الدرس في شرح رسالة لطيفة في أصول الفقه 20، ألقاها
يناقش المقطع قاعدة فقهية أساسية وهي أن الأحكام لا تتم إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها، ويشرح تطبيقها على العبادات والمعاملات.
يشرح المفهوم العلة في الأحكام الشرعية وتأثيرها على الأحكام، مع تقديم أمثلة على الأحكام التعبدية وغيرها.
يحدد الأصل في العبادات بالحظر إلا ما ورد تشريعه، والأصل في العادات بالإباحة إلا ما ورد تحريمه.
يشرح الامتنان الإلهي على الخلق بما أوجد لهم من منافع في الأرض، ويبين أن هذه النعم مباحة للانتفاع بها.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال أعلام السعد رحمه الله: ومن ذلك قوله: «لا تتم الأحكام إلا بوجود شروطها وانتفاء موانعها»، وهذا أصلٌ كبيرٌ بني عليه من مسائل الأحكام وغيرها شيءٌ كثير. فمتى فُقد شرط العبادة أو المعاملة أو ثبوت الحقوق لم تصح ولم تثبت، وكذلك إذا وجد مانعها لم تصح ولم تنفذ. وتكلمنا على هذه القاعدة في مسألة العبادات والمعاملات. وقوله: «أو ثبوت الحقوق» يعني كذلك لا تثبت الحقوق إلا بوجود الشروط وانتفاء الموانع. فمثلاً حق القصاص لا يثبت هذا الحق إلا إذا وجدت شروطه وانتفت موانعه. فمثلاً من شروطه أن يكون القتل عمداً عدواناً، فإذا حصل هذا القتل على جهة الخطأ أو شبه العمد فإنه لا يجب القصاص. لماذا؟ لم يثبت هذا الحق لعدم توفر شروطه. أو وجد مانع، توفرت الشروط مثلاً، لكن وجد مانع كأن يكون هذا القاتل أباً للمقتول، وفي الحديث «لا يقتل والد بولده»، فهذا مانع يمنع من إقامة هذا الحق، حق القصاص. إذا كذلك ثبوت الحقوق لا بد فيه من توفر الشروط وانتفاء الموانع. قال: «وشروط العبادات والمعاملات كل ما تتوقف صحتها عليها، ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي». وبأصل التتبع حصر الفقهاء فرائض العبادات وشروطها وواجباتها، وكذلك شروط المعاملات وموانعها. يقول: «شروط العبادات والمعاملات» الشرط في اللغة العلامة، وفي الاصطلاح: «ما لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم». ما لا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم. فمثلاً الوضوء شرط الصلاة، شرط مشروط. الصلاة لا يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة، هل يلزم من وجود الوضوء وجود الصلاة؟ الجواب: لا، قد يتوضأ الإنسان من أجل أن يرفع الحدث ويبقى على طهارة. لكن يلزم من عدمه العدم، إذا عدم الوضوء عدمت الصلاة ولم تصح الصلاة لفقدان هذا الشرط. كذلك أيضاً في الزكاة، من شروط الزكاة بلوغ النصاب، أن يبلغ المال النصاب المحدد في الشرع. فإذا وجد هذا الشرط، وهو بلوغ النصاب، هل تجب بالزكاة بمجرد ذلك؟ الجواب: لا، لابد أيضاً من وجود السبب، وهو حوالان الحول. وإذا فقد هذا الشرط كذلك لم تجب بالزكاة. فلا يلزم من وجوده الوجود، ويلزم من عدمه العدم. يلزم من عدمه، أي عدم وجوده، إذا ما وجد النصاب المحدد ما تجب بالزكاة ولا توجد الزكاة. فيقول: «وشروط العبادات والمعاملات كل ما تتوقف صحتها عليها، ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي»، يعني ما يتوقف صحة العبادات عليها. فتتبع العلماء شروط العبادات والمعاملات، فيقولون: شروط الصلاة كذا وكذا وكذا، شروط الزكاة كذا وكذا، شروط الصيام كذا وكذا إلى آخره، شروط البيع، شروط النكاح. هذه عُرِفت بالتتبع والاستقراء لأدلة