شرح الأصول الستة 5

شرح الأصول الستة 5

الدرس في شرح الأصول الستة 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

تعريف الشرك وأقسامه

يُعرَّف الشرك في اللغة والشرع، ويُناقش تقسيمه إلى أكبر وأصغر وظاهر وخفي. يشمل التعريف الشرعي اتخاذ غير الله إلها معبودًا أو تسوية غير الله بالله في خصائصه.

تفصيل أقسام الشرك

يناقش تقسيم الشرك إلى أكبر وأصغر وظاهر وخفي، مع توضيح أمثلة لكل قسم. يشمل الشرك الأكبر الظاهر عبادة الأصنام، والخفي التوكل على غير الله، بينما يشمل الشرك الأصغر الظاهر الألفاظ الشركية وتمائم، والخفي الرياء.

الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر

يُوضح الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر من حيث التعريف والأحكام، مثل الحكم بكفر مرتكب الشرك الأكبر وخروجه من الملة وخلوده في النار، مقابل أن الشرك الأصغر وسيلة قد تؤدي إلى الشرك الأكبر.

حكم الشرك الأصغر ومغفرته

يتناول آراء العلماء المختلفة حول حكم الشرك الأصغر ومغفرته، حيث اختلفوا بين من يرى أنه لا يغفر وبين من يرى أنه تحت مشيئة الله مثل سائر الذنوب.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الأول إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة. قلنا: إخواني في الله، وقد مر معنا ما يتعلق بهذه الفقرة وبهذا الأصل من التنبيه على إخلاص الأمر والدين لله جل وعلا، وهكذا التحذير من الشرك بالله سبحانه وتعالى. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى أن المسلم كما يتعرف على أمر الإخلاص، فعليه أن يتعرف على أمر الشرك، والشرك له إخواني مسائل عديدة متعلقة به. من أعظم المسائل المتعلقة بالشرك أن يتعرف إلى تعريفه، ما معنى الشرك؟ الشرك له معنى في اللغة، وله معنى كذلك في لسان الشرع. أما الشرك لغة، يقول علماء اللغة: الشرك مأخوذ من الشركة، أي جعل شريك. فقولك: أشركته في الأمر، أي صيرته شريكًا. هذا كما في قوله تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي اجعله لي شريكًا. فهذا معنى الشراكة ومعنى الشركة ومعنى الشرك في اللغة، واتخاذ شريك. ومن تأمل في اصطلاح العلماء في اصطلاح الشرع، يجد أن المصطلح الشرعي أو التعريف الشرعي مأخوذ ومتأخذ ومنبثق من التعريف اللغوي لمعنى الشرك. العلماء في تعريفهم للشرك لهم أقوال عديدة؛ لأن الشرك يختلف في صوره، فكان من المناسب قول من يقول: إن الشرك له عدة تعريفات؛ تعريف عام، وتعريف شمولي، وهناك تعريف خاص. لابد أن يميز الشرك بذكر أنواعه، فعندنا تعريف للشرك العام، وللشرك الشمولي لجميع صوره، وهناك شرك خاص. فأما تعريف الشرك العام، يقول العلماء: هو تسوية غير الله بالله تعالى فيما هو من خصائصه سبحانه، فهذا التعريف هو تعريف للشرك العام. أنك تسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. وهذا التعريف تعريف عام وشامل لجميع أنواع الشرك، سواء كان الشرك في الربوبية أو الشرك في الألوهية أو شرك في الأسماء والصفات. فكونك تساوي وتسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله، من ذلك من خصائص الله جل وعلا أنه المستحق أن يعبد، فهو المعبود جل في علاه. فإذا ساويت أحدًا بالله في هذه الخاصية بأن جعلت أحدًا يعبد مع الله، فأنت مشرك. وهكذا قل من خصائص الله ما يتعلق بربوبيته. فإن الله جل وعلا اختص بأفعال له جل في علاه، من خلق ومن إحياء ومن إماتة ومن نشر ومن رزق. فالله هو الخالق، فلو قام قائل وقال: إن فلانًا من الناس هو خالق، فأعطى لهذا الرجل الصبغة من خصائص الله، فإن من خصائص الله الخلق، الخلق لله جل وعلا. فإذا جعلت هذا الفعل، وسويت به غير الله، وقلت: الله خالق، وفلان خالق، فهذا كذلك من الشرك. لماذا؟ لأنك سويت غير الله بالله في شيء من خصائص الله، وهو في توحيد ربوبية. وهكذا قل في باب الأسماء والصفات. فالله جل وعلا له هذا الباب، فله الصفات جل في علاه، وإله الأسماء الحسنى، فادعوه بها. فلو جاء أحد من الناس وأعطى لأحد من المخلوقين صفة أو اسمًا لا يليق إلا بالله جل وعلا، فهذا دخل في الشرك. مثاله: من صفة الله جل وعلا أن الله يتصف بالعلم سبحانه وتعالى، وعلم الله المقصود به العلم الكامل. والعلم الكامل هو الذي لم يسبق بجهل، ولا يلحق بنسيان. هذا العلم الكامل لا يكون إلا لله جل وعلا، صفة من صفات الله جل وعلا. لا أحد يساوي الرب جل وعلا بهذه الصفة. فلو أن إنسانًا قال: إن فلانًا عنده من هذا العلم، عنده من العلم الكامل، فلانًا من الناس عنده من العلم الكامل الذي هو لم يسبق بجهل، ولم يلحق بنسيان، يقول: هذا من الشرك. لماذا؟ من الشرك؛ لأن هذا العلم وصف من صفات الله، من خصائص الله سبحانه وتعالى. فعلى هذا التعريف، أن هذا التعريف يدخل فيه جميع أنواع الشرك؛ الشرك الألوهية، وشركه الربوبية، وشركه في الأسماء والصفات. وهو أنك تساوي وتسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. ربنا اختص بأمور في ألوهيته، وفي ربوبيته، وفي أسمائه وصفاته. فلو جعلت كائنًا من كان يساوي الرب جل وعلا في هذه الخصائص، فسويت مخلوقًا بألوهية الله، أو سويت مخلوقًا بربوبية الله، أو سويت مخلوقًا بأسماء وصفات الله، فاعلم أنك مشرك. وهذا كما قلنا ما يسميه العلماء التعريف العام لمعنى الشرك، هو أن تسوي غير الله بالله فيما هو من خصائص الله سبحانه وتعالى. وأما التعريف الآخر، وهو تعريف خاص، والذي يعرفه العلماء بقولهم: اتخاذ غير الله مع الله إلها معبودًا. وهو أنك تتخذ شيئًا من الأشياء إلها يعبد مع الله سبحانه وتعالى. هذا هو الشرك. وهذا النوع الأخير من أنواع الشرك، وهذا الذي يراد عند الإطلاق، إذا قيل: شرك، فالمقصود بهذا الشرك من أنواع الشرك في العبادة، وهو شرك العبادة، وشرك بالله سبحانه وتعالى. أن تتخذ غير الله مع الله إلها تعبد الله وتعبد غير الله، هذا المقصود بهذا التعريف الثاني. وتلاحظون أن التعريف الثاني أخص، التعريف الثاني أخص، مختص بالألوهية، بخلاف التعريف الأول عام شامل، يدخل في الألوهية والربوبية والأسماء والصفات. إذن هذا يا إخواني ملخص