الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 743، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح الشيخ حديث أبي أمامة التيمي عن رجل يكري نفسه في الحج، ويؤكد ابن عمر صحة الحج إذا أديت أركانه مع العمل، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. وتوضح فتوى ابن عمر أن العمل في الحج لا يفسده بشرط النية وأداء الأركان، مستنداً إلى السنة النبوية.
يبين المقطع جواز البيع والشراء في مواسم الحج وعدم فساد الحج به، لكن قد ينقص الأجر إذا قارنت نية التجارة نية العبادة، مستدلاً بحديث الجهاد والغنيمة. كما يحذر من البدع كزيارة غار حراء وجبل ثور والتمسح بالقبور، مؤكداً أن الصحابة لم يفعلوا ذلك.
يؤكد المقطع أن الصحابة كانوا أشد الناس محبة للرسول صلى الله عليه وسلم، مستشهداً بمواقف أبي بكر وخبيب بن عدي وشهادة عروة بن مسعود. ويشدّد على وجوب سؤال أهل العلم في مسائل الدين، محذراً من اتباع البدع والخرافات التي توقع في ضلال الشيطان.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله تعالى: قال أبو داود رحمه الله وهو سليمان بن الأشعث السجستاني: حدثنا مسدد وهو ابن مسرهد أبو الحسن البصري، قال: أخبرنا عبد الواحد بن زياد وهو ثقة لكن في حفظه شيء، وخاصة في رواية عن الأعمش، قال: أخبرنا العلاء بن المسيب وهو ثقة، قال: أخبرنا أبو أمامة التيمي، قال: كنت رجلا أكرى في هذا الوجه، وكان ناس يقولون إنه ليس لك حج. أنا أكرى أي أذهب وأعمل إلى الحج، قال: فكان ناس يقولون إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فقلت: يا أبا عبد الرحمن، إني رجل أكرى في هذا الوجه، وإن ناسا يقولون إنه ليس لك حج. فقال ابن عمر: أليس تحرم وتلبي وتطوف بالبيت وتفيض من عرفات وترمي الجمار؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن لك حجا. جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فسأله عن مثل ما سألتني عنه، فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليه هذه الآية وقال: «لك حج». قال: هذا حديث صحيح، ورجاله رجال الصحيح إلا أبا أمامة التيمي، وقد وثقه ابن معين كما في تهذيب التهذيب. فهذا الحديث في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وهذا الحديث يبين هذه الآية، وأن هذا الرجل كان يبيع ويشتري في الحج، يذهب إلى الحج ويذهب يبيع ويشتري ويؤجر نفسه لأجل العمل، فقال له ناس: ليس لك حج، بمعنى كأنك تذهب لأجل العمل فقط وليس لأجل الحج، فسأل عبد الله بن عمر رضي الله عنه، فقال له: أي عبد الله بن عمر، أليس تحرم وتلبي؟ عن أولا تحرم من الميقات في نية الإحرام، وكذلك بالتلفظ بالنسك، أنه إذا كان يريد نسك القران، القران يقول: لبيك اللهم حجا وعمرة، وإن كان يريد نسك التمتع يقول: لبيك عمرة، وإن كان يريد الحج المفرد، الحج المفرد فإنه يقول: لبيك اللهم حجا. هذا عنده إهلال، إهلال هذه المناسك: إن كان قرانا يقول لبيك حجا مع عمرة أو عمرة في حجه، وإذا كان متمتعا يقول: لبيك اللهم عمرة، وبعض أهل العلم يقول: لا بأس، يقول متمتعا بهيل الحج، وإذا كان مفردا أفرد الحج يقول: اللهم لبيك حجا. ثم قال له: أليس تحرم وتلبي؟ فأنا بعد الإحرام ألبي: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. ثم بعد ذلك قال: وتطوف بالبيت، تطوف بالبيت أي طواف الحج لأنه ركن من أركان الحج، وتفيض من عرفات، أن تذهب إلى عرفات وتخرج. فهذا الحج كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عروة بن مضرس: «من صلى معنا هذه الصلاة» أي الصلاة في مزدلفة صلاة الفجر، «وقد وقف بعرفة ليلة أو ساعة من ليل أو نهار، فقد تم حجه وقضى تفثه». وأيضا النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الحج عرفة، الحج عرفة». قال: «وترمي الجمار». قال: قلت: بلى، أنا كل هذا فعله. قال: فإن لك حجا. الآن بعض الناس مثلا يذهب إلى الحج ويشتغل ويعمل، مثلا مع المطوف، معنا الذي ينصب الخيام، وأيضا يأتي بما يستلزم للحجاج من طعام ومن غيره. معلوم أن هذه حملات، صاحب الحملة هذه هو الذي يتكفل بهذه الأمور للحاج، فبعضهم يعمل في هذه الحملات، فيعمل في مسألة الخيام أو الإتيان بالطعام أو بغير ذلك، ويدخل إلى مكة، ويدخل إلى عرفة، ويدخل إلى منى. فهل إذا حج فله حج؟ نعم، إذا نوى الحج قبل أن يدخل من الميقات، يحرم أولا من الميقات، يحرم أولا من الميقات، فإن أحرم من الميقات وأتى بما يلزم من الحج فإن حجه صحيح، ولو كانت نيته لعجل البيع، فأنا يستغل الموسم، حتى ولو كان من أهل مكة، حتى ولو كان من أهل مكة، يقول مثلا: سأستغل الموسم هذه السنة وأبيع وأشتري، آتي لي ببضاعة وأبيعها مثلا في منى، فهذا جائز، لا بأس بذلك، وقد كان الناس يفعلون ذلك، وقد تحرج قوم من الصحابة كما جاء في سبب نزول هذه الآية، تحرج بعض الصحابة أن يبيع ويشتري في موسم الحج، فأنزل الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾. أنا لا بأس أن الإنسان يبيع ويشتري، سواء كان في منى أو في عرفة أو في مزدلفة أو حتى في مكة، فكل ذلك جائز، أهم شيء أنه يؤدي مناسك الحج على ما أمر الله، يؤدي مناسك الحج على ما أمر الله من الإحرام والطواف والوقوف بعرفة وغير ذلك مما يلزم الحج، فإنه إذا جاء بمثل هذه الأشياء فحجه صحيح. لكن هل يؤثر على نيته؟ لا، ما يؤثر، إذا كان قصده الحج وكذلك البيع والشراء ما يؤثر على نيته. لكن هل ينقص الأجر؟ ممكن، الذي يحج إخلاصا لله عز وجل لا يبتغي مع الحج شيئا آخر، ليس كمن له غرض آخر، ليس كمن له غرض آخر. ولهذا جاء في الحديث الذي في مسلم: «من حج يريد الحج والغنيمة»، يريد حجا، يقصد من جاء، من خرج للجهاد يريد جهاده وغنيمة، أنا نيته الجهاد ونيته كذلك الغنيمة، قال: «نقص من أجره الثلث»، يقص من أجره الثلث. لماذا؟ لأنه أدخل نية أخرى مع نية الجهاد، أدخل نية أخرى مع نية الجهاد. لكن لا تبطل هذه النية، بمعنى إذا كان نيته نية الجهاد صحيحة، وأيضا أراد شيء من الغنائم، أنا يقول: هذه الغنائم ننتفع بها، يريد أن يسدد دينا له، يريد أن يأتي بحاجات لأهله من هذه الغنائم، فلا بأس، بمعنى نيته صحيحة ولا يؤثر ذلك على النية، لكن قد ينقص الأجر، ينقص أجر هذه العبادة لأنها دخلت معها نية أخرى. فلذلك فهذا الذي يذهب ليبيع ويشتري ليس كالذي يذهب للحج خالصا، أن هذا أيضا يريد حج، لكن يريد حج وأيضا يريد أن يبيع ويشتري، يبيع ويشتري، فهذا جائز من ناحية الجواز، جائز ولا يؤثر على نية الحج، لكن كما قلنا ينقص الأجر، قد ينقص الأجر، قد يكون النقص في أجر هذا الحاج. أيضا كذلك في هذا الحديث أن الإنسان لا يكتفي بقول الناس، مثلا إذا كانت عنده مسألة، تجد بعضهم يتباحث مع بعض الناس فيما بينهم، فيأتي إنسان يقول له: لا، هذا ما يجوز، وهذا لا، هذا محرم، هذا كذا، وهو يعلم أن هذا الشخص ليس من أهل العلم، فهنا لا يجوز له أن يأخذ بقوله ويعتمد ويمتنع عن شيء أحله الله له، وقد يكون هذا الشيء واجبا، فيسأل إنسان فيقول له: هذا ما يجوز، هذا كذا. أنا بعض الناس انتكست فطرهم، فجعلوا التوحيد شركا والشرك توحيدا، فأنا لو قلته له: أخلص العبادة لله، فيعتبر هذا عداء الأولياء، عداء أولياء الله، وأنت تقول له: أخلص العبادة لله، الله عز وجل يقول: ﴿مَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، وهذا يعتبرونه عداء الأولياء، إذا قلت: عباداتك لا تصرفها إلا لله، فيقولون: هذا يعادي أولياء الله. انتكست هذه الفطر. أيضا كذلك إذا كانت سنة أو بدعة، فتجد ناس يحثون عليها، يقول لك مثلا: حتى مثلا من يذهب للحج فيصحبهم بالتمسح بالقبر والتمسح بأشياء من هذا القبيل، ويأتون بأذكار غير شرعية، وأيضا يذهبون بهم إلى أماكن لم يأتِ الشرع بزيارتها، مثل غار حراء وجبل ثور وغيرها من هذه الأماكن التي حصل للنبي صلى الله عليه وسلم فيها شيء من الحوادث، فهي قد دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة في عام الفتح، ودخل كذلك في حجة الوداع، فلم يأتِ هذه الأماكن ولم يأمر أحدا يأتيها، وكذلك أيضا الصحابة رضي الله عنهم، لم يعلم عن أحد من الصحابة أنه كان يذهب إلى غار حراء أو يذهب إلى هذه الأماكن. فهل معنى ذلك أنهم لا يحبون النبي صلى الله عليه وسلم أو أنهم لا يعظمون محبته؟ فهذا الذي يقول هذا يكذب على نفسه، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم هم أشد الناس حبا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان هناك شيئا شرعيا لكانوا أول الناس يسبقون في هذا العمل، لو كان خيرا ما سبقون إليه، فعندما يجعلون أحدا يسبقهم إلى الأعمال الصالحة، كانوا سباقين إلى الأعمال الصالحة ولمحبة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا أبو بكر الصديق في الهجرة كان يمشي أمام النبي صلى الله عليه وسلم وخلفه وعن يمينه وعن شماله، كل ذلك خوفا على رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. خبيب بن عدي يقول له أبو سفيان: يا خبيب، لو كان محمد صلى الله عليه وسلم في مكانك وأنت في بيتك، فهل ترضى بهذا؟ قال: والله لا أرضى بأن تمس منه شعرة، يعني أنه يريد أن يهيج مشاعره، يقول: العالم من ينقذه، فهذا محمد في المدينة مع أصحابه، لم يأتِ أحد ينقذه، فقال: لو كان محمد في مكانك وأنت في بيتك، فقال: والله ما أرضى أن تأخذ منه شعرة عليه الصلاة والسلام. فحب الصحابة رضي الله عنهم حبا عظيما، حتى قال عروة بن مسعود الثقفي: قال: والله، وردت على كسرى وعلى قيصر وعلى الملوك، ما رأيت أحدا يعظمه أصحابه كتعظيم أصحاب محمد لمحمد صلى الله عليه وعلى وسلم، يقول: أنه ما رأى أحدا يعظم شخصا كتعظيم أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فلذلك فالذي يقول أن هناك من هو أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وعلى وسلم من الصحابة فهو كاذب. فلذلك هؤلاء يظنون أنفسهم أنهم أشد محبة، فيتتبعون الآثار، ابن عمر رضي الله عنه كان من أشد الناس تتبعا لآثار النبي صلى الله عليه وسلم، لكن لم يثبت عنه أنه كان يذهب إلى غار حراء أو إلى غار ثور أو إلى غيرها من هذه الأمور. فلذلك فلذلك فلذلك، كما قلنا، أحيانا الإنسان يأتي بالباطل وينهاك عن الحق، ينهاك عن الحق، فلذلك لا يعتمد الإنسان على كلام الجاهل. فإن كان الذي أعطاك هذا الكلام من أهل العلم... لأن الناس يتكلمون في الدين بغير علم، بغير علم، فيقول: هذا حرام، هذا حلال، هذا لا يجوز، هذا كذا، وهو لا يعرف حكم الله عز وجل فيه، فقط بما سمع، قد يكون سمع من أمه أو سمع من أبيه أو سمع من أحد من أهله، يظن أن هذا هو الدين. الآن أكثر الناس يأخذون دينهم من أبيهم ومن أمهم، صحيح يتربى وهو صغير عند أبيه وأمه، لكن تجد أنه ينشأ على ذلك، فإذا أراد شيئا يسأل في الدين يسأل أباه أو يسأل أمه، فهذا خطأ، فالاعتماد على كلام هؤلاء لا يفيدك شيئا، بل قد يجعلك تقع في الخطأ من حيث لا تشعر. ولهذا كما قلنا هذا الرجل أنكر عليه، أنكر عليه هذا الفعل، لكنه لم يستجب لمن أنكر عليه، وذهب يسأل أهل العلم، ففيه أيضا أن سؤال أهل العلم مهم جدا، أن الإنسان يسأل عن دينه، لا يستحي، فالذي لا يسأل عن دينه إما أنه مستكبر وإما أنه خجل أو مستحين، عن الحياة هنا حياة الخجل، فلا يجوز له أن يستحي من أمر الدين، يفعل شيئا بجهله وعنده من سيسأله، عنده من أهل العلم من سيسأله، لكن لا يسأل، بل يفعل هذا الفعل وهو لا يعلم هل هو فعله صحيح أو لا. فلذلك الله عز وجل يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، تسأل أهل العلم في الصغيرة والكبيرة، ولا شك أن الأشياء الكبيرة يحتاج إلى سؤال أكثر، ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾. فالذي لا يسأل أهل العلم فإن الشيطان يغويه والشيطان يضله ويكون من أتباعه، فالذي لا يتبع طريقة العلم ويسألهم يكون من أتباع الشيطان والعياذ بالله، فينتبه الإنسان لمثل هذا. فهذا الرجل سأل عبد الله بن عمر، فجاء له بالفتوى الصحيحة، جاء له بالفتوى الصحيحة وأن هذا لا يضر حجك، فحجك صحيح، وذكر له حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأيضا فيه ما كان عليه الصحابة من الفقه العظيم، وأنهم يستدلون لأقوالهم بكلام رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فهذه بعض الفوائد التي تذكر في هذا الحديث، فنكتفي بذلك والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر