الدرس في حلية طالب العلم 27، ألقاها
يشرح الدرس أهمية معرفة كيفية الطلب والتلقي لطلبة العلم، ويبين أن العلم له مراتب ودرجات. يشدد على أن إتقان الأصول ضروري للوصول إلى العلم الصحيح.
ينصح الشيخ بالتركيز في طلب العلم وعدم التشتت بين فنون مختلفة، ويشير إلى أهمية معرفة قدر النفس والتركيز على ما يمكن إتقانه. يؤكد أن كثرة حضور المجالس دون تركيز قد يؤدي إلى الاضطراب.
يختتم الشيخ درسه بالدعاء والاستغفار ويشير إلى مزيد بيان في الدرس القادم بإذن الله. يتضمن الختام تسبيح الله والاستغفار والتوبة إليه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قال الشيخ رحمه الله: الفصل الثاني: كيفية الطلب والتلقي. وقوله رحمه الله تعالى: الفصل؛ كما تقدم معنا في بعض الدروس أنه يؤتى به للفصل بين الموضوعين، وأحيانًا يعبر العلماء رحمهم الله تعالى بالفصل، وأحيانًا بالباب؛ للكلام على جملة مسائل من جنس واحد. وها هنا الشيخ رحمه الله تعالى ذكر في هذا الفصل: كيفية الطلب والتلقي. وهذا الفصل كما ترون يعد من أهم الفصول لطالب العلم؛ لأن فيه الكيفية التي ينبغي أن يسلكها الطالب لأجل تحصيل العلم. فهذا الفصل يعد من الفصول المهمة التي يحتاج إليها كل طالب للعلم؛ لأن الشيخ رحمه الله تعالى ذكر بإيجاز هاهنا ما يحتاجه الطالب في طلبه، في كيفية الطلب. ومعنى الكيفية: الهيئة التي ينبغي أن يسلكها الطالب في تحصيله للعلم. وما هي التي ينبغي أن يسير عليها الطالب في طلبه للعلم؟ قال الشيخ رحمه الله تعالى: السادس عشر: كيفية الطلب ومراتبه؛ أي مما ينبغي أن يتحلى به طالب العلم، وأن يتصف به طالب العلم، أن يتحلى بهذه الكيفية: كيف يتلقى العلم؟ كيف يحصل العلم؟ وكيف يسير في طلبه للعلم على سير من سبقه من أهل العلم؟ قال رحمه الله: كيفية الطلب ومراتبه. وقوله رحمه الله تعالى: ومراتبه؛ فيه إشارة إلى الموضوع الآتي ذكره، وهو أن طالب العلم يحتاج إلى معرفة الكيفية في طلب العلم، وكذلك ينبغي لطالب العلم أن يعلم علم يقين أن العلم مراتب، وأن العلم درجات، وأن العلم منازل ينتقل طالب العلم من منزلة إلى منزلة، ومن مرتبة إلى مرتبة، ومن درجة إلى درجة. هذا مما يجب أن يكون بالحسبان لطالب العلم: أن العلم لا يؤتى جملة؛ لا يستطيع أن يأتيه، أن يؤتى للإنسان جملة؛ هذا لا يكون. أن يأخذ الإنسان العلم جملة في وقت واحد؛ يبدأ بسم الله في العلم، فيأخذ من الفقه، ومن الحديث، ومن العقيدة، من اللغة، من علوم الآلة، من أصول الفقه، من أصول الحديث، إلى غير ذلك؛ هذا مستحيل. لذا مما ذكر في مثل هذا المقام من بعض -كما يقال- الطريفة، ومن بعض بيان أن العلماء رحمهم الله تعالى يعرفون أن القائل بهذه المقالة؛ فإنه يتكلم بما لا حقيقة وراءه. الشيخ الفوزان، العلامة صالح الفوزان حفظه الله وبارك الله في عمره، سئل عن مقالة سلمان العودة: أن التوحيد يستطاع أن يؤخذ بعشر دقائق؛ التوحيد يستطاع أن يأخذه الإنسان، وأن يتعلمه الإنسان بعشر دقائق. فسمع الشيخ الفوزان رحمه الله هذا الكلام، ماذا صنع؟ ضحك؛ ضحك من هذا الكلام، قال: سبحان الله! التوحيد يأخذ بخمس دقائق! قال: ما شاء الله! التوحيد بخمس دقائق! إذن؛ والتفسير بخمس دقائق، والفقه في خمس دقائق، والحديث في خمس دقائق! قال: ما شاء الله! يعني: ما هي إلا دقائق يصير إيش؟ يصير إيش يا جماعة؟! يعني: كم من نصف ساعة سيكون شيخ الإسلام؟! فشيخ الفوزان حفظه الله تعالى قال: هذا يهون في تعلم التوحيد. فالحاصل أن هذا قول عالم من العلماء المشهود لهم بالعلم: أن العلم درجات، ومستحيل أن يأخذ إنسان العلم جملة واحدة في وقت واحد، أو في مجلس واحد؛ هذا مستحيل. فالشيخ رحمه الله تعالى في هذا المقام بيّن هذا الأمر، وأن العلم له مراتب، وله درجات، وله منازل، وله كذلك رتب. فقال: كيفية الطلب ومراتبه. قال رحمه الله تعالى: من لم يتقن الأصول حرم الوصول. هذا الكلام من كلام بعض الأئمة رحمهم الله تعالى: أنهم كانوا يقولون: من لم يتقن الأصول؛ ماذا النتيجة والعاقبة؟ حرم الوصول؛ لا يستطيع أن يصل إلى شيء. لماذا؟ لأنه ما بنى -ما بنى العلم الذي أراده- على أساس وعلى أصل؛ بل كما يقال: بنى علمه على جرف هار فانهار به. فمن أراد العلم وأخذ العلم على هذه الطريقة لم يتقن الأصول؛ قد يقول قائل: ما هي الأصول التي ينبغي أن نتقنها حتى نبتعد من هذه النتيجة، ومن هذه العاقبة؟ الجواب سيأتي في كلام الشيخ رحمه الله تعالى. الجواب؛ ولكن الشيخ رحمه الله تعالى بدأ بهذه المقدمات ليبين ويقرر للطالب ما هو مقرر، ما هو مقرر عند العلماء وعند الأئمة الذين شهد لهم بالعلم والخبرة والممارسة في العلم: أن من لم يتقن الأصول حرم الوصول. ما يستطيع إنسان -على سبيل المثال- يأتي يريد أن يدرس في النحو؛ أخذ مثلًا قليلًا من مبادئ الأجرومية، أخذ معنى الفاعل والمفعول، ومعنى المرفوع، ومعنى المنصوب، وينصب بالفتحة، ويرفع بالضمة، ويخفض بالكسرة، إلى غير ذلك. ثم قال: أنا عندي همة، عندي فهم قوي؛ فهم قوي سأدرس في شروحات الألفية حتى أكون -أكتسب- سرعة، أسبق من كان معي، بل من كان قبلي. فيدخل في شروحات الألفية، المدرس يشرح؛ كيف سيكون حاله؟ ما سيفهم شيء؛ ما سيفهم شيء. لماذا؟ لأنه ما أتقن الأصل؛ ما أتقن الأصل التي يبنى عليه. لأن في كل علم أصول؛ ما هي هذه الأصول؟ المبادئ؛ مبادئ العلوم، أوائل العلوم، أصولها؛ أوائل العلوم أصولها. من أتقنها أتقن ما بعدها، وتدرج إلى ما فوقها. ومن لم يتقن الأصل؛ كيف يستطيع أن يتقن الفرع؟ إنسان إذا أراد أن يبني بيتًا كبيرًا عظيمًا، ووضع البيت على رمل؛ رمال متحركة؛ رفع البيت؛ يرفع؛ يقول: ما شاء الله! غدًا سيكون بيتي أكبر بيت في المنطقة. كم سيبقى هذا البيت يا جماعة؟ ما هي إلا أيام وينهار. لماذا؟ لأنه ما بنى بيته على أصل؛ على أساس قوي، وأساس متين وراسخ. وهكذا العلم؛ إذا ما أتقنت العلوم الأولية؛ مستحيل أن تتقن -كما يقال- العلوم التي هي في المستويات المرتفعة، التي هي عبارة عن فروع عن هذه الأصول؛ فروع عن هذه الأصول. لا يتقن الفرع من غير أصل متقن؛ مستحيل. يبقى مزعزعًا مترددًا؛ اليوم يقول القول، وغدًا يقول كذا؛ والله أعلم؛ يحتاج إلى نظر؛ يحتاج إلى كذا. لماذا؟ لأنه ما أتقن الأصل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة. من رام العلم؛ أي: من أراد العلم جملة؛ يريد أن يأخذ العلم كله في وقت واحد؛ يأخذ من الفقه، من الحديث، من الأصول، من النحو، من اللغة، من التفسير؛ في وقت واحد. ماذا سيخرج يا جماعة؟ سيخرج بشيء يأتي جملة؛ وإذا ماذا؟ ويذهب جملة. لماذا؟ لأنه ما تدرج؛ ما سار على طريقة من سار قبله. والسعيد من اعتبر بخطأ غيره. والسعيد من وجد من يوجهه، ويضعه على الصراط حتى يسير بسير من سلف؛ هذا سعيد؛ من وفق؛ وفقه الله أن يوفق في بدء أمره أن يوضع على الطريق الصحيح؛ ويقال له: سر على سير من سبقه. بخلاف من يأخذ هاهنا مسألة، ومن هاهنا مسألة، وهاهنا مسألة، وأخرى في فن، واليوم في فن، وغدًا في فن آخر؛ اليوم في اللغة، غدًا يقول: أنا سأدرس في الحديث؛ غدًا في التفسير، بعد غدٍ في الفقه؛ وهكذا يذهب العمر من غير فائدة؛ من غير فائدة. لذا قال الشيخ: ومن رام العلم جملة ذهب عنه جملة. وهذا وهذا أمر متحقق. وكذلك قد ثبت بالتجارب. وقيل أيضًا: ازدحام العلم في السمع مضلة للفهم. ازدحام العلم في السمع؛ تسمع في الفقه بعد ساعة في الحديث، بعد ساعة في التفسير، بعد ساعة في الأصول؛ ازدحام العلم في ماذا؟ في السمع. قال: ماذا؟ قال: مضلة للفهم؛ الفهم يحصل فيه ماذا؟ اضطراب؛ الفهم يحصل فيه اضطراب؛ ويكون فرعًا أنه لم يتقن شيئًا؛ لا أتقن الفن الأول، ولا الثاني، ولا الثالث، ولا الرابع. لماذا؟ لأنه أكثر على نفسه فوق حاجته، وفوق مستواه. قد يقول قائل: كيف نسمع أن بعض السلف رحمهم الله تعالى كانوا يحضرون كذا من المجالس؟ الجواب: أن هؤلاء رحمهم الله تعالى قد آتاهم الله جل وعلا من قوة الحفظ، وقوة الفهم، وقوة الجلد؛ ما جعلهم كذلك يحضر المجلس ويسمع ويحفظ؛ مجرد أن يسمع يحفظ؛ من من اليوم أو قبل اليوم. من يكون كذلك؟ ما أحد يحضر المجلس فيسمع فيحفظ. فمن عجيب ما ذكر في مثل هذا المقام ما ذكر في ترجمة الدارقطني رحمه الله تعالى: أنه كان يحضر بعض المجالس ولا يكتب؛ فتعجل منه الناس؛ يحضر ولا يكتب. فبعضهم أراد أن يمتحنه رحمه الله تعالى؛ أو وقع له خطأ في كتابه فاختلف هو وغيره؛ فقال له الدارقطني رحمه الله تعالى: بل الصواب كذا وكذا. هذا كتب شيء؛ وهذا كتب شيء؛ كتابه؛ والدارقطني يسمع. وقدم حفظه على ماذا؟ على كتابة أولئك؛ الصواب كذا وكذا. والبخاري رحمه الله تعالى كان يحضر مجالس مشائخه في العراق وفي غيرها، ثم يرجع إلى بلده ويكتب من حفظه؛ يكتب ما حفظه. من هذا يستطيع أن يفعل هذا؟ بعضهم يذكرون في ترجمته أنه يحفظ ألف ألف حديث؛ كم ألف ألف حديث يا جماعة؟! في هذه الأيام مليون حديث. ومعنى مليون؛ أي بطرقه ألف ألف حديث. يحيى بن معين رحمه الله تعالى يقول: كتبت بيدي هذا ألف ألف حديث؛ كتب كتابه. من يستطيع أن يكتب هذا العدد؟ قال: وكتب لي غيري خمسمائة ألف حديث؛ يعني هذا الموجود عند يحيى بن معين فقط. يحيى بن معين الذي كتبه بيده يقول: ألف ألف حديث؛ وكتب لي غيري خمسمائة ألف حديث؛ كم عنده يا جماعة؟! فالحاصل: ما القضية ليست تثبيط؛ ولكن القضية أن يعرف كل إنسان قدر نفسه؛ أن يعرف قدر نفسه. من كان عنده نهمة، عنده حفظ جيد، عنده فهم جيد؛ يستطيع أن يأخذ أكثر من درس؛ درس يأخذ درسين، ثلاثة دروس؛ ويستطيع يطيقها؛ ما شاء الله؛ الحمد لله؛ وفقه الله. ومن لم يستطع؛ رأى أنهم حصرت له؛ ربكة، وضعف، وعدم اتقان؛ يقلل؛ إن استطاع اثنين يطيقها؛ الحمد لله. إن رأى أيضًا أنهم مزعزع؛ ولو أخذ فنًا واحدًا؛ وهو على اتقان؛ ويسير يومًا بعد يوم؛ وهو في تلقي العلم خير له من أن يكثر على نفسه من غير ماذا؟ من غير اتقان؛ أن يكثر الدروس على نفسه؛ درس في كذا، واليوم في كذا؛ وهذا الدرس مهم، وهذا الدرس أهم، وذاك الدرس أهم؛ وأكثر؛ فيأخذ هنا وهنا وهنا؛ دور اتقان. فالحاصل: العلماء رحمهم الله تعالى إنما أرادوا هذا المعنى، وهذا المقصد. وسيأتي -بإذن الله جل وعلا- مزيد بيان في الدرس القادم. وإلى هنا؛ سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، أستغفرك وأتوب إليه.