الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 597، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوم الجمعة يوم عظيم اختاره الله للأمة الإسلامية، يتميز بفضائل عديدة منها خلق آدم وتوبة الله عليه. وقد ميز الله به هذه الأمة عن غيرها.
نهى النبي عن شد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة: المسجد الحرام ومسجد المدينة ومسجد إيليا. هذا التحذير يشير إلى أهمية هذه المساجد.
تناول المقطع حكم زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وعدم وجود دليل على استحبابها، كما تطرق إلى فضل ساعة يوم الجمعة.
أوضح المؤلف عدم ورود قصة بصرة بن أبي بصرة في سياق معين عند بعض العلماء، لكنها وردت في موضع آخر.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله. أما بعد، قال شيخنا مقبل -من هذا الوعد- رحمه الله: قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: مات هذا الغيب لا نأخذ بهذا. قال الإمام مالك رحمه الله: أنا في الموطأ عن يزيد بن عبد الله بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن إبراهيم بن حارث التيمي، هؤلاء من أهل المدينة، يزيد بن عبد الله بن الهاد، محمد بن إبراهيم التيمي، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وأبو سلمة اشتهر بكنيته ولم يعرف اسمه، سماه بعضهم، لكن الصحيح أنه لا يعرف اسمه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: خرجت إلى الطور، فلقيت كعب الأحبار، فجلست معه، وهذا بعد أن أسلم كعب الأحبار، قال: فجلست معه، فحدثني عن التوراة، وحدثته عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فكان فيما حدثته أن قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أهبط من الجنة، وفيه تيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة». وهذا في الصحيح، في الصحيحين، لكن في هذه الرواية فيها زيادات أخرى، وهي أيضا -كما رأيت- بإسناد صحيح، ذكرها الشيخ رحمه الله. وذكرنا الرواية الأولى في حديث عبد الله بن سلام، وهذه رواية أخرى أيضا في حديث أبي هريرة مع عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة». وذكرنا فضائل أو بعض فضائل يوم الجمعة، وهو اليوم الذي اختاره الله عز وجل لهذه الأمة. فهذا الذي اختلفوا فيه، فهذا الذي آمنوا لما اختلفوا فيه، فهذا الذي اختلف فيه هو يوم الجمعة، كما جاء عن ابن عباس وغيره، بل جاء مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: «فيه خلق آدم». وهذا أيضا من فضيلة هذا اليوم العظيم، وميز الله عز وجل هذه الأمة بهذا اليوم. وكما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أضل الله اليهود والنصارى، فكان لليهود السبت، وكان للنصارى الأحد، وهدى الله عز وجل هذه الأمة ليوم الجمعة». وهدى الله عز وجل هذه الأمة ليوم الجمعة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «فنحن الآخرون السابقون يوم القيامة، نحن آخر الأمم، وهي أول الأمم يوم القيامة؛ لأننا قبلهم في يوم الجمعة». فهذه الأمة معنا يومها قبل يوم اليهود، ويوم النصارى، فهذه الأمة يوم الجمعة، واليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، فصارت هذه الأمة مقدمة على الأمم، سبقت الأمم في اليوم، فكذلك أيضا تسبقهم يوم القيامة، فهي أول أمة تدخل الجنة. قالوا: «فيه تيب عليه، وفيه مات» أي آدم عليه السلام، وفيه تاب الله عز وجل عليه، وفيه أيضا أهبط من الجنة إلى الأرض. قالوا: «وفيه تقوم الساعة» على ما تقوم الساعة إلا يوم الجمعة، وهذا قد ثبت في الصحيح كذلك. قالوا: «ما من دابة إلا وهي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس»، كأنها خائفة ومتهيئة لشيء، شفقا من الساعة، إلا الجن والإنس، كأنها تريد أن تسمع شيئا، فتتسمع لهذا الشيء، وهي مشفقة من الساعة خائفة. ما من دابة إلا هي مصيخة يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس، معنى: إذا طلعت الشمس، معنى انتهى وقت القيامة الذي تقوم فيه القيامة، معنى: بعد الفجر إلى طلوع الشمس. قال: قال: «وفيه ساعة لا يصادفها عبد المسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه». وهذه الساعة تكلمنا عليها فيما سبق في الحديث، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يقللها. قلنا: إن الصحيح فيها أنها آخر ساعات النهار، كما جاء في حديث عبد الله بن سلام، آخر ساعات النهار، أي آخر ساعات الجمعة من نهار الجمعة، أي قرب غروب الشمس. قال: «وفيه ساعة لا يصادفها عبد المسلم وهو يصلي يسأل الله عز وجل شيئا إلا أعطاه إياه». قال كعب: أي كعب الأحبار، ذلك في كل سنة يوم. فقلت: بل في كل جمعة. فقرأ كعب التوراة، فقال: صدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال أبو هريرة: فلقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، وكعب الأحبار كان في الشام في بيت المقدس. فلما ذهب أبو هريرة لقيه في الطور، أي في جبل الطور. ثم لما رجع قال: لقيت بصرة بن أبي بصرة الغفاري، فقال: من أين أقبلت؟ يقول أبو هريرة: من أين أقبلت؟ فقلت: من الطور. فقال: لو أدركتك قبل أن تخرج إليه ما خرجت. