الدرس في التعليق على شرح علل الترمذي 49، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع حال الراوي محمد بن عبيد الله العرزمي ويبين اتفاق العلماء على ضعفه لسوء حفظه وذهاب كتبه. ثم ينتقل لذكر أبي الزبير المكي وما أخذه عليه شعبة من ترك الصلاة والوزن والافتراء عليه، مع بيان أنه كان من الحفاظ وروى عنه أيوب وابن عيينة، واختلاف العلماء في تضعيفه أو لينه.
يستعرض المقطع آراء العلماء المتعارضة في أبي الزبير المكي، فبينما ضعّفه أيوب وابن جريج وسفيان الثوري، وثّقه ابن معين وأحمد وابن عدي ومالك معتبرين أنه ثقة صدوق. ثم يناقش مسألة تدليسه: فالحاكم نفى تدليسه، بينما ذهب العلائي وابن حجر والذهبي إلى أنه مدلس مستندين إلى رواية الليث بن سعد التي تفيد بأنه روى عن جابر ما سمع وما لم يسمع.
يبيّن المقطع أن أبا الزبير المكي روى أحاديث جابر بطريقين: السماع المباشر، وكتاب سليمان بن قيس اليشكري الذي انتشر في البصرة وحفظه المحدثون حرفاً بحرف. ويرى المحققون أن حمل روايات أبي الزبير في صحيح مسلم على السماع أو على هذا الكتاب المعتبر يبرئه من التدليس، بشرط إثبات نسبة تلك الأحاديث إلى الصحيفة بالاستقراء الدقيق.
يؤكد المقطع أن أبا الزبير لم يكن مدلساً، إذ لم يذكر العلماء الكبار تدليسه، وإنما فهم المتأخرون ذلك من رواية الليث. لذا تُعد أحاديثه عن جابر صحيحة، وهو ما دعا الإمام مسلم لإخراجها في صحيحه.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن ولِيَ أمرهم. أما بعد: قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وأما محمد بن عبيد الله العرزمي الذي روى عنه شعبة، وروى عنه سفيان أيضاً، فهو ابن أخي عبد الملك بن أبي سليمان المذكور قبله، وكان شعبة ينسبه إلى جده تدليساً، يقول: أخبرنا محمد بن أبي سليمان. وقد تركه ابن المبارك، وكان يحيى وعبد الرحمن لا يحدثان عنه. قال يحيى: سألتُ فجعل لا يحفظ، فأتيتُ بكتاب فجعل لا يحسن يقرأ، أنا حتى القراءة لا يحسن يقرأ. وقال وكيع: هو رجل صالح، ذهبت كتبه، فكان يحدث من حفظه، فمن ذاك أتيهُ. هو رجل من العباد، لكن لم يحتفظ بكتبه، فلما احتُجَّ له فحدَّث ظهرت أخطاء عنده. وقال ابن نمير: هو رجل صدوق، ولكن ذهبت كتبه، وكان رديء الحفظ، فمن ثم أنكرت الأحاديث. وقال ابن معين: ضعيف، ليس بشيء، ولا يكتب حديثه. وقال الفلاس -أنا عمرو بن علي الفلاس الصيرفي-: وقال الفلاس والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن عدي: عامة رواياته غير محفوظة. وقال ابن حبان: كان صدوقاً إلا أن كتبه ذهبت، وكان رديء الحفظ، فكان يحدث من حفظه ويهم، فكثر المناكير في رواياته. ومحمد بن عبيد الله العرزمي الظاهر أنه قد اتفق على ضعفه، وأما روايات شعبة وسفيان فكانت قديمة، لكن لا تنفعه مادام أنه قد عُرف ضعفه. قال: وأما ابن الزبير، محمد بن مسلم، أبو الزبير المكي، وهو أسدي مكي. قال: فإن شعبة ترك حديثه، واعتلَّ بأنه كان لا يحسن يصلي، وبأنه كان يزن ويسترجح في الوزن، وبأن رجلاً أغضبه فافترى عليه وهو حاضر. أن هذه الثلاث الأمور أخذها شعبة على أبي الزبير. قال شعبة: في صدري لأبي الزبير عن جابر أربعمائة حديث، والله لا حدثت عنه حديثاً أبداً. قال: ولم يذكر عليه كذباً ولا صحفاً، بل كان من الحفاظ، وتقدم أنهم كانوا يدخلونه على جابر حتى يحفظ حديث جابر. قال المروذي: سألته -أبا عبد الله- عن أحمد بن أبي الزبير، فقال: قد روى عنه قوم واحتملوه، روى عنه أيوب غير مرة، إلا أن شعبة لم يحدث عنه. قلت: هو لين الحديث؟ قال: فكأنه لينه، ونسب ذلك إلى شعبة. قلت: هو أحب إليك أو أبو نُظرة؟ قال: أبو نُظرة أحب إليك. قلت: تكلم فيه أيوب أيضاً؟ قال: ابن المديني: حدثنا سفيان، قال: حدثنا أيوب، قال: حدثنا أبو الزبير، وهو أبو الزبير، فغمزه. كذا أخرجه العقيلي من طريق البخاري عن علي، فغمزه. هذه زيادة، الله أعلم، هل هي من العقيلي نفسه، وإلا الذي جاء ورواه أكثر من واحد أنه قال: وأبو الزبير هو أبو الزبير، وأبو الزبير هو أبو الزبير. وسيأتي عن الإمام أحمد أيضاً أنه فهم التضعيف. قال: كذا أخرجه العقيلي من طريق البخاري عن علي، أي ابن المديني. قال: وهذا خلاف ما فسره به الترمذي أنه عنى حفظه وإتقانه. وأخرج ابن عدي هذا الأثر، وهذا مما يدل -أو مما يدل- على حمل هذا على الثقة، أن أيوب كان يروي عنه، ولو كان ضعيفاً لما روى عنه، وأيوب ممن يتحرى في الرواية. وأخرج ابن عدي هذا الأثر من طريق الترمذي عن ابن أبي عمر عن سفيان -أي ابن عيينة-، وعنده: قال سفيان: هذه نقيصة. وهذا خلاف ما وجدنا في نسخ كتاب الترمذي، على الموجود في الترمذي كما قد ذكر، ليس فيه: هذه نقيصة. وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي: كان أيوب يقول: حدثنا أبو الزبير، وأبو الزبير، أبو الزبير. قلت لأبي: كأنه يضعف؟ قال: نعم. وأخرج العقيلي أيضاً من طريق معاوية، قال: كنا عند عمر بن دينار جلوساً ومعنا أيوب، فحدثنا أبو الزبير بحديث، فقلت لأيوب: تدري ما هذا؟ فقال: هو لا يدري ما حدث، أدري هذا. قال: وهذا يدل على أن أيوب كان يغمزه، لا أنه كان يقويه. وأخرج العقيلي من طريق أبي داود: قال: قال ابن جريج: ما كنت أرى أن أعيش حتى أرى حديث أبي الزبير يروى. وهذا أيضاً طعن في أبي الزبير. ومن طريق نعيم بن حماد: قال: سمعت سفيان يقول: سفيان الثوري، حدثني أبو الزبير، وهو أبو الزبير، كأنه يضعف. والظاهر أن نعيم بن حماد يظن أنه كلام سفيان، وإنما سفيان يرويه عن أيوب، ونعيم حفظه معه عنده شيء، حفظه. وروى عبد الجبار بن العلاء، قال: أخبرنا ابن عيينة. هنا أيضاً نعيم بن حماد، محمد -مما- ظهر على سفيان بن عيينة، ليس الثوري، لأنه لم يروِ عن الثوري. قال: أخبرنا ابن عيينة، قال: حدثني عمر بن دينار، أبو الزبير، وعمر بن دينار أوثق عندنا من أبي الزبير. وقال ابن خراش: وحدثنا زيد بن أخزم، قال: أخبرنا أبو عاصم، سمعت ابن جريج يقول: إن أبا الزبير اتخذ جابراً مطية، دائماً يقول: عن جابر، عن جابر. وقد وثقه ابن معين، وقال أحمد في رواية ابن هانئ: حجة، يُحتج به. وقال يعلى بن عطاء المكي: أخبرنا أبو الزبير المكي، وكان أكمل الناس عقلاً وأحفظهم. وقال ابن عدي: كفى بأبي الزبير صدقاً أن يحدث عنه مالك، فإن مالكاً لا يحدث إلا عن ثقة، ولا أعلم أحداً من الثقات تخلَّف عنه، إلا وقد كتب عنه، وهو في نفسه ثقة صدوق، لا بأس به، خرج حديثه مسلم، وخرج له البخاري مقروناً. فخلاصة ما يذكر عن أبي الزبير: أن الأصل أنه كان حافظاً ثقة، لكن أخذت عليه بعض الأمور التي جعلها بعض كثير من علماء الحديث أنها لا تضر في حده، لكن أيضاً مسألة أكبر من هذه، وهي مسألة التدليس: هل أبو الزبير مدلس أو ليس بمدلس؟ فالحاكم أبو عبد الله لما ذكر عدم تدليس أهل مكة، ذكر ممن لا يدلس: أبا الزبير، ذكر ممن لا يدلس: أبا الزبير. وقد ذكر جماعة المتأخرين، كالعلائي رحمه الله في جامع التحصيل، كذلك تبعه الحافظ ابن حجر في كتابه الذي ألفه في المدلسين، وغيرهم من أهل العلم، فذكروا أن أبا الزبير مدلس. كذلك الذهبي، وأخذوا أن أبا الزبير مدلس من حكاية الليث بن سعد، قال: جئت أبا الزبير، فقلت له: أعطني حديثك عن جابر. قال: فأعطاني كتابين. فقلت: هذا كله سمعته من جابر؟ قال: لا، منه ما سمعته، ومنه ما لم أسمع. فقلت له: فشر لي ما سمعت، فأشر لي على ما سمعت. قال: فأشار إلي، فحدثت عنه ما سمع، وأنا آخذ ما سمعه الليث عن جابر فقط، وأما ما لم يسمعه لم يأخذه. وهنا أخذ كثير من أهل العلم من هذه الحكاية أن أبا الزبير يدلس، أن هناك أحاديث يرويها عن جابر ولم يسمعها منه، وهذا ظاهر هذه القصة. لكن أبو الزبير له طريقان في حديث جابر: الطريقة المباشرة، وأيضاً أخذ حديث جابر من طريق، أو من كتاب اليشكري. وكتاب اليشكري مشهور عند العلماء، حدث منه أهل البصرة وغيرهم، حدث منه أيضاً أبو سفيان طلحة بن نافع، قد أخرج حديثه مسلم. فأكثر من روى حديث جابر رواه من طريق اليشكري. سليمان بن قيس اليشكري كان رجلاً قديماً كتب الحديث عن جابر، وهو من أهل مكة، كتب الحديث عن جابر، وأخرج ذلك الكتاب، كان عند زوجته، فتزوجها رجل من أهل البصرة لأجل هذا الكتاب، ثم انتشر كتاب اليشكري، انتشر بين أهل البصرة وبين غيرهم، حتى أن قتادة، فقرأ القرآن عند سعيد بن أبي عروبة أو سعيد بن بشير، فقرأ سورة البقرة فلم يخطئ في حرف منها، ثم قال: أي قتادة، وإني لا أحفظ صحيفة اليشكري أكثر مما أحفظ سورة البقرة، معناه أنه حفظها حرفاً حرفاً. وقال سليمان التيمي: جاءني بعضهم بصحيفة اليشكري فلم أروِ منها شيئاً، وقد روى فلان وفلان منها. والمهم أن أبا الزبير روى حديث جابر من هذه الصحيفة، وثبت هذا أنه كانت عنده. فإذا ثبت أن هذه الأحاديث أخذها من هذه الصحيفة، وهذا يحتاج إلى استقراء ومعرفة هذه الصحيفة، لكن الصحيفة ليست معروفة أنها ما كانت هناك نسخة تداولها المحدثون، وإنما كانت موجودة في ذلك الزمان ثم اختفت. وهذا يحتاج إلى أخذ أحاديث أهل البصرة الذين رووا عن أبي الزبير ومقارنتها بأحاديث أبي الزبير التي لم يسمعها مباشرة، وهذا يحتاج إلى استقراء كبير، لأن أول ما يُراد، أو الذي يفعل هذا، أول ما يُخرج أحاديث الليث، يعزل أحاديث الليث هذه التي سمعها أبو الزبير عن جابر، ثم يخرج الأحاديث التي رواها زهير بن معاوية وغيرهم عن أبي الزبير. الآن الإمام مسلم رحمه الله لم يكتفِ برواية الليث فقط، بل روى، ذكر رواية الليث، وذكر رواية زهير وسليمان بن مغيرة وغيرهم، وبعضها فيها تحديث، أو فيها سماع أبي الزبير عن جابر، وبعضها ليس فيه سماع، وليس فيها سماع. الشيخ الألباني رحمة الله عليه أخذ على منوال واحد، على أن من روى عن أبي الزبير ولم يأتِ بالتصريح في رواية أبي الزبير، ولم يروِ الليث هذا الحديث، يجعله ضعيفاً، ولو في صحيح مسلم، ولو في صحيح مسلم، ولهذا ضعف أحاديث شيخ صحيح مسلم. لكن هذه الطريقة لم يسبق إليها، وأخذ العلماء أن حديث أبي الزبير عن جابر في صحيح مسلم حملوها على السماع، حملوها على السماع، لأنه غالباً كما قلنا الذين رووا، خاصة زهير بن معاوية وكذلك سليمان بن مغيرة وغيرهم، رووا حديث أبي الزبير، إن لم تكن مباشرة، أقصد إن لم يكن سماع من أبي الزبير، فهي كتاب، فهي كتاب، وكتاب اليشكري كتاب صحيح. فالآن عندنا: إذا ثبت أن هذه الأحاديث التي رواها أبو الزبير، وهي قرابة المئة حديث أو أقل أو أكثر، إذا ثبت لدينا أن أبا الزبير هذه الأحاديث كلها سمعها أو رواها من كتاب سليمان بن قيس اليشكري، فيدل هذا على أن أبا الزبير ليس مدلساً، ليس مدلساً، ويحتاج هذا إلى إثبات هذه الحيثية. فإذا أثبتت هذه الحيثية، فيكون كلام الحاكم صحيحاً أن أبا الزبير لم يكن مدلساً، ومن تأمل كلام العلماء الكبار لم يذكروا أن أبا الزبير كان يدلس، وإنما فهم كثير من المتأخرين تدليس أبي الزبير بهذه الحكاية التي رواها الليث، فلهذا فالظن بأبي الزبير أن أحاديثه صحيحة عن جابر، ولهذا أخرجها الإمام مسلم رحمه الله لأبي الزبير.