شرح الأصول الستة 3

شرح الأصول الستة 3

الدرس في شرح الأصول الستة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في شرح معنى الأصل والإخلاص

يبدأ الشرح بتعريف الأصل لغة واصطلاحا، ثم ينتقل إلى أهمية الإخلاص في الدين. الإخلاص يعني تنقية الدين من الشوائب وتوجيه العبادة لله وحده.

تعريف الإخلاص وأهميته في الإسلام

الإخلاص في الإسلام يعني تصفية العمل والقلب من الشوائب وتوجيه العبادة لله وحده. وهو أساس قبول الأعمال عند الله، ويعرف بأنه إفراد الحق بالقصد في الطاعة.

عظمة الإخلاص وأثره في حياة المؤمن

الإخلاص هو شرط أساسي لقبول الأعمال عند الله، ومن أعظم مقامات الدين. تحقيق الإخلاص يفرج الكربات ويكرم صاحبه بمقامات عظيمة عند الله.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

الدرس ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مع اظهار التواضع والاعتراف بعلم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الأول إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله. في هذه الفقرة، وسيأتي بعدها وما يتبعها من كلمات ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، نقف عندها. ففي قول المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الأول، وهنا الشروع في البداءة بذكر الأصول الستة. ونقف عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: الأصل الأول، ما هو الأصل؟ يقول العلماء من أهل اللغة: الأصل ما يبنى عليه غيره. معنى الأصل هو ما يبنى عليه غيره. يقولون: أصل الجدار، أي أساسه. هذا أصل الجدار، أي أساسه. وكذلك الأصل هو ما يتفرع منه. ما يتفرع منه، فالأصل هو الذي يتفرع منه، مثل الشجرة، فإن أصل الشجرة ما يتفرع منها الأغصان. وكما في قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾، فهذا الأصل، الأصل هو أساس الشيء، وهو الذي يبنى عليه غيره، وهو الذي يتفرع منه. فهذا هو الأصل، وهذا معنى في اللغة. أما الأصل عند العلماء وعند الفقهاء، فهو يختلف. استخدم العلماء رحمه الله تعالى كلمة الأصل على كثير من المرادفات. فتارة يستخدمون الأصل بمعنى الدليل. يستخدمون كلمة الأصل بمعنى الدليل، تجد بعضهم سيقول: وأصل هذه المسألة هي في قوله تعالى كذا. والأصل في هذه المسألة ما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم كذا وكذا، فيذكر كلمة أصل هنا ويراد منها بمعنى الدليل. أو يقولون: وأصل هذه المسألة الكتاب والسنة، أي دليلها الكتاب والسنة. فهذه من استخدامات العلماء لكلمة الأصل، أنها تأتي بمعنى الدليل. وتأتي أيضًا بمعنى الراجح. بمعنى الراجح، تجد من ألفاظ العلماء يقولون: والأصل في الكلام الحقيقة دون المجاز. هنا كلمة أصل، ما الذي أرادوا منها؟ أرادوا منها بمعنى الراجح. الأصل في الكلام، أي الراجح في الكلام النوع الحقيقة دون المجاز. وأيضًا يستخدمون كلمة الأصل بمعنى القاعدة الكلية. القاعدة الكلية، يقولون مثلًا: إباحة الميتة للمطر على خلاف الأصل. إباحة الميتة للمطر هي على خلاف الأصل. هنا استخدموا كلمة أصل، ما الذي أرادوا هنا من كلمة أصل؟ هنا أرادوا منها أي القاعدة الكلية. إذ أن القاعدة هنا في هذا الباب أن الميتة لا تحل، هذا القاعدة الأصلية والكلية العامة أن الميتة لا تحل. لكن لما قالوا: وإباحة الميتة للمطر على خلاف الأصل، أي على خلاف القاعدة الكلية والأصل العام. فتستخدم كذلك الأصل هنا بمعنى القاعدة الكلية. وأيضًا يستخدمون كلمة الأصل بمعنى الاستصحاب. يقولون: الأصل براءة الذمة، الأصل في المياه الطهارة. هنا كلمة أصل، ما الذي أراده؟ هل أراده بمعنى الدليل؟ لا. ما أراده بمعنى الدليل ولا غيره، إنما أراده هنا الاستصحاب. أي إرجاع الأمر إلى ما كان عليه أولًا وإلى أصله، وهو بما يسميه العلماء والفقهاء بالاستصحاب. الأصل براءة الذمة، والأصل في المياه الطهارة، وشابه ذلك من العبارات التي استخدم العلماء في مثل هذا النمط من أنماط العبارة. وهكذا يستخدم كلمة الأصل بمعنى المقيس عليه. بمعنى المقيس عليه، وهذا اللفظ يستخدمه أهل الأصول في أصول الفقه، ومن درسها في أصول الفقه وخاصة في باب القياس. ويعلم أن القياس يقوم على أربعة أركان: إلى أصل معلوم، وإلى فرع مجهول، وإلى علة جامعة، وإلى حكم واحد. فهذه الأركان الأربع، من أولها أصل، ما المقصود بالأصل هنا عند أهل الأصول؟ عند الأصوليين، هل أرادوا بالأصل هنا القاعدة الكلية؟ لا. هل أرادوا هنا بالأصل الاستصحاب؟ لا. هل أرادوا هنا بالأصل الراجح؟ لا. هل أرادوا بالأصل الدليل؟ لا. إنما هذا نمط خاص ومصطلح خاص، فأرادوا بالأصل هنا المقيس عليه. إذ أنهم في القياس عندما يسمى أصل وفرع، فالأصل المقيس عليه، والفرع هو المقيس. هو المقيس يقاس الفرع على الأصل، فسموا هذا المقيس عليه سموه أصلًا. سموه أصلًا، فهذا أشهر العبارات والدلالات التي استخدمها العلماء رحمهم الله تعالى في كلمة الأصل. فقال مؤلفنا رحمه الله تعالى: الأصل الأول إخلاص الدين لله تعالى وحده لا شريك له. هذا أول أصل بدأ به المؤلف رحمه الله تعالى، وهي من الأصول العظيمة التي غابت وضاعت عن كثير من الناس. كما سيأتي بيانه في حينه. فالأول أصل وأهم أصل، وعليه تبنى الشريعة والدين والملة، إخلاص الدين لله جل وعلا. لكن ما معنى الإخلاص؟ يقول علماء أن كلمة إخلاص مردها إلى هذه الأحرف: إلى الخاء واللام والصاد. خالصًا، الخاء واللام والصاد. قال علماء: وهذه المادة مادة الخاء واللام والصاد تدور على التهذيب وتدور على التنقية. هذه الأحرف الثلاثة، الكلمات التي تتفرع منها والتي تتولد منها تدور على هذه المعاني: على معاني التهذيب وعلى معاني التنقية. ولهذا يعرفون العلماء كلمة الخالص: هو ما زال عنه شوائبه. الخالص هو ما زال عنه شوائبه. تقول: هذا شيء خالص، معنى خالص، أي ليس فيه شوائب. فهو يدور على معاني التنقية والتهذيب خالص. ولهذا في قوله تعالى: ﴿فَيَصِيرُ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾، لبنا خالصًا، معنى خالصًا، أي خاليًا من الشوائب. لم تكدره الشوائب، وليس فيه شيء من الترسبات ولا من العوالق التي تتعلق به، فهو خالص من الشوائب. فإذًا هذا أصل كلمة خالص، الخاء واللام والصاد تدل على التنقية، تدل على التهذيب، تدل على التصفية. ومن هنا تجد أن كلمة الإخلاص، وهي لفظة شرعية، أنها مستمدة من الأصل اللغوي. مستمدة من الأصل اللغوي. فتجد أن العلماء رحمهم الله تعالى عندما عرفوا كلمة الإخلاص، تجد أن مدار عباراتهم وتعريفهم لهذه الكلمة لكلمة الإخلاص أنها ترجع إلى هذه المادة: إلى مادة التهذيب والتنقية والتطهير. واختلفت عبارات السلف كما قلنا اختلافًا أي في الألفاظ، وإلا فالمعنى واحد والمعنى متقارب. ومن أشهر العبارات التي ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى في تعريف الإخلاص، منهم من قال: بأن الإخلاص هو القصد بالعبادة إلى أن يعبد الله وحده. القصد بالعبادة إلى أن يعبد الله وحده. وقيل كذلك في معنى الإخلاص، قالوا: هو تخليص القلب من كل شوب. هذا الإخلاص يعني: مهما سمعت من الآيات والأحاديث ومن عبارات سلفنا الآمرة والمقضية والمفضية إلى وجوب الإخلاص، فإن الإخلاص يأتي بهذا المعنى. كما قلنا القول الأول: هو القصد بالعبادة إلى أن يعبد الله وحده. ومنهم من قال: أن القصد هو تخليص القلب عن كل شوب. وقالوا كذلك في تعريف الإخلاص: هو تصفية العمل عن التهمة والخلل. الإخلاص تصفية العمل عن التهمة والخلل. أي أن العمل يصفى، العمل يصفى. القول الأول من ذهب إلى أن القلب يصفى، والثاني كذلك إلى أن العمل يصفى. يصفى العمل من كل تهمة وخلل. وقول كذلك كما قاله الجرجاني رحمه الله تعالى عندما أراد أن يعرف الإخلاص عند أهله، فقال: الإخلاص أن لا تطلب لعملك شاهدًا غير الله. أن لا تطلب لعملك شاهدًا غير الله سبحانه وتعالى. فأنت لا تجعل لأحد من البشر حظًا من المشاركة، وإنما إن وجد أحد يريد أن تشهده على عملك، فلا تجد إلا الله. من شدة قصدك لله جل وعلا أن أحدًا لا يدري عن عملك ولا يدري عن قلبك ولا عن لفظك، ما يدري بذلك إلا الله سبحانه وتعالى. وهذا هو الإخلاص، أن لا تطلب شاهدًا على عملك غير الله. إن كان هذا حالك، فأنت المخلص. أي أن أعمالك لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. وقيل أيضًا في تعريف الإخلاص، قال: هو إفراد الحق بالقصد في الطاعة. إفراد الحق بالقصد في الطاعة. وقيل كذلك: حقيقة الإخلاص التبري عن كل ما دون الله. التبري عن كل ما دون الله، هذا حقيقة الإخلاص. ولشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كذلك تعريف لكلمة الإخلاص، فعرف الإخلاص رحمه الله تعالى بقوله: أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله. أن يقصد المرء بعبادته التقرب إلى الله سبحانه وتعالى. هذا ذكره شيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في بعض رسائله في تعريف الإخلاص. فكل وكل ما مضى من تعريف الإخلاص، وليس هناك تناقض وليس هناك اختلاف، لكن هناك من أجمل وهناك من خصص وهناك من أعم وهناك من تكلم عن جانب وهناك من تكلم عن جانب آخر. وكلها تدور إلى جعل القصد وإلى جعل التوجه وإلى جعل الإرادة في عملك يا عبد الله لله سبحانه وتعالى. فإذا يرجع المعنى الاصطلاحي إلى المعنى اللغوي، فالإخلاص هو العمل الخالص. العمل الخالص الذي ليس فيه شوائب. والشوائب التي تطرأ على العمل هو كل شائبة تصرفك عن التوجه لله جل وعلا، فهذا خلاف الإخلاص. فالإخلاص إخواني في الله بهذا المعنى سيتضح معنى أن الأعمال وأن الأقوال وأن الإرادات وأن النيات محتاجة إلى الإخلاص. بل إن دين الله جل وعلا لا يقوم إلا بالإخلاص. دين الله جل وعلا لا يقوم إلا