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول، ومسجد إيليا أو بيت المقدس». يشير إلى إيليا، معنى: فلسطين، وبيت المقدس هو مسجد إيليا، لكن الراوي لا يدري هل ذكر إيليا أو ذكر بيت المقدس، وهذا من باب التحري في الألفاظ. فبصرة بن أبي بصرة الغفاري يخبر أبا هريرة أنه لو أدركه لما جعله يخرج إلى الطور؛ لأن أبا هريرة خرج إلى الطور زيارة؛ لأنه مكان معلم، كلم الله عز وجل فيه موسى، وقرأ لأجل اعتقاد نفع ذلك المكان، أو أنه يحتاج إلى زيارة. فأخبره بصرة أخبره بصرة بن أبي بصرة أن هذا قد نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه قال صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد»، كما جاء في الصحيحين في حديث أبي سعيد وأبي هريرة: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». فلهذا فإنه لا يجوز للإنسان أن يذهب أو يزور، يشد رحله إلى مكان لأجل العبادة، سواء كان مسجدا أو مكانا مثلا فيه شيء مما أثر، مثل هذا أو قبرا يرى أن زيارته فيها فضل أو غيرها. بل حتى كما بين الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: حتى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فإنه لا تشد له الرحال، وإنما تشد إلى المسجد، فإذا جاء الرجل للمسجد فيزور النبي عليه الصلاة والسلام، ليس من باب الوجوب، ولا من باب الاستحباب، وإنما من باب الزيارة، أقصد من باب الجواز مثلا في الحج أو في العمرة. لأن بعضهم يربط هذا بهذا، وبعضهم يقول: إنه يستحب الزيارة، وبعضهم يقول: إنه من باب الجواز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وحيثما كنتم فصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني». فسواء كان الإنسان زار قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يزر. ولهذا لم يأت عن أحد من الصحابة كما قال عبيد الله بن عمر: لما روى حديث عبد الله بن عمر في الزيارة، قال: وما عرف هذا عن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عن عبد الله بن عمر، ما عرف إلا عن عبد الله بن عمر، ما عرف هذا الفعل إلا عنه رضي الله تعالى عنه، إذا جاء من سفر، إذا جاء من سفر، ليس أنه وهو جالس. وأما بقية الصحابة فلم يعرف عنهم ذلك، ولم يأت دليل يحث على هذا، على أنك مثلا تزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم بذاته، تخصه بالزيارة، أو مثلا تسلم عليه عند القبر، فكل هذا لم يأت عن النبي عليه الصلاة والسلام. وإنما النبي عليه الصلاة والسلام ذكر السلام والصلاة عليه في أي مكان، فأي مكان يصلى عليه أو يسلم، فيصل إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ولهذا قال الحسن بن الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب: لذلك الرجل الذي كان عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء، ما في فرق بينكم وبين الرجل في الأندلس في آخر الدنيا، يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم». فلهذا فليس هناك ما يدل على استحباب الزيارة، لكن من زار اقتداء بفعل عبد الله بن عمر، فلا ينكر عليه. وقد ذكر كثير من أهل العلم أن هذا من باب الاستحباب، بل بعضهم غلا في هذا فذكره من باب الوجوب، مثل ما ذكر بعض أهل البدع كدحلان وغيره، بل ذكره السبكي كذلك، وأنه من الواجبات. وهذا كله من باب الغلو، وإلا في الأدلة ليس فيها شيء من هذا أبدا. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعد الناس عن مثل هذه الأمور، حتى أن قبره لم يظهر للناس، كما جاء في حديث عائشة خشية أن يتخذ مسجدا. قال أبو هريرة: ثم لقيت عبد الله بن سلام، فحدثته بمجلسي مع كعب الأحبار، وما حدثته به في يوم الجمعة. فقلت: قال كعب: ذلك في كل سنة يوم. قال: قال عبد الله: كذب كعب، كذب، معنى: أخطأ. فقلت: ثم قرأ كعب التوراة، فقال: بل هي في كل جمعة. فقال عبد الله بن سلام: صدق كعب. ثم قال عبد الله بن سلام: قد علمت أي ساعة هي. قال أبو هريرة: فقلت له: أخبرني بها، ولا تضن علي، أنا سأستفيد من هذا، ولا تبخل علي بهذه المعلومة. فقال عبد الله بن سلام: هي آخر ساعة في يوم الجمعة. هنا ذكره موقوفا، وفي الرواية التي مرت ذكره مرفوعا عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا صحيح كما قلنا، ما جاء مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام أنها آخر ساعة في يوم الجمعة. قال أبو هريرة: فقلت: وكيف تكون آخر ساعة في يوم الجمعة، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي»، وتلك الساعة ساعة لا يصلي فيها؟ قال عبد الله بن سلام: ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي». قال أبو هريرة: فقلت: بلى. قال: فهو ذلك، معنى: انتظاره للصلاة يعتبر صلاة، لا يصادف عبد مسلم وهو يصلي، معنى: أنه منتظر للصلاة، وإن كان مثلا يصلي من قبل أو قبل هذه الساعة، ثم جلس وينتظر في هذه الساعة، فكان خير عظيم. وكان السلف رحمهم الله، وما جاء عن سعيد بن المسيب وغيرهم، أنهم ما كانوا يخرجون من المسجد يوم الجمعة إلا بعد صلاة المغرب، فإذا صلوا العصر جلسوا رجاء هذه الساعة، رجاء أن يوافقوا هذه الساعة فيدعو الله عز وجل فيستجيب الله عز وجل لهم، فهذا شيء ما يذكر. وهنا ذكر الشيخ بعض الروايات التي لهذا الحديث، متابعة للإمام مالك رحمه الله عليه، وكذلك متابعة ليزيد بن الهاد من طريق حماد بن سلمة، من طريق غيره. قال: وليس عند الإمام أحمد وطبراني قصة بصرة بن أبي بصرة، وهي عند الإمام أحمد في موضع آخر قد كتبتها والحمد لله، كتبها في مسند بصرة.