الدرس في التعليق على الجواب الكافي 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المجاهرة بالمعاصي والإفتخار بها يؤدي إلى غلق أبواب التوبة والعقوبة الإلهية، وينتج عنها قسوة القلب والبعد عن الله. المجاهرون لا يعافهم الله ولا يوفقون للتوبة.
الله يمسخ قلوب العصاة إلى صور حيوانات نتيجة لانهماكهم في المعاصي والدنيا، ويضرب أمثالاً لمن يلهث وراء الدنيا ولا يشبع منها أبداً. هذا المسخ يمثل عقوبة إلهية لهم.
المعصية المتكررة تفقد صاحبها استقباح الخطأ وتجعلها عادة مألوفة، وتغير مشاعر الفرد تجاه الخطأ. هذا الأثر يظهر في تغير سلوك الفرد وقلبه تجاه المعصية.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والصلاة على رسول الله وآله وصحبه. ولا مبعد. قال الإمام الخيم رحمه الله: فصل، ومنها - أي من آثار قلوب المعاصي - أنه ينسلخ من القلب استقباحها وتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه رؤية النفس له، ولا كلامهم فيه. وهذا عند أرباب الحَسْوِخ هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يعلم أنه عملها، ويقول: يا فلان، عملت كذا وكذا. وهذا ضرب من الناس لا يعافون، لا يعافون، ويسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب. كما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل أمة معافاة إلا المجاهرون». وإن من الإجهار أن يستر الله عز وجل العبد، ثم يصبح يفضح نفسه، ويقول: يا فلان، يا فلان، عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيحكي نفسه، وقد بات يستره ربه. وهذه أيضا العقوبة لبعد القلب من الله عز وجل، حتى ينسلخ من قلبه استقباح المعاصي، فيصير قلبه يلهث وراء المعاصي، حتى أن هذا القلب يصير قلبا آخر. وهذه من العقوبات الخفية التي قد لا يدركها الشخص في بداية أمره، يرى نفسه يبتعد عن الطاعة، ويلتذ بالمعصية، بل أنه لا يبالي بعملها لأنه ألفها، ويصير قلبه كأنه انسلخ مما كان فيه من استعظام من استعظام أن يأصل لها عز وجل، فصار لا يبالي بمثل هذه الأمور. وهذا تجد أن الله عز وجل يمسخ هذا القلب، حيانا يمسخه مسخا كليا، فيصير هذا العبد إلى الكفر والعياذ بالله. وحيانا يمسخه على صورة حيوان، يمسخ الإنسان على صورة حيوان، يمسخ قلبه، وكذلك شكله، كما حصل لبني إسرائيل. ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل﴾. فهؤلاء مسخهم الله عز وجل إلى قردة وخنازير، مسخ صورهم، وقلوبهم صارت أعمالهم كهذه الحيوانات. وحيانا ربنا جل وعلا يمسخ قلب هذا العبد، يجعله كالخنزير شهواني فقط، أو كالكلب يلهث في كل شيء، يعني يلهث وراء الدنيا، مثل ما ذكر الله عز وجل في سورة الأعراف عن ذلك الرجل الذي كان على علم بالله جل وعلا، لكن انسلخ من آيات الله، فأتبعه الشيطان، فكان من الغاوين. قال الله عز وجل: ﴿ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث﴾. صار لأجل الدنيا، وهذا مثال ضربه الله عز وجل لمن كان على علم على خير، ثم أغرته الدنيا، فصار كالكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث في كل أوقاته يلهث. وهكذا صاحب الدنيا لا يشبع أبدا من الدنيا، فهو بعيد عن الله، مقبل على الدنيا، فجعل الله مثاله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. وهكذا هذا صاحب المعصية يجعل الله عز وجل قلبه مثل قلب هذه الحيوانات، فكل بحسب ما جاءت به المعاصي، فإن كان للدنيا فهو كالكلب، وإن كان للشهوة فهو كالخنزير، وإن كان كالحمار فهو كالحمار، وهكذا غيرها من هذه التحولات التي تحصل له دون أن يشعر، فلا يقع إلا فيها. وهذا كله بسبب بعده عن الله وانهماكه في المعاصي. ومن ذلك أيضا أنه لا يستقبح هذه المعصية لأنه قد ألفها، حتى تصير عنده كالشيء المعتاد، كما تقدم في الذي فيما قبل أنه يفعل هذه المعصية ولو كانت بدون لذة. كما ذكر الإمام ابن قيم عن ذلك الحسن بن هانئ الذي اشتهر بالخمر وغيره، أنه كان يقول: «وكأس شربت على لذة أخرى تداويت منها بها»، معنى أنه اشرب الخمر على لذة وغير لذة. وهكذا أهل المعاصي من الزنا وغيرهم قد يفعل الزنا من غير لذة. وهذا كله بسبب عدم استقباح نفسه لهذه المعصية، ألفها حتى صارت شيئا معتادا يعتاده. ولهذا فهو لا يبالي أن يجاهر بها، أن يجاهر ويظهر بها عند الناس، بل يخبر أصحابه بها: يا فلان، عملت كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا البارحة، وقد ستره الله. فلذلك قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «كل أمة معافاة إلا المجاهرون»، معنى الذي يصل إلى هذه الدرجة، فهو قد صار له درجة أسوأ في هذه المعصية، حتى أنه لا يبالي بأن يحدث الناس بها. فلذلك لا يعافيه الله عز وجل، وقل أن يرجع مثل هذا إلى الله سبحانه وتعالى، لأن الله عز وجل يقول: «كل أمة معافاة إلا المجاهرون»، أي معافى. قال العلماء: أنه لا يوفق إلى التوبة، لا يعافيه الله لأجل أنه هتك ستر الله عز وجل عليه، بات الله عز وجل استره، فهتك الستر الذي جعله الله عز وجل له. وهذا من أعظم الإجرام الذي يسري في القلب الذي قد كان متوجها إلى الله، ثم يرجع بسبب هذه المعاصي إلى الخلف، ويبعد عن الله عز وجل، ويقسو قلبه. فهذا أثر من آثار هذه المعصية والعياذ بالله، أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة وإلف يألفها. فهذا - إن شاء الله تعالى - ما يذكر. والله تعالى أعلم.