ما يتعلق بتعريف الشرك في اللغة وفي الشرع. ففي اللغة هو اتخاذ شريك، أكما كان، كما في قولي تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي جعله لي شريكًا. وأما ما يتعلق بالشرع، فالشرك له معنى خاص، وله معنى عام. وقد مر ذلك معنا. ننتقل الآن لمسألة ثانية، ومما يتعلق بمعرفة الشرك وما يتعلق بكونه وماهيته، أن نتعرف إلى أقسام الشرك. الشرك إخواني في الله ليس قسمًا واحدًا، بل هو يختلف، يختلف في أحكامه، ويختلف في مدلولاته. فعلى إثر هذا الخلاف الموجود في الشرك، لابد أن يقسم. وهنا تنوعت كلام العلماء في تقسيمهم وتقاسيمهم للشرك إلى ماذا ينقسم؟ فمن أهل العلم من ذهب إلى أن الشرك ينقسم إلى قسمين: إلى شرك ظاهر، وإلى شرك خفي. نبدأ في هذا التقسيم، وقالوا: بأن الشرك الظاهر ينقسم إلى قسمين: إلى شرك أكبر وأصغر. وأن الشرك الخفي ينقسم كذلك إلى قسمين: إلى شرك أكبر وأصغر. هذا التقسيم الأول قول جماعة من أهل العلم: أن الشرك ينقسم إلى قسمين: إلى شرك ظاهر واضح محسوس ملموس يرى، وإلى شرك خفي لا يظهر للعيان، شرك خفي. وأن الظاهر ينقسم إلى قسمين: منهما هو شرك ظاهر أكبر، ومنهما هو شرك ظاهر أصغر. وأن الخفي بالمثل، هناك الشرك الخفي، منهما هو أكبر يخرج من الدين والملة، ومنهما هو أصغر لا يخرج من الدين والملة. هذا تقسيم الأول لبعض العلماء. ومن أهل العلم من قسم بتقسيم آخر، وقال: الشرك ينقسم إلى أقسام ثلاثة: إلى شرك أكبر، وإلى شرك أصغر، وإلى شرك خفي. وجعلوا ما يتعلق بالشرك الخفي هو الشرك المتعلق بأمر الإرادات، بأمر الإرادات. هذا التقسيم الثاني. هناك جماعة من أهل العلم، وهذا الذي عليه الأكثر، وعليه العمل عند المتأخرين: أن الشرك ينقسم إلى قسمين: إلى شرك أكبر وأصغر. وبهذا تجتمع الأمور، وهذا كما قلنا الذي عليه العمل، والذي عليه غالب ما يتكلم به المحققون من العلماء في كتب التوحيد: أن الشرك ينقسم إلى أكبر، وينقسم إلى أصغر. نبقى الآن مع هذا التقسيم المعروف والمعلوم والمشهور عند الناس: بأن الشرك على قسمين: أكبر وأصغر. الذين قالوا بهذا كذلك يحتاجون إلى تقسيم، ونتنبهوا الآن إلى التقاسيم الموجودة في هذا القسم الأخير. قالوا: إن الشرك الأكبر ينقسم إلى قسمين: إلى شرك أكبر ظاهر، وإلى شرك أكبر خفي. وأن الشرك الأصغر ينقسم كذلك إلى قسمين: إلى شرك أصغر ظاهر، وإلى شرك أصغر خفي. نأتي الآن للتمثيل لكل مسألة من هذه المسائل التي نبه عليها العلماء. أي نأتي إلى الشرك الأكبر، وسيأتينا أن نشارك مع هذا بعد هذه الفقرة ما يتعلق بما هو الضابط في معرفة الشرك الأكبر والأصغر، ثم مسألة أخرى: ما هو الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؟ نبقى الأول للتقاسيم. يقول العلماء: إن الشرك الأكبر ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر يعني خلاصته يخرج من الدين والملة، وهذا الشرك الأكبر منه ما هو ظاهر، ومنه ما هو خفي. مثال الظاهر، قالوا: شرك أكبر ظاهر مثل أن تعبد الأصنام والأوثان، تأتي إلى صنم تطوف حوله، تأتي إلى صنم تدعوه بلسانك، فهذه الأفعال منك شرك أكبر ظاهر، ظاهر واضح، شيء مادي محسوس. وقالوا: وقد يكون هذا الشرك الأكبر خفيًا ليس بظاهر، مثل ماذا؟ قال: كأن تتوكل عليه، كأن تتوكل على الأصنام، ترى رجلًا أمامك، ومع ذلك تجد أنه وقع في الشرك الأكبر، لكنه خفي. كيف خفي؟ أنه أشغل قلبه، فجعل التوكل - وهي عبادة لله جل وعلا - جعلها لغير الله. فأشغل قلبه، وجعل أن حياته، وأن ما يتعلق بقضاء حوائجه متوكل به على غير الله جل وعلا، على صنم، على وثن، على حجر. طبعًا هذا ما سيظهر، ما سيظهر في أفعاله وسلوكياته، لكن هذا أمر قلبي، فسماه العلماء شركًا أكبر خفيًا. شرك أكبر خفي؛ لأنه خفاء يخفى على الناس. فقال العلماء: إذن الشرك الأكبر على قسمين: منه ما هو شرك أكبر تفعله يظهر واضحًا بيانًا، وهي نواقض كثيرة. وإما قد يكون أن هذا شرك أكبر، لكن خفي، مثل التوكل، التعظيم، المحبة، الإجلال، الخوف، الرجاء، من أعمال القلوب تصرف هذه الأعمال - وهي عبادات قلبية - تصرفها لغير الله، فقد وقعت في الشرك الأكبر. هذا ما يتعلق إذن بالشرك الأكبر، منه ما هو خفي، ومنه ما هو ظاهر. ننتقل إلى الشرك الأصغر، وهو شرك لا يخرج عن الدين، ولا يخرج عن الملة، كما سيأتي بيانه. يقول العلماء: الشرك الأصغر هو كذلك ينقسم إلى قسمين: إلى شرك ظاهر، شرك أصغر لكنه ظاهر يظهر للناس، وهناك شرك أصغر لا يظهر للناس. قالوا: ما يتعلق بالقسم الأول، وهو شرك أصغر ظاهر يظهر للناس، قالوا: إن هذا إما أن يظهر بالأفعال، أو يظهر باللسان. الشرك الأصغر الظاهر منه ما قد يصدر من اللسان، ومنه ما قد يقع في الأفعال. مثال ما قد يقع باللسان من الشرك الأصغر الظاهر: الألفاظ الشركية، كأن تقول: ما شاء الله وشئت، أو أنك تحلف بغير الله، فهذا من الشرك الظاهر الأصغر، من الشرك الظاهر الأصغر، وهذا باللسان. تعليق بغير الله، تأتي بهذه العبارات الشركية التي تجعلها شريكًا، من غير اعتقاد، تقول: ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك. هذا الشرك أصغر ظاهر باللسان. وهناك الشرك أصغر ظاهر بالفعل، مثل لبس الحلقة، ولبس الخيوط والتمائم، وهذا في حق من اعتقدها سببًا، فهذا من الشرك الأصغر. تعلق التميمة، تعلق الحبال، تعلق مثل هذه الأشياء: الطلاسم، والحروز، والخيوط، وتظن أنها سبب للنفع والضر، فإن هذا من الشرك، فهذا من الشرك الأصغر. وقلنا: وطبعًا هذا شرك فعلي ظاهر. فإذن الشرك الأصغر الظاهر منهما يكون بالفعل، ومنهما يكون كذلك بالقول. أما الشرك الأصغر الخفي، قال العلماء: وهو كيسير الرياء، اليسير من الرياء، هذه تجعل صاحبها من أصحاب الشرك الأصغر، من أصحاب الشرك الأصغر الخفي. فهذا إخواني في الله خلاصة مما يتعلق بهذا التقسيم. فنعيد التقسيم، وهو الذي عليه العمل عند كثير من العلماء: أن الشرك على قسمين: شرك أكبر، وشرك أصغر. وشرك الأكبر ينقسم إلى قسمين: إلى ظاهر، وإلى خفي. وأن الشرك الأصغر ينقسم إلى ظاهر، وإلى خفي. وأن الشرك الأكبر الظاهر كعبادة الأصنام، كالطواف والذبح لها. والخفي منها ما كان من عبادة القلوب، تجعل لغير الله جل وعلا، كالمحبة والتوكل. وأما الشرك الأصغر الظاهر، إما يكون باللسان كالألفاظ الشركية، وإما يكون بالفعل كما قلنا كلبس التمائم والحلق. وأما الشرك الأصغر الخفي، يقول العلماء: كيسير الرياء. فهذا إخواني في الله ما يتعلق بهذا وذاك. نأتي الآن لمسألة مهمة تتعلق بأمر الشرك الأكبر والأصغر، وهي: ما الضابط؟ ما هو الضابط في أن تتعرف أن تعرف أن هذا شرك أكبر، وأن هذا شرك أصغر؟ قبل هذه إخواني مسألة، ربما هذه فائدة مثل هذه التقسيمات، وهذه التفاصيل التي يذكرها العلماء هي مبسوطة ومذكرة عند أئمتنا، يذكرونها. وهذا إخواني أعطيكم معرفة لأهمية هذا الفن، ولهذا العلم، وهو علم التوحيد. وأن التهاون والتساهل في هذا الأمر وفي هذا العلم ليس من فعل علمائنا، ولا من فعل سلفنا. فالعلماء يتوسعون في هذه المسألة التفصيلية، إذا كان في باب الأخلاق والآداب، وهي ذاك، وهي من أمور شرعية اهتم بها العلماء. فما ظنك يا عبد الله بأمر العقيدة والتوحيد الذي به إسلام العبد واستقامته، وتنزل عليه الكرامات إذا كان موحدًا لله، والعكس بالعكس إذا فرط الإنسان بهذا العلم وبهذا الفن من أقسام التوحيد، فإنه يهلك في الدنيا والآخرة. فالعلماء رحمه الله تعالى اهتموا بهذه المسألة، وبهذا العلم خاصة، فألفوا فيه المؤلفات، منها المختصرة، ومنها المتوسطة، ومنها المبسوطة، وهي المطولة المجردة، وذلك لأهمية هذا الفن. فقصد من هذا إخواني المقدمة أن نعلم أن قول من يقول - كما أسمع من بعض الدعاة - أن مسألة التوحيد ومسألة العقيدة أمورها سهلة. كما يقول بعضهم: قال يمكن في خمس دقائق أن تتعرف على مسألة التوحيد، كيف هذا؟ خمس دقائق تتعرف على مسألة التوحيد. انظر إذا وقفنا عند هذا الباب، باب الشرك فقط، إذا خضنا فيه - كما يقال - في ساحل من سواحله، إذا كان رؤوس الأقلام. لو توسع، لو توسع من توسع في معرفة ما يتعلق بما هي الشرك في أقسامه وصوره وتعاريفه وأنماطه وحكم صاحبه، وقس على ذلك تحت كل أصل التفاريع، كم يحتاج؟ لا تقول إلا أيام، وإلا شهور، بل عمر كامل ستفن به الأعمار حتى تتعرف إلى حقيقة من حقائق التوحيد. وهكذا كان إخواني في الله، شاء النبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة كم؟ ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى التوحيد، عمر كامل، ثلاثة عشر عامًا. وهل معنى هذا أنه لما ذهب إلى المدينة ترك التوحيد؟ حاشا، لكن كان في مكة دعوة خالصة للتوحيد، ثم ذهب إلى المدينة كذلك، جاءت الشرائع، ولا زال التوحيد مستمرًا. ما فارق نبينا الدنيا، ولا فارق الحياة عليه الصلاة والسلام، إلا وعليه الصلاة والسلام يدعو الناس إلى معلم من معالم التوحيد. قال: وهو يعاني ويعالج سكرات الموت صلوات ربه وسلامه عليه: «لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». مسألة من مسائل التوحيد، من أول دعوته إلى منتهاها صلوات ربه وسلامه عليه، كلها مكرسة في التوحيد، إما إجمالًا أو تفصيلًا، إما إلماحًا أو إضاحًا. دعوة فكان أهل السنة على هذا الحال، فينبغي إخواني في الله للناس أن يرفعوا رأسًا بهذا العلم، بالاهتمام به، وبقراءته، والاطلاع عليه، ومعرفة أقسامه وتفاصيله، حتى يتعبد الله جل وعلا على بينة. فشهد إخواني في الله، فلابد لطالب العلم خاصة - إذا كان هذا مما يقال للناس عامة - فما ظنك بطالب العلم؟ فله من باب أولى وأولى أن يحرص، وأن يتعرف في مثل هذا الأمر العظيم، بالتفاصيل والتقاسيم، وما يذكر هنا عبارة عن رؤوس أقلام فقط. وإلا من نظر إلى المطولات، وإلى الكتب التي قد فصلت في هذا الأمر، يجد مسائل عظيمة ومهمة، ما ينبغي لطالب العلم أن يتجاهلها. ننتقل إخواني في الله إلى مسألة مهمة كذلك، مسألة متعلقة بالشرك، ما هو الضابط؟ كيف تضبط هذا القسم، وكيف تضبط القسم الثاني؟ ما هو الضابط في الشرك الأكبر، والضابط في الشرك الأصغر؟ العلماء ذكروا ضوابط عديدة، وهنا نختصر المقام على ضابط ذكره الإمام السعدي رحمه الله تعالى في رسالته، وهو القول السديد في شرحه لكتاب التوحيد. ففي هذه الرسالة رحمه الله تعالى ألمح إلى ذكر الضابط من الضابط الذي به تميز الشرك الأكبر يا عبد الله من الشرك الأصغر. فقال رحمه الله تعالى: بأن يعني بيعني كلامه - يراجع في هذا المرجع - قابله رحمه الله تعالى: أن الشرك الأكبر ضابطه هو صرف نوع من العبادة لغير الله، صرف نوع من أنواع العبادات لغير الله، قولية أو فعلية أو اعتقادية. كل ما ثبت بالدليل على أنواع عبادة من العبادات، فصرفه لغير الله، هذا هو من الشرك الأكبر. هذا من الشرك الأكبر، وقس على هذا. وهذا ضابط يمشي معك في كل أمورك، مهما رأيت مسألة، وهذه مسألة محكوم عليها بأنها عبادة من العبادات الشرعية، فصرفها لغير الله جل وعلا، فيكون صاحبها من الذين قد أشركوا الشرك الأكبر. وأما الشرك الأصغر، فقد نبه رحمه الله تعالى أن كل ما كان ذريعة، كل ما كان طريقة يتوصل بها إلى الشرك الأكبر، فهو من الشرك الأصغر. هذا الضابط في الشرك الأصغر: أن كل ما كان ذريعة، وكل ما كان طريقة للوصول، انظر للوصول، يعني: إذا فعلت الفعلة، وهذه الفعلة توصلك إلى الشرك الأكبر، فهذه الطريقة، وهذه الوسيلة التي اتخذتها تعتبر من الشرك الأصغر. فهذا ضابط أخي في الله في معرفة ما يتعلق بالشرك الأصغر. وقلنا: هذا كما ذكره الإمام السعدي رحمه الله تعالى في رسالته. وطبعًا هناك ضابط أخرى. وأضيف هنا ضابط آخر يذكره العلماء في تعرف الشرك الأصغر، ولعلها سيأتي معنا بإذن الله. وهو قال العلماء: كل الشرك الأصغر من جعل كل ما جعل سببًا، وهو ليس سببًا لا شرعيًا ولا كونيًا، فهو الشرك أصغر. من اتخذ سببًا من اتخذ سببًا، وهو ليس سببًا لا شرعيًا ولا كونيًا، فهو من الشرك الأصغر. وهذا كالضابط الثاني يذكره العلماء في التفريق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. نبقى مع الفرق الأول: أن من صرف عبادة من العبادات لغير الله، قولية أو قلبية أو فعلية أو اعتقادية، فهو شرك أكبر. وكل ما اتخذ وسيلة توصله إلى الشرك الأكبر، فهذا يكون من الشرك الأصغر. نأتي الآن إخواني في الله مسألة مهمة، وهي: طب ما الفرق من حيث الأحكام؟ ما الفرق بين الشرك الأكبر وبين الشرك الأصغر؟ الفروق كثيرة بين هذا الباب، نقل تصل إلى بعضها. طبعًا منذ ذكر أدلة؛ لأن المقام قد انتهى. لكن حتى نعضي الدرس حقهم، وهو آخر مبحث من مباحث الشرك. ما الفرق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر؟ ما حكم من وقع في الشرك الأكبر؟ ما حكمه؟ وما حكم من وقع في الشرك الأصغر؟ أي من أحكام الدنيا والآخرة. ننترك الأحكام، يقول علماء: من وقع في الشرك الأكبر، فقد خرج من الدين والملة، خرج من الدين والملة، لا يحسب من أمة محمد. أما من وقع في الشرك الأصغر، فهو لا زال من أمة محمد. هذا فارق، هذا فارق. هذا يكون كافرًا، خرج من الدين، وخرج من الملة. وأما الثاني ما خرج من الدين والملة. الفارق الثاني: أن الذي وقع في الشرك الأكبر يكون يوم القيامة خالدًا مخلدًا في نار جهنم، من مات على الشرك الأكبر يكون خالدًا مخلدًا في نار جهنم. أما من وقع في الشرك الأصغر، فإنه لا يخلد في نار جهنم. الفارق الثالث: أن من وقع في الشرك الأكبر، فإنه يكون مباح الدم والمال، أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فمن كان من الوارد الذي وقع في الشرك الأكبر، في كل ماذا؟ حلاله الدم والمال. أما من وقع في الشرك الأصغر، فهو معصوم، لا يباح دمه، معصوم الدم، ومعصوم المال. كذلك مما يذكر من الفوارق بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر، وهي مسألة خلافية، ما يتعلق بالمغفرة. الشرك الأكبر صاحبه لا يغفر له، وهذا لا إشكال فيه. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ صاحب الشرك الأكبر لا يطمع أبدًا بمغفرة الله جل وعلا، ولو فعل ما فعل من صالحات، ومن طاعات، ومن عبادات. كما كان العرب الجاهلية عندهم صالحات وأعمال صالحة فعلوها في أوقات في جاهليتهم، لكن ما نفعت، ولا شفعت لهم. لماذا؟ لأن الشرك ماذا؟ لا يغفر له. بقي خلاف الشرك الأصغر، هل يغفر لصاحبه أم لا يغفر لصاحبه؟ يرى بعض العلماء أن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه، مثاله: رجل وقع منه شرك أصغر، فيوم القيامة، قالوا: إن هذا يعذب، هذا يعذب على قدر شركه، يعذب، يعذب، ثم بعد ذلك بعد ما يعذب يهذب من ذنبه، وبعد ذلك ماذا؟ يكون أمره إلى جنة أو إلى نار، لا بد يعذب. وأنه ليس تحت المشيئة، وأن الشرك الأصغر إذا وقع من إنسان، فإن الله لا يغفر لصاحبه في هذه الجزئية. ومن أهل العلم من يرى أن الشرك الأصغر هو حال كحال سائر الذنوب والمعاصي، وإن كان هو أعلى رتبة، لكن في جنس المعاصي، فهو تحت مشيئة الله. إن شاء ربنا غفر له، وإن لم يشأ لم يغفر له، يعذب على قدر ذنبه، ثم يرجع إلى الجنة؛ لأنه لا زال من أمة محمد. فهذه مسألة اختلفية العلماء، والوجه الخلاف حتى في باب الإعراب لهذه الآية، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾. ذهب جماعة من العلماء إلا أن هذه الآية فيها دلالة على أن الشرك الأصغر لا يغفر لصاحبه. وجه الدلالة وهو من حيث الناحية الإعرابية واللغوية، قالوا: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أن «أن» كما عند من يدرسها في علم النحو: أن حرف نصب ومصدر. وكون «أن» حرف مصدر، «أن» تنسبك ما بعدها، تنسبك ما بعدها على تأويل مصدر، على تأويل مصدر. فقالوا: هنا لو جئنا «أن» وما الذي بعدها «يشرك» فقالوا: فنأتي بمصدر «يشرك» ما هو؟ إشراكًا. فيكون تقدير الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِشْرَاكًا بِهِ﴾ هكذا تأويل الآية؛ لأن «أن» وما دخلت عليهم الفعل مبارع في تأويل مصدر. فيكون تقدير الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِشْرَاكًا بِهِ﴾ إذن هذا تقدير الآية. أن نطبق قاعدة أصولية عند الفقهاء، عند العلماء، عند الأصوليين، وهي: إشراكًا مصدر، وهي نكرة. ونكرة هنا في سياق نفي، والقاعدة عند الأصوليين: أن النكرة في سياق نفي ماذا تفيد؟ تفيد العموم. تفيد العموم. إذن معنى الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ إِشْرَاكًا بِهِ﴾ أي أن الله جل وعلا لا يغفر لأي شرك، لا يغفر لأي شرك، كبر عظم، صغر حقر، أكبر، أصغر، لا يغفره الله جل وعلا. إذن واضح. إذن من استدل بهذه الآية استدل بهذه الأمور من ناحية اللغوية، ومن ثم التطبيق ماذا؟ الأصولي لهذه الكلمة، ولتأويل «إشراكًا به». ولهذا ذهب جماعة من أهل العموم إلى ذلك. وغالب أئمة الدعوة على هذا: على أن الشرك الأصغر صاحبه وليس تحت مشيئة الله، وليس تحت المشيئة، بل إنما يعذب، ولابد لهذا الشرك الأصغر. ومع ذلك يقول: أمره إلى الجنة؛ لأنه من أهل التوحيد عامة. وذهب جماعة من أهل العلم قالوا: لا، بل يقولون: إن الشرك الأصغر هو ماذا؟ تحت المشيئة، حاله كحال أي ذنب مما مات، مثل تميمة مما مات، فهو تحت مشيئة الله. إن شاء ربنا غفر له، وإن لم يشأ لم يغفر له. وردوا من باب الحجة، ردوا على القول الأول بأمر. قالوا: أنتم تقولون: بأن هذا اللفظ عام. نرجع كذلك إلى مسألة أصولية، مسألة أصولية، وهي: أن العموم عند أهل أصول على أمر الثلاث. اللفظ العام، والعموم عند العلماء على درجات الثلاث: إما عام باق على عمومه، وإما عام مخصوص، أو عام أريد به الخصوص. ثلاث مراتب. وهذا موجود عندها الأصول معروف: أن العام إما عام باق على عمومه، ما دخله شيء. وإما عام مخصوص، عام جاءت أدلة تخصصه، فخرج من عمومه إلى أضيق؛ لأنه مخصوص بأشياء. وإما عام أريد به الخصوص، هو عام لفظه لفظ عام، لكن إرادة الشرع من هذا لفظ العام أمر مخصوص. قال: وهذا الذي أراده الله بهذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ هو ظاهر العموم، لكن أراد الله ماذا به؟ الشرك الأكبر، أراد به الشرك الأكبر. طبعًا فهذا خلاصة المبحث، ولا تحت المباحث ترجع في مضانه. فهذا إخواني في الله خلاصة بالمسائل المتعلقة، وهي مهمة في هذا الباب، ينبغي التنبه عليها في مسائل الشرك، في معرفة تعريفه، وأقسامه، وضابطه، وهكذا الفروق التي تفرق بين الأكبر والأصغر. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.