الدرس في كتاب الأطعمة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 16، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المحاضر تعريف النذر بأنه إلزام النفس عبادة غير واجبة، ويبين نوعيه المطلق والمقيد. يستعرض خلاف العلماء في حكم عقده مرجحاً كراهته عند الجمهور وتحريمه عند ابن تيمية للنذر المقيد.
يذكر المقطع ترجيح كراهة النذر مطلقاً مع وجوب الوفاء بنذر الطاعة، ويوضح شروط الانعقاد من تلفظ وبلوغ وعقل. يقسم النذر إلى ثلاثة أنواع: طاعة، لجاج وغضب، ومعصية، مبيناً حكم كل نوع.
يفصل المحاضر في النوعين الثاني والثالث، موضحاً أن النذر المباح ونذر اللجاج والغضب لا يجب الوفاء بهما. يخير الناذر بين الفعل مع كفارة يمين أو الترك بلا كفارة في كلا الحالتين.
أعلن المحاضر انتهاء وقت الدرس وقرر تأجيل بحث نذر المعصية ومواضيع أخرى للدرس القادم. ختم الجلسة بالتأكيد على علم الله تعالى وكمال قدرته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وبعد، قال شيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في كتابه "توضيح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين": "وعقد النذر مكروه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، وقال: إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل". متفق عليه. النذر: عرفه العلماء بأنه إلزام المكلف نفسه شيئاً يملكه غير محال. "إلزام المكلف نفسه" أو "يجوز نفسه" - إلزام المكلف نفسه شيئاً يملكه غير محال. إيش معنى هذا الكلام؟ يعني النذر: المكلف هو الذي يلزم نفسه ويوجب على نفسه عبادة لم يوجبها الله عليه، وإنما هو الذي أوجبها على نفسه. كأن يقول: "علي نذر أن أصوم يوماً"، أو "أصوم شهراً غير الشهر الذي أوجبه الله عليه"، هكذا شهر آخر، أو أسبوعاً، أو نحو ذلك. فهو إلزام المكلف نفسه شيئاً يملكه. فخرج بهذا الشيء الذي لا يملكه، مثلاً لو قال: "علي نذر أن أتصدق بمال زيت" - ما يملك مال زيت. صح؟ واضح، ما يملك مال زيت. فلابد في النذر أن ينذر بشيء يملكه ويستطيعه. نعم، لحديث عمران بن حسين قال عليه الصلاة والسلام: "لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد، ولا فيما لا يملك العبد". هو حديث صحيح. فهذا هو معنى النذر. والنذر ينقسم إلى قسمين من حيث التلفظ به: القسم الأول: يسمى النذر المطلق. النذر المطلق: هذا هو النوع الأول. والنوع الثاني: يسمى النذر المقيد. النذر المقيد: أو بعضهم يسمى نذر المجازاة. فالنذر المطلق: أن يقول: "علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام". هذا مطلق، ما قيده بفعل معين، ما قيده بفعل معين، فهذا يسمى النذر المطلق. وأما النذر المقيد: النذر المقيد، أو بعضهم يسمى نذر المجازاة، أن يقيده بشيء. فمثلا يقول: "إن شف الله مريضي، إن شف الله مريضي، فعلي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، أو أن أتصدق بمئتي ألف، أو نحو ذلك". واضح. هذا في كيفية عقد هذا النذر. واختلف العلماء في حكم النذر. حكم النذر - إن شاء النذر - هنا ذكر المؤلف أن عقد النذر مكروه، أن عقد النذر مكروه. طبعاً هذا قول في المسألة، والمسألة فيها ثلاثة أقوال، وهو حكم عقد النذر: هل هو مكروه أو محرم أو مستحب؟ هذه ثلاثة أقوال في حكم النذر: هل هو مكروه أو محرم أو مستحب؟ في القول بالكراهة الذي ذكره المؤلف هنا: هو قول أكثر العلماء، يرون أن عقد النذر مكروه. والمكروه عند الأصوليين هو الذي... ماذا؟ ماذا أمر الشرع بتركه ليس على وجه الإلزام. تمام، ليس على وجه الإلزام، ويثاب تاركه، ولا يعاقب، ولا يعاقب فعله. هذا عند أهل الأصول. طيب، فقلنا هذا أكثر... قول أكثر العلماء. واستدلوا بالحديث الذي أورده المؤلف: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنه لا يأتي بخير، إنما يستخرج به من البخيل". فقوله هنا: "إنه لا يأتي بخير" هذا دليل كراهته. "إنما يستخرج به من البخيل". وما معنى "يستخرج به من البخيل"؟ يعني الإنسان الكريم يعبد الله من غير أن يلزم نفسه، وهذا من كرمه. من كرم الإنسان أن يصوم، أن يتصدق، بدون أن ينذر. صح، بدون أن ينذر، مباشرة من تلقاء نفسه يصوم، من تلقاء نفسه يتصدق. إذن من الذي ينذر؟ الذي ينذر هو البخيل، يستخرج به من أيش؟ من البخيل. فهمت ماذا لان؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة". إذا أنت في الرخاء يعني مكثر من الطاعات والعبادات، الله عز وجل يفرج عنك في الشدة والقربة. فهذا هو القول الأول. وقالوا: لم نقل محرماً لأن الذي صرفه عن التحريم أن الله أثنى على الموفين. فلو كان محرماً كيف يثني على من أوفى به؟ فالله عز وجل يقول وهو يمدح الموفين بالنذر: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾. فقالوا: هذا الصارف لأحاديث الوجوب عن... من التحريم إلى الكراهة. هذا القول الأول. القول الثاني: أن النذر، عقد النذر محرم، والوفاء به واجب. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قال: خصوصاً النذر المقيد، أو نذر المجازاة. يعني من قال... نقال هذا فيه سوء أدب مع الله، كأنك تقول لله: "إن أعطيتني... إن أعطيتني أعطيتك، إن شفيت مريضي فأنا أصوم لك، وإن لم تشفي مريضي ما أصوم لك". هذا فيه شيء من سوء الأدب مع الله عز وجل. ولذلك ذهب من ذهب كشيخ الإسلام إلى تحريم هذا النذر على وجه الخصوص. واستدل بأحاديث النهي، منها: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر، حديث ابن عمر، متفق عليه. متفق عليه من حديث ابن عمر. كذلك استدل بحديث آخر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تنذر، فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل". فهنا "لا تنذر"، قال: هذا نهي، والأصل في النهي التحريم. لكن كما قلنا: من قال بالكراهة قالوا: نعم، هذا النهي لكن يحمل على الكراهة، لا يحمل على الكراهة، ولا يحمل على التحريم، وهو قول عامة الجمهور. القول الثالث: أنه مستحب. وهذا قول الإمام النووي رحمه الله. وقال: الذي ورد النهي عنه هو نذر المجازاة. وهنا يفرق بين النذر المقيد، نذر المجازاة، وبين النذر المطلق. فيقول: أن المنهي عنه هو نذر المجازاة، وأما النذر المطلق فليس بمنهي عنه، بل هو مستحب. والصحيح في المسألة هو قول الجمهور: أن جميع أنواع النذر مكره. لأنه لو كان محرماً لما أثنى الله عز وجل على الموفين. والثناء أو مدح الموفين بالنذر جاء عاماً، ما خصص بين نذر المجازاة والنذر المطلق، وإنما جاء عاماً. فالله أعلم. القول بالكراهة مطلقاً هو الأقرب، وهو قول عامة العلماء، وهو قول عامة العلماء. مع التنبيه على ذكر شروط انعقاد النذر. النذر له شروط حتى ينعقد. من شروطه: أولاً: أن يكون النذر بالقول، بالنطق، ولا تنفع النية وحدها. وهذا بالاتفاق، وهذا بيِّن بالاتفاق. فمن نوى في قلبه أنه سينذر لله بالتصدق بكذا وكذا، هذا لا يقع حتى يتلفظ بهذا. والتلفظ بالنذر يصح بأي