الصبر عند البلاء

الدرس في الصبر عند البلاء، محاضرة في مسجد باهارون بغيل باوزير ليوم الجمعة 26 جمادى الثانية 1430هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

غاية خلق الخليقة والحياة الدنيا والابتلاء

الله خلق الحياة والموت لغاية الابتلاء ليميز الصادق من الكاذب والمستقيم من غيره. الابتلاء يكون بأمر الله ونهيه ليعلم من يمتثل ومن لا يمتثل.

الابتلاء في حياة الأنبياء والصالحين وقدر الإيمان

الأنبياء والصالحون ابتليوا بابتلاءات عظيمة وصبروا عليها، وكانوا أسوة حسنة للمؤمنين. الابتلاء يكون بقدر الإيمان، فمن كان إيمانه قوياً كان ابتلاؤه أشد.

الصبر على الابتلاءات والفتن

يجب على المسلمين الصبر على الابتلاءات التي تقدرها الله، مثل نقص الأموال والمعيشة. المال والولد والزوجة كلها ابتلاءات من الله تعالى وقد تكون فتنة.

  • 28 جمادى الآخرة 1430هـ - 21/06/2009مـ
التفريغ النصي الكامل

نعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، كل ضلالة في النار. نحمد الله جل وعلا الذي جمعنا في هذا المسجد المبارك، ونسأله جل وعلا كما جمعنا في هذا البيت من بيوت الله جل وعلا أن يجمعنا في جنته سبحانه وتعالى إخوانا متحابين على سرر متقابلين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وجزى الله خيرا القائمين على هذا المسجد الذين أعانوا على قيام هذه المحاضرة وهذا المجلس، فنسأل الله جل وعلا أن يجزيهم خيرا. وجزى الله خيرا أخانا الفاضل أبا عبد الله محمد باجعال على هذه المقدمة الطيبة والترحيب الطيب وحسن ظنه بإخوانه، فجزاه الله خيرا. اعلموا أيها الناس أن الله جل وعلا خلق هذه الحياة وخلق هذه الخليقة لغايات عظيمة، ومن أعظم هذه الغايات أنه جل وعلا خلق الموت والحياة لأجل الابتلاء، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. خلق الله جل وعلا الموت وخلق الحياة لأجل أن يبتلينا سبحانه وتعالى، وهكذا جعل الله عز وجل ما على هذه الأرض من زينة وزخارف لأجل الابتلاء، فلا تظنوا يا عباد الله أن هذه الزينة التي جعلها الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا وهذه الزخارف لأي شيء، وإنما ذلك لأجل الابتلاء. كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. فلذلك عباد الله علينا أن ندرك هذه الحقيقة وأن ندرك هذه الغاية التي لأجلها خلقت الخليقة، والتي لأجلها جعلت هذه الحياة الدنيا ألا وهي غاية الابتلاء. الله جل وعلا يقول في كتابه الكريم مبينا أن الغاية من خلق الخليقة ومن خلق الإنسان هي الابتلاء، قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾. فالله سبحانه وتعالى خلقنا يا عباد الله لأجل أن يبتلينا في هذه الحياة الدنيا، فلابد من الابتلاء ولابد من التمحيص حتى يميز الكاذب من الصادق والأمين من الخائن والمستقيم من غيره. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. لا يميز الصادق من الكاذب إلا بالابتلاء والتمحيص، فإذا جاء الابتلاء وحصلت كذلك الفتنة تميز الصادق في إيمانه من الكاذب. وهكذا يقول ربنا عز وجل مبينا في كتابه الكريم أن الابتلاء سنة كونية قضاها الله سبحانه وتعالى، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون. وقال جل وعلا: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾. فلابد يا عباد الله من الابتلاء في الأموال، ومن الابتلاء في الأنفس، ومن الابتلاء في الأولاد، ومن الابتلاء في الدين. هذه حقيقة بعثة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فالبعثة التي أرسل بها النبي عليه الصلاة والسلام والدين الذي أرسل به النبي عليه الصلاة والسلام حقيقته الابتلاء. ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من حديث عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن الله جل وعلا يقول لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك». إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، وإنما أدات حصر، فهذا الحديث العظيم فيه بيان الغاية التي لأجلها بعث نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. بعثه الله جل وعلا ليبتليه وهكذا ليبتلي غيره من عباده، لتعلموا عباد الله أن الابتلاء هي الدين الذي بعث به الرسل جميعا. فما من نبي وما من رسول بعثه الله جل وعلا إلى قومه إلا وابتلاه بما بعثه به، وابتلا قومه أيضا بهذا الذي بعثه الله سبحانه وتعالى به. فهنا الابتلاء يا عباد الله، فمن الناس من يققبل دين الرسل ويأخذ هذا الهدى الذي جاء به أنبياء الله ورسل الله عليهم أفضل الصلاة والسلام. ومن الناس من يفشل في هذا الابتلاء ويفشل في هذا الاختبار والعياذ بالله، والسبب عدم مجاهدة النفس. فالذي ينجو في هذه الابتلاءات هو الذي جاهد نفسه، وأما الذي لم يجاهد نفسه فإنه الذي يخسر وهو الذي يفشل. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾. فلابد يا عباد الله من مجاهدة النفس الأمارة بالسوء، هذه النفس تحب الشهوات، وهذه النفس تحب الملاهي، وهذه النفس تحب الباطل وترغب في كل قبيح والعياذ بالله. فلابد مجاهدة هذه النفس الأمارة بالسوء حتى ينجو الإنسان من جميع هذه الابتلاءات وينجح بتوفيق الله جل وعلا له وبإعانته سبحانه وتعالى له. لأنه قام بالسبب، قام بالسبب وهو مجاهدة النفس، فوفقه الله جل وعلا وعانه وجعله ممن ينجح ويفوز في هذا الابتلاء. فهكذا عباد الله المسلم في هذه الحياة الدنيا، وهكذا الإنسان يقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾. الله جل وعلا ما خلقنا عبثا مثل البهائم نأكل ونشرب ونلهو ونلعب ونسرح ونمرح من غير أمر بطاعة ومن غير نهي عن معصية. لا والله، فالله جل وعلا إنما خلق العباد لأجل أن يبتليهم بأمره جل وعلا ليعلم من يمتثل ومن لا يمتثل. وهكذا ابتلاهم بأنه نهاهم عما نهاهم عنه في كتابه العزيز أو في سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ليبتلي العباد من الذي يمتثل الأمر وهكذا يجتنب النهي. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾. قال قتادة وهكذا نقل عن الشافعي وعن مجاهد كما عند ابن كثير رحمه الله في تفسيره عند هذه الآية: أي لا يؤمر ولا ينهى. أي حسب الإنسان أن يكون في هذه الدنيا من غير أمر ومن غير نهي، لا وإنما خلقه الله جل وعلا ليبتليه بأوامر هل يحقق ما أمر الله جل وعلا به وهل كذلك يحقق ويجتنب عما نهى الله جل وعلا عنه. أم أنه لا يمتثل ذلك فيقع والعياذ بالله في مخالفة الأوامر وفي ارتكاب كذلك المحرمات والمنهيات. والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى، والسعيد من وفقه الله جل وعلا بامتثال أوامره وأوامر رسوله عليه الصلاة والسلام واجتناب نواهيه ونواهي رسوله عليه الصلاة والسلام. كذلك عباد الله الابتلاء قد تعرض له أفضل الخلق، أفضل الخلق تعرضوا لهذا الابتلاء. أنبياء الله عليهم أفضل الصلاة والسلام هم أفضل الخلق وأفضل البشر، ومع هذا كانوا أشد الناس بلاء كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. قال عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل». يبتلى