الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 10، ألقاها
يتناول المقطع الأول شرح رسالة العلامة السعدي في أصول الفقه، حيث يفصل في حكم أفعال النبي صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن الفعل على وجه العبادة دون أمر به يعتبر استحبابًا. يُذكر أيضًا اختلاف العلماء في دلالة أفعال النبي على الوجوب أو الإباحة.
اختلف العلماء في حكم أفعال النبي عليه الصلاة والسلام بين الوجوب والإستحباب، والأقرب أنها للإستحباب إذا كانت على وجه العبادة ولم يأمر بها. استدلوا بقول الله جل وعلا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾.
أفعال النبي عليه الصلاة والسلام على وجه العادة تنقسم إلى قسمين: أفعال جبلية لا تأسي فيها، وأفعال جبلية على صفة خاصة يتأسى بها. يُقتدى بالنبي في أفعاله التي لها صفة مخصوصة مثل الأكل باليمين والنوم على اليمين ولبس اللباس الشرعي.
يشرح المقطع أن بعض العادات قد تكون مستحبة إذا اقترنت بنية حسنة مثل لبس العمامة اقتداء بالنبي. يفرق بين العادة والعبادة في اللباس ويبين أن النبي كان يلبس ما يلبسه الناس في زمانه، لكن إذا لبس المسلم مثل لباسه بنية التأسي به فإنه يؤجر.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن شاء الله نكمل القراءة في هذه الرسالة المباركة، رسالة لطيفة في أصول الفقه المهمة للعلامة السعدي رحمه الله. وكنا وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله: «وكذلك إذا فعل شيئا على وجه العبادة ولم يأمر به، فالصحيح أنه للاستحباب، وإن فعله على وجه العادة دل على الإباحة. وما أقره النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال حُكِم عليه بالإباحة أو غيرها على الوجه الذي أقره». فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إن فعله على وجه العبادة وعلم أنه للإستحباب أو أنه للوجوب -يعني فعله على جهة الإستحباب أو فعله على جهة الوجوب وعلم ذلك- فهذا يكون الفعل على حسب ما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام. وهذه الأفعال يُسميها علماء الأصول «بمعلوم الصفة»، بمعلوم الصفة، يعني فعله النبي صلى الله عليه وسلم وعلم صفته أنه للوجوب أو للإستحباب أو للإباحة. وما فعله عليه الصلاة والسلام ولم تعلم صفته -لم تعلم هل هو للإستحباب أو هو للوجوب- فهذا الذي اختلف فيه العلماء. فالمؤلف رحمه الله يقول: «وكذلك إذا فعل شيئا على وجه العبادة ولم يأمر به، فالصحيح أنه للإستحباب»، يعني إذا أمر به فيكون للوجوب، فيكون للوجوب، وإذا لم يأمر به فيكون للإستحباب. هذا صح، والأقوال والمسألة فيها ثلاثة أقوال مشهورة. منهم من قال أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام أنها للوجوب، أنها للوجوب، واستدل بقول الله جل وعلا: ﴿واتبعوه لعلكم تهتدون﴾، قالوا: فالله عز وجل أمر باتباع النبي عليه الصلاة والسلام، إذا فيكون فعله يدل على الوجوب. والقول الثاني: أنه للإستحباب، أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام أنها للإستحباب، قالوا: لأنه يتعارض هذا الفعل بين الوجوب أو يتردد بين الوجوب والإستحباب، إما أن يكون واجبًا وإما أن يكون مستحبًا، فعلى ذلك نحمله على الأخف، قالوا: نحمله على الأخف وهو الإستحباب. والقول الثالث: مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾، فهذه الآية تدل على أن الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام أنها للتأسي. والقول الثالث هو القول بالتوقف، القول