قتلناك. طيب هل يقول الآن: أنا مكره وفي حال الضرورة سأقتله حتى أفدي بنفسي؟ الجواب: لا. في مثل هذه الحالة ما يجوز لك أن تقتله، ولا تقول أن المضطر إلى قتله. فليس ماذا؟ نفسك بأولى من نفسه. هكذا أيضا في باب الزنا، لو أكره على الزنا، قيل له: اذن وإلا قتلناك، ما جاز له أن يرتكب الزنا. فهذا معنى قولهم: بشرط عدم نقصانها عنها، لا بد أن يكون ماذا؟ الضرورة أعظم من المحظور، تكون ارتكاب الضرورة أو ارتكاب هذا المحظور ماذا؟ أولى وأعظم من الضرورة. طيب نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى إن شاء الله من القاعدة في الدرس اللاحق. إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.