المرء على قدر دينه، على قدر إيمانه، فإن كان في إيمانه شدة الشدة بلاؤه، وإن كان في إيمانه رقة خف بلاؤه. وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى يا عبد الله بك، حيث أنه جل وعلا جعل الابتلاء بقدر الإيمان الذي تحمله في قلبك. فإن كان إيمانك قويا كان البلاء قويا يقابل هذا الإيمان، لأنك تستطيع أن تدفع هذا الابتلاء بما معك من الإيمان. ولكن إذا كان إيمانك ضعيفا وليس بقوي فإن الابتلاء يكون بقدر هذا الإيمان الذي في قلبك الذي هو الضعيف. حتى تستطيع أن ترد هذا الابتلاء، ولا يقول أحد إذن أنا أبقى على ضعف إيماني حتى لا يشتد علي البلاء. لا يعبث الله هذا من وساوس الشيطان، يأتي الإنسان ويقول له كن على هذا الحال يكفيك على هذا الحال. فإنك إذا ازددت إيمانا سيزداد البلاء، وجهل هذا المسكين أن البلاء إنما هو بقدر الإيمان. البلاء معك معك يا عبد الله، لكن أجرك أعظم للإيمان الشديد الذي سببه وجود الإيمان القوي في قلبك. فعظم لك الأجر أكثر وأكثر، ولذلك كان أنبياء الله هم أعظم الناس أجرا لأن بلاءهم أشد. فهكذا عبد الله عليك أن تسعى في زيادة إيمانك، واعلم أن البلاء إنما سيكون بقدر الإيمان. فإن كان في إيمانك شدة اشتد البلاء، وإن كان في إيمانك رقة خف البلاء، وهذا من فضل الله جل وعلا. فأنبياء الله ابتلاهم الله جل وعلا بابتلاءات عظيمة، نذكر في هذا المقام بعضا من هذه الابتلاءات. فهذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله جل وعلا بابتلاء عظيم وهو أن يذبح ابنه فلذة كبده. هذا ابنه الذي يحبه حبا عظيما، كان الابتلاء من الله جل وعلا لإبراهيم بذبح ابنه. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾. بلاء عظيم يا عبد الله، أنت يا عبد الله لم يبتلك الله جل وعلا بذبح ابنك ولا بذبح أخيك ولا بذبح أبيك ولا بذبح أمك. فهؤلاء أنبياء ابتلوا بابتلاءات عظيمة، فهذا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يبتلى بذبح ابنه فلذة كبده. فلما استجاب لأمر الله جل وعلا نجاه الله سبحانه وتعالى من هذا البلاء. لتعلموا عباد الله أن الذي يمتثل أمر الله جل وعلا ويصبر فإن العاقبة له، لابد من الفرج يا عباد الله، لابد. فالفرج إنما يكون مع الصبر، الفرج يكون مع الصبر، فإذا صبر الإنسان واحتسب على البلاء فإن الله جل وعلا يفرج عنه ويعوضه الله سبحانه وتعالى خيرا. وما يدل على ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قال كما جاء في الصحيح: «من أصيب بمصيبة فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وخلف لي خيرا منها». قالت أم سلمة رضي الله تعالى عنها: فلما توفي أبو سلمة أتيت بهذا الدعاء فأخلفني الله جل وعلا برسول الله عليه الصلاة والسلام. قالت: من هذا أفضل من أبي سلمة الذي سيعوضه الله سبحانه وتعالى، فكان الخليفة هو رسول الله عليه الصلاة والسلام. وذلك لأنها صبرت واحتسبت، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول أيضا: «من ابتليت بحبيبتيه يعني بعينيه فعوضتهما خيرا منهما الجنة». فالجنة يا عبد الله عوض من الله سبحانه وتعالى وجزاء لصبرك على هذا الابتلاء الذي هو العمى. وعلى هذا كل الابتلاءات فإنها تعوض بالخير العظيم من الله سبحانه وتعالى، حتى الشوكة يا عبد الله التي تصاب بها وهي شوكة لا تظن أن هذه الشوكة لا أجر فيها. لا مع صبرك ومع قولك الحمد لله وبسم الله توجد على ذلك كما قال نبي عليه الصلاة والسلام: «حتى الشوكة يشاكها يعني إذا صبر المسلم فإن الله جل وعلا يجزيه على هذا