بالتوقف، قالوا: نتوقف، لا نقول هي للوجوب أو للإستحباب. والقول بالوقف مطلقًا قولٌ ساقط، قولٌ ساقط، لأن فعل نبي عليه الصلاة والسلام إما أن يكون للوجوب وإما أن يكون للإستحباب، فلو توقف حتى يتبين الوجوب أو الإستحباب هذا له وجه، أما أن يقال أن نتوقف مطلقًا فهذا قولٌ لا يحتج به. والأقرب أن أفعال النبي عليه الصلاة والسلام التي فعلها ولم يأمر بها فإنها تحمل على الإستحباب كما ذكر المؤلف رحمه الله، لقول الله جل وعلا: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنة﴾، قال الإمام بن كثير رحمه الله: هذه الآية أصلٌ في التأسي بأفعال النبي عليه الصلاة والسلام. فما فعله عليه الصلاة والسلام على وجه العبادة، ولم يأمر به، فإنه يكون للاستحباب، فيستحب التأسي به والاقتداء بفعله عليه الصلاة والسلام. ولا يجوز أن يحمل على الخصوصية، لا للعالم ولا لغيره أن يحمل فعل النبي عليه الصلاة والسلام على الخصوصية إلا بدليل، إلا بدليل يدل على التخصيص، وإلا الأصل في أفعال النبي عليه الصلاة والسلام أنها للتأسي. قال: «وإن فعله على وجه العادة دل على الإباحة». ما فعله عليه الصلاة والسلام على وجه العادة، وأفعاله عليه الصلاة والسلام على وجه العادة على قسمين: قسمٌ منها فعله عليه الصلاة والسلام على جهة الجبلية التي خُلِقَ عليها، كالركوب والنوم والأكل والشرب، هذه أشياء جُبلَ عليها الإنسان، هذه الأصل أنه ليس فيها تأسي. والقسم الثاني من هذه الأفعال الجبلية ما فعله على صفةٍ خاصة وعلى كيفيةٍ خاصة، فهذا يُتأسَّى فيه بالنبي عليه الصلاة والسلام على هذه الصفة والكيفية. فالأكل والشرب مثلاً والنوم أمور جبلية، فعلها عليه الصلاة والسلام لأنه بشر كسائر البشر يأكل ويشرب وينام. لكن كونه يأكل على صفةٍ مخصوصة -يأكل باليمين مثلاً ولا يأكل بالشمال- هذا أمر يُقتدى به، مع أمره عليه الصلاة والسلام بالأكل باليمين والنهي عن الأكل بالشمال، هذا يجعل هذا الأمر ليس فقط عادة، بل عبادة واجبة، واجب على الإنسان أن يأكل باليمين ويحرم عليه أن يأكل بالشمال. كذلك في النوم، كونه ينام على جهة اليمين وعلى جهة القبلة، هذا شيء مستحب يُقتدى فيه بالنبي عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضاً اللباس، الأصل في اللباس أنه على جهة العادة، فالنبي عليه الصلاة والسلام لبس اللباس الذي يلبسه العرب، الذي كان يلبسه قبل النبوة وبعد النبوة هو نفس اللباس، ما غيره عليه الصلاة والسلام. فكذلك أيضاً أمر اللباس هذه من أمور العادة، فالإنسان يلبس اللباس الذي يعتاده أهل بلده مما لا يخالف الشرع، فإنه يلبس نفس اللباس وكذلك فعل النبي عليه الصلاة والسلام. لكن قد يكون لهذا اللباس وصف قد يكون له وصف خاص يُتأسَّى به فيه، كونه مثلاً كون هذا اللباس لابد أن يكون فوق الكعبين، هذا أمر لابد منه، والمستحب أن يكون إلى أنصاف الساقين، والمباح ما فوق الكعبين ودون أنصاف الساقين، هذا الوصف يُقتدى به بالنبي عليه الصلاة والسلام. أو مثلاً كون اللباس أبيض، هذا مستحب للأمر باللباس الأبيض، لكن أصل اللباس هذا كذلك من أمور العادة أيضاً. لباس النبي عليه الصلاة والسلام للعمامة كما كان عليه العرب، هذه من أمور العادة، لكن لو أن المسلم لبسها اقتداءاً بالنبي عليه الصلاة والسلام وحرصاً على التأسي بالنبي عليه الصلاة والسلام، فإنه يؤجر على ذلك، فإنه يؤجر على نيته ويُكتب له الأجر والثواب. أظن أن الوقت قد انتهى. طيب نكتفي بهذا القدر، صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.