صفة معينة تدل على ذلك. كل ما يدل على النذر فيصح، مثل ما يقول: "نذرت لله"، أو "لله علي نذر"، أو "لله علي عهد"، "لله علي عهد" أيضاً هذا بمعنى النذر. فكل لفظ يدل على... يدل على النذر فيصح به النذر. نعم، ذكروا أيضاً من شروط النذر: البلوغ والعقل. فلا يصح النذر من غير البالغ، قالوا: ولا المميز. قالوا: ولا المميز. لأن التمييز ليس مناطاً للتكليف. التمييز ليس مناطاً للتكليف. فلو قال صبي سنه مثلاً عشر سنوات، أمه مريضة، قال: "علي نذر إذا شف الله أمي أتصدق بمال كذا وكذا"، عنده مال مثلاً، قالوا: هذا لا يلزمه، هذا لا يلزمه. لأن يشترط في النذر البلوغ. وهكذا العقل: إنسان سكر وذهب عقله، وقال: "علي نذر أن أتصدق بجميع مالي". فلما انتهى من سكرته، قال له: "نذرت أنك تتصدق هذا جميع المال". قال: "لا، أنا ما كنت منتبه". صح. وهكذا المجنون. بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة"، وذكر منهم: "الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق". نعم، وهل يصح النذر من الكافر؟ نعم، يصح النذر من الكافر. لحديث عمر رضي الله عنه أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: "يا رسول الله، نذرت في الجاهلية وأنا كافر أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام". فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أوف بنذرك، أوف بنذرك". فإذا وفى بنذره حال كفره برئت ذمته. وإن لم يوفي، أو إن لم يفي به وأسلم، لزمه أن يوفي به بعد إسلامه. إنسان كان كافراً، نصراني مثلاً، أو نحو ذلك، يؤمن بالله، قال: "علي نذر أن أتصدق، أو أن أخرج ربع مالي". واضح مثلاً. ثم أسلم، ولم يخرج هذا المال. وقال له: "إذن يلزمك الآن أن تخرج هذا المال". استدلالاً بحديث عمر. نعم، ثم قال المؤلف: "فإذا عقده على بر وجب عليه الوفاء". هنا بدأ المؤلف يذكر أنواع النذر، ليس من حيث عقده، وإنما من حيث صفته، على أي صفة وقع. فالنذر من حيث الصفة ثلاث أقسام، ذكرها المؤلف كلها. النوع الأول: نذر الطاعة. وهذا معنى قوله: "فإذا عقده على بر"، يعني على طاعة. والنذر الثاني: نذر اللجاج والغضب، سيأتي معنا. والنذر الثالث: نذر المعصية. نذر المعصية. فصلان سيتكلم على هذه الأنواع الثلاثة. فقال هنا: "فإن عقده على بر وجب عليه الوفاء، بقوله صلى الله عليه وسلم: من نذر أن يطيع الله فليطعه". واللام تسمى لام الأمر، أي واجب عليه أن يطيع الله. "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". متفق عليه. فإذا حكم نذر الطاعة: وجوب الوفاء به، سواء كان مطلقاً أو مقيداً معلقاً، لهذا الحديث. فلو إنسان قال: "علي نذر أن أصوم يوماً"، هذا مطلق. قال: "إن شف الله مريضي، علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام"، يجب الوفاء بذلك إذا كان معلقاً، متى ما شف الله مريضه. واضح. نعم، هذا هو النوع الأول. قال: "وإن كان النذر مباحاً". هذا النوع الثاني من أنواع النذر. إذن النذر أربع أنواع، ليس ثلاثة: نذر الطاعة، نذر المباح، نذر اللجاج والغضب، ونذر المعصية. أربع أنواع من ناحية صفته. فهنا معنى النذر... النذر المباح: هذا النوع الثاني. ما مثاله؟ مثاله: كأن يقول الرجل: "علي نذر أن ألبس هذا الثوب"، أن ألبس هذا الثوب. فنذر النذر المباح، ونذر اللجاج والغضب، هذا لا يجب الوفاء به. ولذلك قال: "لم يجب الوفاء به، وفيه كفارة يمين إذا لم يوفي به". هذا فيه نذر المباح، ونذر اللجاج والغضب، لم يجب الوفاء به. وهذا الفرق بين نذر الطاعة والنذر المباح. فمثلا هذا المثال: رجل قال: "علي نذر أن ألبس هذا الثوب". فهو الآن بالخيار، ليس واجباً عليه أن يفي بهذا. فإن شاء أوفى بهذا، لم يلبس هذا الثوب، تركه، وما عليه شيء. واضح. وإن شاء لبس هذا الثوب، لكن عليه ماذا؟ كفارة يمين، كما مر معنا في أحكام... يطعم عشر مساكين، أو يكسوهم، وإن لم يستطع يصوم ثلاث أيام. واضح. هذا الآن هو النذر المباح، يخير بين فعله وبين كفارة اليمين. فإن أراد أن يفعله فعله وكفر، وإن لم يفعله ما عليه شيء. يخير. وقس على هذا في غيرها من المباحات، في غيرها من المباحات. قال: "أو جارياً مجرى اليمين، كنذر اللجاج والغضب". اللجاج بمعنى الخصومة. نذر من أجل خصومة، أو من أجل غضب، أو من أجل غضب. وجاء في هذا... يعني دليل هذا النوع: آثار عن الصحابة، جاء عن عمر وعائشة، رواها مالك في الموطأ. وما مثال نذر اللجاج والغضب؟ يعني يكون بسبب الخصومة والمنازعة، إما بتعليق نذره بشرط يقصد به المنع منه، المنع بهذا الشرط، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب. إيش أمثلة هذا؟ نذكر لهذا أمثلة. نذكر لهذا أمثلة. قلنا: يكون بقصد المنع منه، بقصد المنع منه. مثاله: قال: "لله علي نذر أن أصوم سنة إن فعلت كذا". يعني مثلاً أحد أراد أن يلزمه بشيء، أن يلزمه بسفر، أو أن يلزمه بعمل، أو نحو ذلك. فهو في حالة غضب، أو في أثناء هذه الخصومة، حتى يمتنع عن فعل هذا الشيء، السفر أو العمل، يقول: "علي نذر أن أصوم سنة مثلاً إن أنا فعلت كذا، إن أنا سافرت، أو إن أنا يعني عملت هذا العمل، أو اشتغلت في هذا العمل". فهنا هو بين خيارين. تمام. إما أن يسافر، تمام، ويكفر عن يمين. واضح. وإما أن ماذا؟ وإما أن لا يسافر. ماشي عليه، يعني صوم سنة. لأن هذا يسموه نذر إيش؟ لجاج وغضب، أثناء الخصومة. هذا هو مثال أن يقصد المنع من شيء. أو الحمل عليه: ما هو مثال الحمل عليه؟ مثل أن يقول: "إن لم أصلي في الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة". كأن أحداً يقول له: "أن تصلي في الجماعة، وأنت مهمل، وأنت كذا". فهو الآن يريد أن يثبت له أنه يصلي، يريد أن يحمل نفسه على هذا الشيء، فيقول: "إن لم أصلي في الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة". أو تصديق خبره: يريد أن يصدق خبره. مثاله: قيل لإنسان: "أن تكذاب في ما تقول". مثلاً قال قول معين، فقال: "إن كنت كاذباً فلله علي صوم سنة". إن كنت كاذباً فلله علي صوم سنة. إذن إن كان كاذباً، فهنا ماذا يلزمه؟ يلزمه الصوم، لا كفارة يمين. هذا أتى به على سبيل اللجاج والغضب. طيب، فإن كان كاذباً فعليه كفارة، وإن صلى، خلاص، أحافظ على الجماعة، ما عليه شيء. فأنتم هذا معنى قوله: "أو التصديق أو التكذيب". مثال التكذيب: كأن يقول السامع: "إن كنت صادقاً فلله علي أن أصوم سنة". إنسان قال يتكلم بكلام، فقال السامع: "إن كنت صادقاً فعلي أصوم سنة". طيب، فإن كان هذا صادق، فيلزمه ماذا؟ كفارة اليمين. وإن كان كاذب، ما عليه شيء. فأنتم هذا الآن هذا هو معنى نذر اللجاج والغضب. يكون بإحدى هذه الأربع أسباب: إما الحمل عليه، أما المنع منه، أو الحمل عليه، أو التصديق، أو التكذيب. قلنا: هذا يخير بين فعله أو كفارة اليمين، أو كفارة اليمين. طيب، لانتهاء الوقت نؤجل نذر المعصية وبعض المباحث الأخرى، لعلنا نكملها إن شاء الله في الدرس القادم. إلى هنا، والله أعلم. ترجمة نانسي قنقر.