الصبر وعلى هذا الابتلاء». كذلك أيوب ابتلي بمرض عظيم، وهكذا أنبياء الله سبحانه وتعالى ابتلى الله جل وعلا أيضا إبراهيم بكلمات فأتمهن. كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. وهكذا أيضا الله سبحانه وتعالى ابتلى سليمان وغيره من الأنبياء، قال الله سبحانه وتعالى على لسان سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. لما رأى عرش بلقيس أمامه قال سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾. يعني أن هذا الذي حصل من الخير العظيم يعني إتيان هذا العرش العظيم من اليمن إلى الشام هذا ابتلاء من الله جل وعلا. هل يتبعه شكر لله سبحانه وتعالى أم كفر والعياذ بالله وعدم شكر للنعمة. فهذا مما ابتلي به الأنبياء، يوسف ابتلي حين رمي في تلك الحفرة، ولاقى ما لاقى من إخوانه. كم قص الله جل وعلا لنا في كتابه الكريم قصص الأنبياء والرسل وما لاقوا وما عانوا من الابتلاءات. وأعظم هؤلاء ابتلاء هو نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد ابتلي ابتلاءات عظيمة. وهكذا الصحابة عباد الله قد ابتلاهم الله جل وعلا بابتلاءات عظيمة، فصبروا على هذه الابتلاءات. هذا الصحابي يأتي خباب بن الأرث رضي الله تعالى عنه كما جاء في الصحيح وقد لاقوا في ذلك اليوم شدة عظيمة من المشركين. فجاء للنبي عليه الصلاة والسلام وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، قال: يا رسول الله ألا ترى ما نحن فيه ألا تستنصر لنا الله جل وعلا ألا تدعو الله لنا. فكان جواب النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إنه كان فيمن كان قبلكم يؤتى بالرجل فيحفر له في الأرض ويوضع في هذه الحفرة ويؤتى بالمنشار ويوضع على مفرق رأسه فينشر ما بين لحمه وعظمه ما يصده ذلك عن دين الله جل وعلا». والله لا يتمنى الله هذا الأمر حتى يمشي الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون. فهكذا الصحابة ابتلوا في معاركهم مع الكفار، فتزلزلت بهم الأرض كما قال جل وعلا مبينا ذلك في سورة الأحزاب: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾. ابتلاءات عظيمة يا عباد الله تعرض لها أنبياء الله وتعرض لها الصحابة رضي الله تعالى عنهم وارضاهم. وهكذا الناس يبتلون الأمثل فالأمثل كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل». هكذا من كان تابعا لأنبياء الله جل وعلا فليعلم أنه سيبتلى سيبتلى في هذه الحياة الدنيا بألوان من الابتلاءات. فما الواجب يا عباد الله، الواجب هو الواجب الذي قام به أولئك الرسل والواجب هو ذلك الواجب الذي قام به أتباع الرسل من قديم الزمان. فهو هو عباد الله وإن تغير الزمن وإن تقدمت الأعمار بالناس، فالواجب هو الواجب ما هو في كتاب الله وما هو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. أتريدون أن تعلموا يا عباد الله من هو المهتدى في هذه الدنيا من هو المهتدى الذي يسير على صراط المستقيم وعلى توفيق من رب العالمين. إنه الصابر، الصابر الذي صبر على هذه الابتلاءات، اليوم الناس يعايشون أنواعا من الابتلاءات ربما نقصا في الأموال نقصا في المعيشة ونقصا كذلك في الزروع والثمار. هذا قد ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، لكن نريد أن نعلم من الذي نجح وفاز في هذه الابتلاءات ومن الذي خسر. فالناجح والفائز هم الذين ذكرهم الله جل وعلا في آخر الآية الذين قالوا: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. قال الله عز وجل: «أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون». فأما