الشرع، تتبعها العلماء ثم قيَّدوها. فإذا وجدت هذه الشروط وجدت هذه الأحكام، وإذا انتفت هذه الشروط أو انتفى بعضها انتفى هذا الحكم. ويعرف ذلك بالتتبع والاستقراء الشرعي. وتتبع والاستقراء كما قال شيخ الإسلام رحمه الله حجة. فالعلماء تتبعوا شروط العبادات والمعاملات التي وردت في الكتاب والسنة، ثم حصروها وقيدوها. وبأصل التتبع حصر الفقهاء فرائض العبادات وشروطها وواجباتها، يعني حين تتبعوا أدلة الشرع حصر الفقهاء فرائض العبادات، قالوا: العبادات المفروضة كذا وكذا وكذا، شروطها كذا وكذا وكذا، على ما ورد في الشرع. تجد مثلاً رسائل وكتب شروط الصلاة وواجباتها وأركانها، من أين أتوا بذلك؟ بالتتبع والاستقراء لأدلة الشرع، استخلصوا إلى أن شروط الصلاة هذه الشروط، وأن أركانها كذا وكذا من الأركان. وهكذا أيضاً شروط المعاملات وموانعها، كلها أخذت بالاستقراء. قالوا: الحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن ما عداه، فيستفاد من حصر الفقهاء شروط الأشياء وأمورها أن ما عداها لا يثبت له الحكم المذكور. يقول: الحصر إثبات الحكم في المذكور ونفيه عن ما عداه. فلما يقولون مثلاً أركان الصلاة مثلاً أحد عشر ركناً، هنا الآن يثبتون هذا الحكم بهذا القيد، أنه لا بد من الإتيان بهذه الأركان المحدودة، فإذا اختل ركن من أركانها بطلت العبادة ولم تصح. فهذا إثبات للحكم ونفيه عن ما عداه، إذا لم توجد هذه الأركان وهذه الشروط التي حُددت وعددت، فإنه ينتفي الحكم ولا توجد هذه العبادة أو المعاملة. قال: ومن ذلك قولهم: «الحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما». فالعلل التامة التي يعلم أن الشارع رتب عليها الأحكام، متى وجدت وجد الحكم، ومتى فقدت لم يثبت الحكم. كذلك أيضاً من الأصول والقواعد قولهم: «الحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما». الأحكام الشرعية كلها لها حكم ولها علل، والله سبحانه وتعالى هو الحكيم الذي تسمى جل وعلا بهذا الاسم العظيم، ودل على معنى الحكمة، ووضع الشيء في موضعه، وتعليل الأحكام، وأن لها مصالح ومقاصد. فلا يأمر الله عز وجل بشيء إلا وفيه مصلحة وحكمة، ولا ينهى عن شيء إلا وفيه مفسدة. لكن هذه الأحكام التي حكم الله سبحانه وتعالى بها ورسوله، منها ما هي أحكام تعبدية، تعبدية بمعنى لا تظهر حكمتها وعلتها، ما تظهر للناس ولا توضح لهم. فمثل هذه لا يمكن القياس عليها، لا يمكن القياس عليها. مثلاً الحكمة من كون الفرائض على هذا العدد، الفجر ركعتان والظهر أربع والعصر أربع والمغرب ثلاث والعشاء أربع، هذا أمر تعبدي محض، ما تعلم حكمته وعلته. فمثل هذا لا يمكن أن يقاس عليه. لكن هل معنى هذا أنه ليس له حكمة؟ الجواب: لا، له حكمة، لكن لقصور عقل الإنسان وعدم إدراكه وفهمه، لا تظهر له هذه الحكمة ولا يعلمها. وهناك أحكام تظهر علتها ويتضح العلة التي لأجلها حكم بهذا الحكم، فهذه الأحكام تدور في ثبوتها ونفيها مع ثبوت هذه العلة ونفيها. مثلاً حرم الشرع الخمر لأجل الإسكار، هذه علة لتحريم الخمر. إذا وجدت هذه العلة وجد الحكم وهو التحريم، وإذا انتفت هذه العلة انتفى هذا الحكم. عندنا شراب ما يسكر، لا قليله ولا كثيره، ما حكمه؟ حكمه أنه حلال. وعندنا آخر يسكر، حكمه أنه حرام. لماذا؟ ما الفرق؟ الفرق هو وجود علة التحريم، وهو الإسكار. والحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما. فلما وجدت هذه العلة في هذا الشراب حرم، ولما انتفت هذه العلة من هذا الشراب أبيح. هذا معنى قولهم: «الحكم يدور مع علته ثبوتا وعدما». قال: «فالعلة التامة التي يعلم أن الشارع رتب عليها الأحكام، متى وجدت وجد الحكم، ومتى فقدت لم يثبت الحكم». إذا علم أن الشارع حكم بهذا الحكم لأجل العلة الفلانية، فإذا وجدت هذه العلة وجد الحكم، وإذا انتفت هذه العلة انتفى الحكم. قالوا: من ذلك قولهم: «الأصل في العبادات الحظر إلا ما ورد عن الشارع تشريعه، والأصل في العادات الإباحة إلا ما ورد عن الشارع تحريمه». لأن العبادة ما أمر به الشارع أمر إيجاب أو استحباب، فما خرج عن ذلك فليس بعبادة. ولأن الله خلق لنا جميع ما على الأرض لننتفع به بجميع أنواع الانتفاعات، إلا ما حرمه الشارع علينا. أيضاً من الأصول والقواعد قولهم: «الأصل في العبادات الحظر»، معنى الحظر أي المنع. الأصل في العبادات المنع، ما يشرع منها شيء إلا بما دل عليه الكتاب والسنة. والله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». إلى آخره. فالأصل في العبادات هو المنع، من أتى بعمل وقال: هذه عبادة يتقرب بها إلى الله، يقال: هات الدليل، هات البرهان أن هذه عبادة يتعبد بها لله. لأن الأصل في العبادات الحظر والمنع إلا ما ورد عن الشارع تشريعه. إذا ورد في الشرع أنه شرع ذلك ورغب فيه وحث عليه، فهنا تصبح عبادة يتعبد بها لله سبحانه وتعالى. قال: «والأصل في العادات الإباحة إلا ما ورد عن الشارع تحريمه». في العادات عكس العبادات، العادات الأصل الإباحة. العادات الناس في مآكلهم، في مشاربهم، في ملابسهم، في معاملاتهم، الأصل أنها مباحة إلا ما ورد الشرع، ما ورد في الشرع تحريمه. ولذلك كانت المحرمات في أمور العادات والأمور المباحة محدودة ومعدودة. يعني مثلاً في اللباس الأصل فيه الحل، يلبس الإنسان ما شاء من الثياب إلا ما حذر منه الشرع، ما كان فيه مشابهة للكفار، ما كان مثلاً ثوب حرير، أو كذلك أيضاً ما كان لبسه على صفة محرمة كالإسبال ونحو ذلك. والأصل هو الحل، كذلك في المآكل والمشارب الأصل هو الحل. ولذلك كانت المحرمات من المآكل محدودة، وجيء بها على لفظ الحصر، قل: ﴿لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾. انظروا محدودة: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾، ما أجد شيء محرم إلا ما أوحاه الله عز وجل نبي عليه الصلاة والسلام. وغير ذلك فالأصل أنه حلال، الأصل أنه حلال. وكذا يقال في سائر أمور العادات، فالأصل فيها الإباحة إلا إذا ثبت في الشرع تحريمه. لو كان من عادة الناس مثلاً أنهم إذا تزاوروا يزور الرجل أقرباءه، فيسلم مثلاً على أقربائه من النساء الأجنبيات، يقول: هذه عادة عندنا. عادة أن تصافح ابن عمك وبنت عمتك وبنت خالك مثلاً. نقول: هذه العادة محرمة، لأنه ورد في الشرع تحريم ذلك. هنا الآن ورد في الشرع ما يدل على تحريم هذه العادة، فهنا لا تكون مباحة بل تكون محرمة. واستدل العلماء على أن الأصل في الأشياء الإباحة بقول الله جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقال: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾. فالله عز وجل امتن على الخلق بما أوجد لهم في هذه الأرض من المآكل والمشارب والملابس وغيرها مما ينتفعون به، فدل ذلك على أنها مباحة لهم. طيب نكتفي بهذا، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.