بالإخلاص، وهو أن تخلص في أعمالك وفي أقوالك وفي سيرك إلى الله جل وعلا لله سبحانه وتعالى. ومن تأمل ومن تمعن في أدلة الكتاب والسنة، يرى عظم الآيات الدالة بل الآمرة بهذا المقام العظيم. قال جل في علاه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، الدين ليس فقط شيء من الدين دون شيء، بل الدين بأسره. كل ما يدخل في الدين، والدين يدخل فيه الاعتقادات ويدخل فيه الأعمال. فهذه الأمور الثلاثة وما تحتويها هذه المسائل الثلاثة ينبغي أن تصرف لله جل وعلا. فترجع الأعمال لله والأقوال لله والنيات والإرادات والاعتقادات كذلك لله سبحانه وتعالى. ويقول ربنا جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾، فالعبد المؤمن إخواني في الله يتوجه بدينه إلى الله سبحانه وتعالى. وأمر الإخلاص إخواني في الله كثيرة من الناس من يدعي أنهم مخلص. يقول: ومن منا الذي لا يخلص؟ لا يا عبد الله، لو أن الناس أنصفوا أنفسهم وعلموا مرادات الشرع من مادة الإخلاص، لعلم أن الكثير من الناس من قد فرط في باب الإخلاص. من فرط في باب الإخلاص. الإخلاص يا عبد الله أن تجعل لفظك لله، أن تجعل عملك لله، أن تجعل أخذك وعطاءك لله، أن تجعل محبتك ورضاك لله، أن تجعل ظاهرك وباطنك لله، أن تجعل جميع حركاتك وسكناتك لله. من هذا إخواني؟ من على هذا الحال؟ ما من أحد إلا وفيه تقصير. إما إن عمل عملًا لربما ينقصه صدق التوجه إلى الله جل وعلا. لربما أن بعض الأعمال قد يؤديها العبد وفيه حظ وفيه حظ لدنيا أو فيه حظ لملحظ الناس أو فيه حظ لثناء الناس. بعض الناس ربما يعمل ويعمل ويعمل في بيئة، لكن إذا غيرت البيئة إلى لا أحد، لا تراه يعمل. إذن يتضح أن عمله ما كان لله وإنما كان للبيئة التي كان فيها. إما ثناءً وإما إطراءً وإما إغراءً وإما مصالح الدنيا. فأمر الإخلاص إخواني في الله، القليل القليل من يطبقه. ولهذا كان من أعظم مقامات الدين الإخلاص لله جل وعلا. ويدلك على عظمة مقام الإخلاص أنها جعلت في الركن الأول من أركان الدين في كلمة «لا إله إلا الله». جعل من شروط هذه الكلمة الإخلاص. الإخلاص في كلمة «لا إله إلا الله»، من قال «لا إله إلا الله» مخلصًا من قلبه دخل الجنة. فالإخلاص إخواني في الله أمره عظيم وعظيم جدًا. ولعظم مقام الإخلاص أن الله جل وعلا جعل لحق أهله من المقامات ومن الكرامات ومن المناقب التي لا تليق إلا لأهل الإخلاص. يكفيك أن تعرف يا عبد الله أن من شرف أهل الإخلاص أن الشيطان يئس منهم. أن الشيطان يئس، الشيطان طمع في بني آدم في إضلالهم وفي إغوائهم. علمهم عليه من تعبد عباده إلا صنفًا من الناس، أعلن أمام رب العالمين أنه لا سلطان عليهم، وهم أهل الإخلاص. كما في قوله تعالى: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلِصِينَ﴾، وفي قراءة: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ﴾، فالمخلص لا يمكن للشيطان أن يستحوذ عليه. وأن للشيطان أن يأتي على عبد هذا حاله، أمره وظاهره وباطنه وقوله وعمله وقصده وتوجهه لله جل وعلا، فمن أين سيأتيه؟ من قوله لله، من فعله لله، ظاهره وباطنه لله. فلا يمكن للشيطان. فإخواني في الله، من حقق الإخلاص حق التحقيق، ليس إخلاص إدعاء بالكلام. الكثير من يدعي أنه مخلص لله، لكن أين هذا في الواقع؟ أين هذا في حركاتك في سكناتك في إراداتك في أخذك في عطائك؟ القليل من حقق هذا المقام. الإخلاص إخواني في الله، من كان العبد ما كان العبد مخلصًا لله في كل أموره، فإن الله جل وعلا يفرج عنه الكربات. يفرج عنه الكربات. وما يخفى علينا قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار، فوقعوا في بلية ووقعوا في ورطة في بطن واد، وصخرة عظيمة قد سدت عليهم فمخرج الغار. فلا منجى ولا منجى من هذا البلاء إلا إلى الله جل وعلا، فالتجأوا إلى الله سبحانه وتعالى والتوسل إليه. فذكر كل منهم عملًا صالحًا توسل به إلى الله جل وعلا. وذلك يكمن في بره لوالديه، وآخر توسل إلى الله جل وعلا بعفته وعفافه، وآخر توسل إلى الله جل وعلا بصدقه وأمانته. إلا أن هذه الأعمال الصالحة كانت محفوفة بالإخلاص حتى كان الواحد منهم يقول: «اللهم إن كنت قد فعلت هذا لوجهك»، عمل لكن لا بد من إخلاص. «إن كنت فعلت هذا لوجهك ففرج عنا ما نحن فيه». فكان من جراء ذلك الصخرة أن تدحرجت وتدحرجت وتدحرجت حتى خرج الثلاثة يمشون. ما الذي فرج عنهم؟ الأعمال الصالحة لأنها كانت محفوفة بالإخلاص لله جل وعلا. فالعمل يا عبد الله يعظم أجره ويعظم مقامه وثوابه عند رب العالمين إذا كان هذا العمل فيه إخلاص. وأي إخلاص أن يكون عملك خالصًا لوجه الله جل وعلا. وهكذا يا عبد الله المقامات العظيمة في قوله عليه الصلاة والسلام: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». في هذا المقام العظيم يوم أن تدنوا الشمس على رؤوس العباد، فيبتل العباد على قدر عرقهم. الناس في هم، الناس في غم، الناس في كرب. ما الذي يفرج عن الناس ما هم فيه؟ ما كان من أعمالهم الصالحة. ومن أعظم الأعمال أليس تفرج عن الناس في هذا الموقف؟ كل عمل كان في إخلاص لله جل وعلا. فذكر عليه الصلاة والسلام ممن ذكر: «ورجل تصدق بصدقة فأخفاها». إخلاص العمل، لا يريد بهذا العمل شائبة من شوائب الناس من شوائب الدنيا. إنما عمل لله، تصدق بصدقة فأخفاها لدرجة قال عليه الصلاة والسلام: «حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه». لو قيل للشمال: ما الذي أنفقته اليمين؟ تقول: ما أعرف. لشدة الكتمان والخفاء والتنقية. وكما يقال: تطهير العمل من الشوائب. وأن لا يكون له ملحظ لهذا العمل الصالح، كان لهذا العبد أن يظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. وهكذا في قوله نفس الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: «ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عينه». بوحده، ليس أمام الناس وليس عند الجموع وليس عند الأحباب وليس لقصد ما الدنيوي. وإنما خاليًا بينه وبين الجدران الأربع، ليس هناك إلا الله يطلع على عمله، فيبكي خشوعًا وخشية لله عز وجل. فكان من جراء هذا الفعل الذي في قمة الإخلاص أن الله جل وعلا جعله من المناقب العالية ومقامات الإخلاص. إخواني في الله، من المقامات العظيمة والجليلة. وسيأتي إن شاء الله في درس قادم ما يتعلق بهذا المقام، وخاصة ما يتعلق بالقصد والتوجه إلى الله جل وعلا وما تحته من مسائل. يذكر ذلك إن شاء الله في درس قادم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.