الذي لا يصبر على هذه الابتلاءات اليوم ولا يصبر على هذه المصائب حصلت يعني شدة في الأموال حصلت شدة في شيء من المعيشة. فتضجر الناس وصاروا لا يصبرون على هذه الابتلاءات، أين الصبر يا عباد الله أين الصبر على هذه الابتلاءات. أما عند الناس صبر يصبرون على هذه الابتلاءات من الذي قدرها قدرها الله سبحانه وتعالى بسبب ماذا بسبب ذنوب الناس وبسبب معاصيهم وبسبب إعراضهم عن شرع الله جل وعلا. كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾. فهذه الابتلاءات الحاصلة يا عباد الله علينا أن نصبر عليها، لماذا نرى الناس اليوم في أمور تخالف شرع الله جل وعلا لا يدل عليها كتاب الله ولا يدل عليها سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. اليوم الناس في مظاهرات في مسيرات في شعارات في نعارات لماذا هذه الأمور أي حل هذا هل هذا حل شرعي في كتاب الله أو في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. أين الصبر على هذه الابتلاءات، الناس اليوم صاروا يحكمون عقولهم وصاروا يحكمون شهوات أنفسهم ما صاروا يحكمون كتاب الله ولا صاروا يحكمون سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. أئمة المساجد في خطب الجمع والمحاضرون يحاضرون في بيوت الله جل وعلا يدعون الناس للصبر يدعون الناس للتمهل. فإذا خرجت إلى الأسواق وإلى الشوارع تجد قوات هذه المسيرات والمظاهرات يدعون الناس لترك هؤلاء وتركهم هؤلاء هؤلاء هم أتباع الحكومات هؤلاء هم أتباع كذا وكذا هؤلاء كذا وهؤلاء كذا. سبحان الله والله يا عباد الله إن أغير الناس على دين الله جل وعلا وأغير الناس على ظهور هذه الأمور التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى ولا ترضي شرع الله هم العلماء وهم الصالحون. فكيف يرمى اليوم العلماء وكيف يرمى اليوم الناصحون بأنهم ماذا يعني تأتيهم أموال أو أنهم لا يعيشون واقع المسلمين. من قال يا عبد الله من قال لك أن هؤلاء لا يعيشون واقع المسلمين أليس هم من المسلمين الذي أنت واقع فيه غيرك واقع فيه كلنا واقعون في هذا يا عباد الله. لكن نحن أمامنا كتاب الله وسنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فالواجب أن نحكم شرع الله جل وعلا وأن نرجع كذلك إلى العلماء فيبين للناس الطريق الصحيح. جزاء هذه الأمور الحادثة وهذه الابتلاءات، فلا نجات لنا عباد الله إلا بالرجوع إلى كتاب ربنا وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. فهكذا يا عباد الله الناس يبتلى في هذه الدنيا بابتلاءات عظيمة، بعض الناس يخطئ خطأ عظيما حيث يظن أن الله سبحانه وتعالى إذا أنعم عليه بنعم أن الله جل وعلا أكرمه. ومن الناس من يظن أن الله جل وعلا إذا منعه من شيء من النعم أنه أهانه، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾. يعني ليس هذا بصحيح، الله سبحانه وتعالى يقول: «كلا» لأن ذلك الذي أنعم الله جل وعلا عليه بالنعم ظن أن هذا من الإكرام. نعم هو من الإكرام، لكن حقيقته الابتلاء، يبتليك الله سبحانه وتعالى في هذه النعم وفي هذه الأموال. فيبتلي الغني هل يشكر ربه سبحانه وتعالى، ويبتلي كذلك الفقير هذا الذي ابتلي ليس أن الله جل وعلا هانك يا عبد الله لا. ولكن راد الله سبحانه وتعالى أن يبتليك، وما يدريك يا عبد الله لعل الفقر والله خير لك من الغنى. كم من الناس من كان فقيرا كان في أوائل الصفوف لما كان فقيرا ما معه إلا بيته وما معه إلا الشيء القليل ما شاء الله في الصف الأول في الجماعات ويحافظ على الصلوات وعلى أخلاق عظيمة. جاءه قليل من المال فقط أنعم الله جل وعلا عليه بشيء من المال بشيء من التجارة سبحان الله فتراه في أول أمره في آخر الصفوف. ثم بعد ذلك نسل الله العافية ربما لا تراه إلا في بيته أو في عمله، من الذي شغله شغلته هذه الأموال والعياذ بالله. فالله سبحانه وتعالى من رحمته بعباده أنه يعلم حال عباده، من الناس من لا يصلح لهم المال يفسدهم المال والعياذ بالله. فلذلك الله سبحانه وتعالى أرحم بك يا عبد الله من نفسك التي بين جنبيك، فالله سبحانه وتعالى لذلك لا يجعلك غنيا لأن المال ربما يكون سببا في تركك لأوامر الله جل وعلا ولشرع الله جل وعلا. فيجعلك فقيرا وأنت على هذا الفقر على عافية وعلى خير وعلى استقامة وعلى طاعة. انظروا التجار اليوم يا عباد الله من من التجار سلم من من التجار سلم من هذا الابتلاء وهو الابتلاء بالمال. صدق النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «لكل أمة فتنة وفتنة أمة المال». كم من الناس من ابتلي بالمال اليوم ولم يضره ذلك المال إلا من رحم الله القليل فقط والله القليل فقط. من التجار الذين نجوا في هذه الفتنة ونجوا من هذا الابتلاء، وإلا أكثر التجار نسوا الله العافية. تقام الصلاة في المساجد وهم على تجاراتهم وهم على أماكن عملهم وهكذا ما السبب يا عباد الله السبب هذا الابتلاء. وهذه الفتنة التي هي من أعظم الابتلاءات ومن أعظم هذه الفتن ألا وهي المال. فلذلك عباد الله من أدرك حقيقة هذا الأمر وعلم أن ديننا دين ابتلاء ودين اختبار في أمور عظيمة. فإنه ينتبه لذلك ويعالج هذه الأمور ولا يغفل عنها، يعلم أن الولد ابتلاء من الله جل وعلا، الأولاد فتنة وابتلاء. لابد أن ترعى حق الله جل وعلا فيهم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وهكذا كذلك الزوجة ابتلاء وأمانة، وهكذا كذلك المال، وهكذا السيارة وهكذا الأساس وكل هذه الأموال يا عباد الله ابتلاء من الله سبحانه وتعالى. فمن رعاها حق رعايتها وأد حق الله جل وعلا فيها نجأ، ومن خالف ولم يقم بما أمر الله جل وعلا به أمر رسوله عليه الصلاة والسلام فإنه ينحرف ويهلك ويضل. وهكذا يا عباد الله فالله الله في التأني في الأمور والله الله في النظر في عواقب الأمور. ولا تجرنا عباد الله هذه الزخارف ولا تجرنا هذه الشهوات التي جعل الله سبحانه وتعالى ابتلاء في هذه الدنيا من انحرافنا ومن زيغنا عن دين الله جل وعلا. وهكذا الله عباد الله في الصبر، فنحن مقبلون يا عباد الله على فتن عظيمة نحن مقبلون يا عباد الله على فتن عظيمة الله أعلم بها. فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بالفتن وأنها تتوالى في آخر الزمان وتتكاثر. فلذلك انتبهوا يا عباد الله من هذه الفتن، عالجوا هذه الفتن بالتأني عالجوا هذه الابتلاءات بالصبر على هذه الشدائد وعلى هذه المصائب. عالجوا هذه الابتلاءات بالفرار إلى الله جل وعلا، وكذلك المسارعة إلى بيوت الله جل وعلا. وهكذا عباد الله ابتعدوا عن مجالس الفتن ابتعدوا عن أصحاب الفتن الذين يثيرون الفتن الذين يثيرون القلاقل. والله هؤلاء ما يريدون بالأمة خيرا، من يحرص على نشر الفتن والقلاقل بين أوساط المسلمين فإن هذا والله لا يخدم دين الإسلام ولا يخدم هذه الأمة. وإنما يزيد الأمر أعظم مما هو عليه لأنه لا علاج له إلا بالحلول الشرعية. فإذا كانت المطالب شرعية التي يطالب بها أهل الإسلام فلابد أن تكون بالحلول الشرعية. وأما إذا كانت المطالب أصلا غير شرعية المطالب أصلا غير شرعية فلا شك أنها أنهم ما سيعالجونها بالحلول الشرعية. فنحن نقول له