الدرس في قل آمنت بالله ثم استقم 3، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يُناقش أهمية الاستقامة على الدين وخطورة الاغترار بالكثرة كسبب للضلال. يُشير إلى أن اتباع الأكثرية دون النظر إلى الحق قد يؤدي إلى الضلال.
يُبين خطأ اعتبار الكثرة دليلا على الصواب، مستدلاً بأن الكفار كانوا يستندون إلى كثرتهم، وأن القرآن يشير إلى أن الكثرة غالبا ما تكون لأهل الباطل. يُستشهد بحديث افتراق الأمة.
يُوضح أن الدعوة إلى الله لا تقاس بالكثرة، بل بالتمسك بالحق والصبر عليه. يُبرز أن الأنبياء وأتباعهم كانوا قلة، وأن الكثرة ليست معيارًا للنجاح.
يُنبه إلى خطورة اتباع الجماهير دون النظر إلى الحق، ويحذر من جعل الكثرة معيارًا للحق في الدين. يجب على المسلمين عدم الاكتراث بالكثرة واتباع أهل الحق.
إِنَ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًا مُرْشِدًا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. أَمَّا بَعْدُ، فَفِي دُرُوسٍ مَاضِيَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَقَامِ ذَكَرْنَا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِنِعْمَةِ اَلِاسْتِقَامَةِ عَلَى هَذَا اَلدِّينِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ اَلنِّعَمِ اَلَّتِي يَمُنُّهَا اَللَّهُ عَلَى اَلْعِبَادِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ اَلنِّعْمَةَ أَيْ اَلِاسْتِقَامَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَنْقَبَةً مُحَمَّدَةً لِصَاحِبِهَا، لَكِنَّهَا نِعْمَةٌ قَابِلَةٌ لِلسَّلْبِ وَلِلزَّوَالِ إذَا أَرَادَ رَبُّنَا ذَلِكَ، وَمَتَى مَا فَعَلَ عَبْدٌ اَلْأَسْبَابَ اَلدَّاعِيَةَ لِذَلِكَ. وَقَدْ ذَكَرَ رَبُّنَا فِي كِتَابِهِ، وَنَبِيُّنَا فِي سُنَّتِهِ، وَمَنْ تَأَمَّلَ أَيْضًا فِي وَاقِعِ اَلنَّاسِ يَرَى مُصَدَّاقَ ذَلِكَ، كَمْ مِنْ نَاسٍ كَانُوا عَلَى إسْلَامٍ، كَانُوا عَلَى إيمَانٍ وَهُدًى، كَانُوا عَلَى خَيْرٍ، كَانُوا عَلَى ثَبَاتٍ وَعَلَى اِسْتِقَامَةٍ، لَكِنَّهَا مَضَتِ اَلْأَيَّامُ ثُمَّ اِنْقَلَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ وَانْتَكَسُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ، فَأَصْبَحُوا مِمَّنْ أَضَلَّهُمْ اَللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَعَلَى غَيْرِ عِلْمٍ. اَلِانْحِرَافُ عِبَادَ اَللَّهِ أَمْرٌ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ، بَيْنَ أَعْيُنٍ، فَمَا مِنْ أَحَدٍ إلَا هُوَ مُعَرَّضٌ لِأَنْ يَنْتَكِسَ عَنْ هَذَا اَلْخَيْرِ وَيَنْقَلِبَ عَنْ هَذَا اَلْأَمْرِ، وَلِهَذَا فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي اَلدُّرُوسِ اَلْمَاضِيَةِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ أَنْ تُسْلَبَ مِنْهُ هَذِهِ اَلنِّعْمَةُ. فَإِذَا كَانَ اَلْأَنْبِيَاءُ وَهُمْ مَنْ هُمْ فِي وُجَاهَتِهِمْ وَفِي أَعْمَالِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانُوا يَخْشَوْنَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنْ تُسْلَبَ مِنْهُمْ هَذِهِ اَلنِّعْمَةُ، فَهَذَا نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ رَبِّي وَتَسْلِيمُهُ عَلَيْهِ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ اَلْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» اَلدُّعَاءُ بِالثَّبَاتِ كَانَ يَجْعَلُهُ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ. فَنَحْنُ مِنْ بَابٍ أَوْلَى وَأَوْلَى، وَبَيَّنَّا أَنَّ هَذَا اَلِانْحِرَافَ وَاَلضَّلَالَ عَنْ هَذَا اَلْخَيْرِ مَا يَكُونُ إلَّا عَنْ أَسْبَابٍ، أَسْبَابٍ يَتَعَاطَاهَا اَلْعَبْدُ وَيُقَرِّبُ إلَيْهَا، فَإِذَا بِهَذَا اَلسَّبَبِ يَجُرُّهُ إلَى اَلضَّلَالِ وَالِانْحِرَافِ وَالِانْتِكَاسَةِ عَنْ هَذَا اَلصِّرَاطِ اَلْمُسْتَقِيمِ وَعَنْ هَذَا اَلْمِنْهَجِ اَلْقَوِيمِ. وَمِنْ هَذِهِ اَلْأَسْبَابِ -وَالْأَسْبَابُ كَثُرٌ- وَلَا أَدَّعِي فِي هَذَا اَلْمَقَامِ أَنِّي سَأَسْتَطِيعُ أَنْ أُلِمَّ بِالْأَسْبَابِ، فَهِيَ كَثِيرَةٌ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ، مَذْكُورَةٌ فِي كِتَابِ اَللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهَا نَبِيُّنَا صَلَّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَدْ نَبَّهَ اَلْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا. وَقُلْنَا: وَمَعْرِفَةُ هَذَا اَلْبَابِ مِنْ أَعْظَمِ أُمُورِ اَلدِّينِ، وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ اَلْآيَاتِ وَلَكِنْ سُبُلَ اَلْمُجْرِمِينَ، يَنْبَغِي لِلشَّخْصِ أَنْ يَعْرِفَ مَا هِيَ سُبُلُ اَلضَّلَالَةِ، لَيْسَ مِنْ بَابِ اَلْمَعْلُومَاتِ اَلْعَامَّةِ أَوْ مِنْ بَابِ اَلثَّقَافَةِ أَوْ مِنْ بَابِ اَلتَّرَفِيهِ، لَا، بَلْ مِنْ بَابِ اَلدِّيَانَةِ، تَتَعَلَّمُ عَنْ أَبْوَابِ اَلضَّلَالَةِ حَتَّى تَخْشَاهَا. سُئِلَ عَنْ اَلشَّرِّ لَا لِلشَّرِّ وَلَكِنْ لِأَتَّقِيَهُ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ اَلْخَيْرَ مِنْ اَلشَّرِّ يَقَعُ فِيهِ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ رَضِيَ اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ يَقُولُ: «كَانَ اَلنَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اَللَّهِ عَنْ اَلْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنْ اَلشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي». فَكَانَ يَنْبَغِي اَلتَّعَرُّفُ عَلَى أَبْوَابِ اَلضَّلَالَةِ وَعَلَى أَسْبَابِ اَلِانْحِرَافِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى حَذَرٍ مِنْهَا، وَتَكُونَ عَنْ رِقَايَةٍ مِنْهَا. فَمِنْ هَذِهِ اَلْأَسْبَابِ -وَلَيْسَ هَذَا اَلْمَقَامُ مَقَامَ اَلتَّرْتِيبِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ- لَكِنْ بِمَا يُسَبِّبُهُ اَلْمَقَامُ مِنْ أَسْبَابِ اَلضَّلَالِ اَلَّتِي نَرَى أَنَّهَا مِنْ اَلْأَسْبَابِ اَلْمُهِمَّةِ اَلَّتِي جَاءَتْ اَلنَّاسُ يَتَكَالَبُونَ عَلَى اَلتَّسَاقُطِ عَنْ هَذَا اَلدِّينِ: اَلِاغْتِرَارُ بِالْكَثْرَةِ، اَلِاغْتِرَارُ بِالْكَثْرَةِ، وَهَذَا دَاءٌ عُضَالٌ، وَهُوَ مَدْخَلٌ شَيْطَانِيٌّ. بَعْضُ اَلنَّاسِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ اَلْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى خَيْرٍ وَعَلَى اِسْتِقَامَةٍ، لَكِنَّهُ مَتَى مَا طَرَقُوا هَذَا اَلْبَابَ وَاسْتَحْكَمَ هَذَا اَلْبَابُ فِي نُفُوسِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ، فَحِينَهَا لَا تَنْتَظِرْ مِنْ هَؤُلَاءِ إلَّا اَلضَّلَالَ وَالْهَلَاكَ. اَلِاغْتِرَارُ بِالْكَثْرَةِ تَرَى بَعْضَ اَلنَّاسِ يَجْعَلُ دِينَهُ عَلَى اَلْكَثْرَةِ، أَيْنَ اَلْكَثْرَةُ؟ هُوَ مَعَهَا، دُونَ اَلنَّظَرِ عَلَى مَاذَا تَقُومُ هَذِهِ اَلْكَثْرَةُ؟ عَلَى حَقٍّ أَوْ عَلَى بَاطِلٍ؟ عَلَى دِيلٍ أَوْ عَلَى سَبِيلٍ؟ عَلَى صِرَاطٍ؟ بَغْضِ اَلنَّظَرِ عَنْ هَذِهِ اَلْكَثْرَةِ، دِينُهُ وَدِيَاتُهُ أَنَّهُ يَبْحَثُ أَيْنَ اَلْكَثْرَةُ؟ فَأَنَا مَعَهَا. وَهَذَا اَلَّذِي نَرَاهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ اَلْمُنْحَرِفِينَ، بَعْضُ اَلنَّاسِ حِينَمَا تَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ اَلَّذِي هُوَ فِيهَا مِنْ اَلطَّرَبِ أَوْ مِنْ اَلِانْحِرَافِ، لِمَاذَا يَا عَبْدَ اَللَّهِ؟ مَا تَرْجِعُ إلَى دِينِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَنْصَحُهُ بِالِاسْتِقَامَةِ عَلَى هَذَا اَلدِّينِ؟ أَوَّلُ شُبْهَةٍ يُلْقِيهَا إلَيْكَ يَا عَبْدَ اَللَّهِ: أَنَا مَعَ اَلنَّاسِ، أَنَا مَعَ اَلنَّاسِ. هَلْ بِاَللَّهِ عَلَيْكَ رَبُّكَ يُحَاسِبُ هَؤُلَاءِ كُلَّهُمْ؟ مِلْيُونَيْنِ أَوْ خَمْ اَلْخَمْسَةِ مَلَايِينِ أَوْ عَشَرَاتِ اَلْمَلَايِينِ مِنْ اَلْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا اَلسُّلُوكِ؟ هَلْ أَوَّلًا كُلُّهُمْ سَيُعَذَّبُونَ؟ صَعْبٌ، فَيَجْعَلُ اَلْكَثْرَةَ هِيَ اَلْحُجَّةَ وَهِيَ اَلدَّيِلُ اَلَّذِي بِهِ يَسِيرُ اَلْمُؤْمِنُ فِي هَذِهِ اَلدُّنْيَا. وَاعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ هَذَا اَلْأَمْرَ هُوَ اَلَّذِي كَانَ عَنْ اَلْكُفَّارِ، اَلْكُفَّارِ مِنْ قَلَبُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَمَا اِسْتَمَرُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ إلَّا لَمَّا اِسْتَوْطَنَتْ هَذِهِ اَلشُّبْهَةُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ. هَذَا كَانَ اَلْكَافِرُ يَقُولُ: نَحْنُ عَلَى كَثْرَةٍ فِي اَلْقَبَائِلِ، فِي اَلْأَقْوَامِ، عَلَى كَثْرَةٍ فِي اَلْأَمْوَالِ، فَهَلْ سَنُعَذَّبُ؟ مَا نُعَذَّبُ. وَقَالُوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ وَكَانَ اَلْكُفَّارُ يَصُدُّهُمْ عَنْ اَلتَّمَسُّكِ بِهَذَا اَلدِّينِ -أَيْ بِشَرِيعَةِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ- أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْظُرُونَ إلَى أَتْبَاعِ اَلْأَنْبِيَاءِ عَلَى أَنَّهُمْ ذُلَّةٌ، وَعَلَى أَنَّهُمْ أَذِلَّةٌ. يَنْظُرُونَ: مَنْ مَعَكَ يَا نَبِي؟ فَيَنْظُرُونَ فَإِذَا هُمْ اَلْمَوَالِي أَوْ هُمْ اَلْعَبِيدُ أَوْ هُمْ مِنْ أَدْنَى اَلنَّاسِ فِي اَلْمُجْتَمَعِ، وَمِنْ أَقَلِّهِمْ فِي اَلْمُجْتَمَعِ، فَيَقُولُ اَلْكَافِرُ: أَمُورُوا هَؤُلَاءِ أَتْبَعُوا اَلرُّسُلَ، لَيْسَ هَذَا بِدِينٍ. لِمَاذَا؟ لِأَنَّ دِينَهُ قَامَ عَلَى اَلْكَثْرَةِ، وَاعْلَمُوا عِبَادَ اَللَّهِ أَنَّ مَنْ تَأَمَّلَ فِي كِتَابِ اَللَّهِ جَلَّ وَعَلَا يَعْلَمُ أَنَّ اَللَّهَ مِنْ حِكْمَتِهِ جَعَلَ أَنَّ اَلْكَثْرَةَ تَكُونُ لِأَهْلِ اَلْبَاطِلِ، اَلْكَثْرَةُ تَكُونُ لِأَهْلِ اَلْبَاطِلِ. قَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَحَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾. آيَاتٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا أَنَّ لَفْظَ اَلْكَثْرَةِ فِي اَلَّذِينَ قَدْ اِنْحَرَفُوا عَنْ اَلصِّرَاطِ اَلْمُسْتَقِيمِ: أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَكْثَرُهُمْ لَا يَسْمَعُونَ، أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ. اَلْكَثْرَةُ جَعَلَهَا رَبُّنَا جَلَّ وَعَلَا فِي أَهْلِ اَلضَّلَالِ وَأَهْلِ اَلْحِرَافِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي اَلسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ فِي اَلْحَدِيثِ اَلصَّحِيحِ، فِي حَدِيثِ اَلِافْتِرَاقِ، قَالَ عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ: «سَتَفْتَرِقُ هَذِهِ اَلْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي اَلنَّارِ إلَّا وَاحِدَةً». تَخَيَّلْ يَا عَبْدَ اَللَّهِ هَذِهِ اَلْجُيُوشَ، وَتَخَيَّلْ هَذِهِ اَلْمُعَسْكِرَاتِ مِنْ اَلْفِرَقِ اَلضَّالَّةِ: ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً، أَيْنَ مُنْجَاهَا؟ كُلُّهَا فِي اَلنَّارِ، ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ فِرْقَةً حَقَتْ عَلَيْهَا كَلِمَةُ اَلْعَذَابِ، فَأَصْبَحَتْ مِنْ أَهْلِ اَلنَّارِ إلَّا مِنْ إلَّا فِرْقَةً وَاحِدَةً، فَأَيْنَ اَلْكَثْرَةُ؟ اَلْكَثْرَةُ قَدْ وَقَعُوا فِي غَضَبِ اَللَّهِ وَفِي صِغَطِ اَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ فِي اَلصَّحِيحِ، قَالَ عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ: «بَيْنَا قِلَّةُ هَذِهِ اَلْأُمَّةِ» وَأَنَّ أَهْلَ اَلْأُمَّةِ اَلْمُحَمَّدِيَّةِ فِي يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ، حَالُهُمْ أَوْ وَزْنُهُمْ عِنْدَ اَلْأُمَمِ فِي يَوْمِ اَلْقِيَامَةِ كَالشَّعْرَةِ اَلْبَيْضَاءِ فِي اَلثَّوْرِ اَلْأَسْوَدِ. تَخَيَّلْ اَلثَّوْرَ، وَمَنْ يَتَخَيَّلُ حَجْمَ حَجْمِ هَذَا اَلْحَيَوَانِ اَلضَّخْمِ، وَبِمَا فِيهِ مِنْ اَلشَّعْرِ وَالْوَبَرِ، وَمِنْ فِيهِ مِنْ اَلشَّعْرِ، هَذَا اَلشَّعْرُ، تَخَيَّلْ شَعْرًا أَسْوَدَ، وَتَخَيَّلْ هُنَاكَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ، هَذِهِ اَلشَّعْرَةُ اَلْبَيْضَاءُ فِي هَذَا اَلْجِسْمِ اَلضَّخْمِ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بَيْنَ سَائِرِ اَلْأُمَمِ. ضَاعَتِ اَلْأُمَّةُ كُلُّهَا فِي هَذَا اَلْخِضَمِ مِنْ اَلشَّعْرِ أَوْ بَيْنَ اَلشَّعْرِ اَلْأَسْوَدِ، فَشَاءَ عِبَادَ اَللَّهِ عَلَيْنَا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ رَبَّنَا جَلَّ وَعَلَا جَعَلَ اَلْكَثْرَةَ فِيمَنْ فِي أَهْلِ اَلضَّلَالِ وَاَلْإِعْرَاضِ. فَلَا تَسْتَدِلَّ يَا عَبْدَ اَللَّهِ عَلَى دِينِكَ عَلَى هَذَا اَلْمِقْيَاسِ اَلْبَاطِلِ: أَنَا مَعَ اَلْكَثْرَةِ، أَنَا مَعَ اَلْجَمَاعَاتِ، أَنَا مَعَ مَنْ عَلِمُوا بِمَاذَا؟ بِاَلْجَمَاهِيرِ اَلْغَفِيرَةِ وَالْوَافِرَةِ، فَهَذَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ اَلضَّلَالِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ اَلصَّالِحِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَقَلَّ اَلنَّاسِ، وَمَا كَانَ اَلْقِلَّةُ عَارًا أَوْ شَنَارًا فِي دِينِ اَللَّهِ، لِذَا يَا عَبْدَ اَللَّهِ، وَهَذَا خَطَأٌ يُلْقَى فِي هَؤُلَاءِ، حِينَمَا ظَنُّوا أَنَّ اَلْعِزَّةَ وَاَلشَرَفَ وَاَلْقُرْبَ مِنْ اَللَّهِ يَكُونُ مَعَ اَلْكَثْرَةِ. وَرَأَوْا أَنَّ اَلْقِلَّةَ هِيَ عَارٌ، هِيَ شَنَارٌ، هِيَ مَذَلَّةٌ، وَهَذَا خَطَأٌ، بَلْ إنَّ اَلْأَنْبِيَاءَ وَأَتْبَاعَ اَلْأَنْبِيَاءِ كَانُوا مِنْ أَقَلَّ اَلنَّاسِ، فَقَدْ جَاءَ فِي اَلصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، قَالَ: قَالَ نَبِيُّنَا عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ اَلْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ اَلنَّبِيَّ وَمَعَهُ اَلرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ اَلرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ». أَيْنَ أَصْحَابُ اَلْكَثْرَةِ مِنْ هَذَا اَلْحَدِيثِ؟ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ اَللَّهِ لَيْسَ بِدَاعِيَةٍ، نَبِيٌّ عِنْدَهُ يَا اَللَّهُ مَا عِنْدَهُ، يَا اَلْوَهْجَ، أَعْطَاهُ اَللَّهُ يَدَهُ بِالْكَرَامَاتِ، بِالْمُعْجِزَاتِ، بِالْآيَاتِ اَلْبَيِنَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَأْتِي هَذَا اَلنَّبِيُّ عِنْدَ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا مِنْ أَتْبَاعِهِ هَؤُلَاءِ، يَأْتِي اَلنَّبِيُّ وَمَعَهُ اَلرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ اَلرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ. مَا عِنْدَهُ أَحَدٌ، هَلْ هَذَا عَيْبٌ؟ هَلْ هَذَا خَجَلٌ عِنْدَ اَللَّهِ جَلَّ وَعَلَا؟ لَيْسَ بِعَيْبٍ وَلَا شَنَارٍ وَلَا مَذَلَّةٍ، لِأَنَّ اَلنَّبِيَّ مَا عَلَيْهِ إلَّا اَلْبَلَاغُ، يُبَلِّغُ دِينَ اَللَّهِ جَلَّ وَعَلَا لِكَيْ يُحْيِيَ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ، وَيُهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ. فَمَنْ آمَنَ وَاتَّبَعَهُ فَلَهُ اَلْفَوْزُ وَاَلْجِنَانُ، وَمَنْ تَنَكَّبَ عَنْ دِينِ اَلْأَنْبِيَاءِ فَعَلَيْهِ غَضَبُ اَللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَشَاهِدٌ عِبَادَ اَللَّهِ هَكَذَا كَانَ حَالُ اَلْأَنْبِيَاءِ، كَانُوا عَلَى قِلَّةٍ. وَمَا كَانَ يَوْمَ اَلْأَيَّامِ أَنَّ اَلْأَنْبِيَاءَ يَقُولُونَ: أَيْنَ اَلْكَثْرَةُ؟ أَيْنَ اَلْجَمَاهِيرُ؟ مَا عَلَى اَللَّهِ مَا تَرَبَّى اَلْأَنْبِيَاءُ عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ، تَرَبَّوْا عَلَى إنْصَافِ دِينِ اَللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، وَإِنْ كَانُوا قَامُوا بِذَلِكَ أَقَلَّ اَلنَّاسِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ عَبَسَةَ، لَمَّا كَانَ عُمَرُ كَافِرًا وَلَمَّا كَانَ مُشْرِكًا، ذَهَبَ وَسَأَلَ عَنْ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ اَلصَّلَاةُ وَاَلسَّلَامُ حَتَّى لَقِيَهُ، فَلَمَّا جَلَسَ عِنْدَ رَسُولِ اَللَّهِ أَرَادَ أَنْ يَسْأَلَ، وَاسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى هَذَا اَلدِّينِ، قَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ نَبِيُّنَا: أَنَا نَبِيٌّ، قَالَ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: «بَعَثَنِي اَللَّهُ لِكَسْرِ اَلْأَصْنَامِ وَلِيُعْبَدَ اَللَّهُ، لِيُعْبَدَ اَللَّهُ وَحْدَهُ». ثُمَّ قَالَ: «وَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا اَلدِّينِ؟» يَعْنِي يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، يَعْنِي أُمُورٍ وَشَطَاتٍ ضَخْمَةٍ، مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا اَلدِّينِ؟ قَالَ نَبِيُّنَا: «مَعِي عَبْدٌ وَحُرٌّ، مَعِي عَبْدٌ وَحُرٌّ». هَؤُلَاءِ مَعِي، مَا قَنَتَ نَبِيُّنَا -يَعْنِي- وَطَأْطَأَ بِرَأْسِهِ أَوْ قَالَ: يَا عُمَرُ لَازِلْنَا فِي بَدَايَةِ اَلدَّعْوَةِ، وَمَا فِي أَحَدٍ أَسْبَاغِي اَلْآنَ، أَمْرٌ عَادِيٌّ، قَالَ: «مَعِي عَلَى هَذَا اَلدِّينِ عَبْدٌ وَحُرٌّ». تُرِيدُ مَعِي عَلَى هَذَا اَلْأَمْرِ؟ كَانَ بِهَا مَا تُرِيدُ، مَا أُكَلِّفُ عَلَيْكَ، وَهَذَا أَصْلٌ يَا عَبْدَ اَللَّهِ، اَلدَّعْوَةُ وَاَلسُّنَّةُ وَاَلْجَمَاعَةُ، حِينَمَا يَدْعُونَ اَلنَّاسَ مَا يَرْفَعُونَ فِي أَعْيُنِهِمْ اَلْكَثْرَةَ، لَا ضَاءَكَ اَللَّهُ فِي اَلْكَثْرَةِ إذَا كَانَتْ عَلَى ضَلَالٍ أَوْ كَانَتْ عَلَى بَاطِلٍ. وَإِنَّمَا ذَيْنَ اَللَّهُ جَلَّ وَعَلَا يَقُومُ عَلَى اَلْحَقِّ، عَلَى اَلتَّمَسُّكِ بِهَذَا اَلصِّرَاطِ، وَهَذَا اَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نُعَلِّمَ اَلنَّاسَ إيَّاهُ، لِأَنَّ نُعَلِّقَ اَلنَّاسَ بِالْكَثْرَةِ: يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ أَقْبِلُوا عَلَيْنَا، أَقْبِلُوا عَلَى هَذِهِ اَلدَّعْوَةِ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّنَا عِنْدَنَا كَذَا وَكَذَا مِنْ اَلْكَثْرَةِ. كَحَالِ بَعْضِ اَلْجَمَاعَاتِ، بَعْضُ اَلْجَمَاعَاتِ جَعَلَتْ هَذِهِ اَلْكَثْرَةَ مِقْيَاسًا لِلنَّجَاحِ وَالْفَلَاحِ، يَقُولُ: اُنْظُرُوا، اُنْظُرُوا يَا أَيُّهَا اَلنَّاسُ، أَمُوا إلَى جَمَاعَتِنَا، قَدْ حَوَيْنَا عَلَى اَلْمِئَةِ، اَلْمَلَايِينِ، عِنْدَنَا فِي هَذِهِ اَلْجَمَاعَةِ مِئَاتُ اَلْأَعْضَاءِ، بِمَاذَا؟ بِاَلْكُرُوتِ اَلْحِزْبِيَّةِ. عِنْدَنَا فِي هَذِهِ اَلْجَمَاعَةِ عِنْدَنَا تَمْتَلِئُ بَيْنَ اَلْمَسَاجِدِ، وَتَمْتَلِئُ بَيْنَ اَلْمَسَارِحِ، وَيَمْتَلِئُ بَيْنَ اَلشَّوَارِعِ إذَا قَرَعْنَا بِالْمَبَاغِتَةِ، هَذَا اَلَّذِي عِنْدَنَا، أَمَّا جَمَاعَةُ اَلسُّوءِ وَتِلْكَ اَلْجَمَاعَةُ، مَا هِيَ إلَّا عِبَارَةٌ عَنْ شِرْذِمَةٍ، عِبَارَةٌ عَنْ قِلَّةٍ، مَا عِنْدَهُمْ شَيْءٌ. وَلِهَذَا اَلْتَفَتَتْ هَذِهِ اَلشِرْذِمَةُ اَلسُّذَّجُ مِنْ اَلنَّاسِ، بَعْضُ اَلنَّاسِ إذَا اِسْتَقَامُوا عَلَى دِينِ اَللَّهِ وَرَدُّوا يَتَمَسَّكُونَ بِالْحَقِّ، مَا اَلَّذِي يَنْظُرُونَ؟ يَنْظُرُونَ إلَى اَلَّذِي تَرَبَّوْا عَلَيْهِ، يَنْظُرُونَ إلَى اَلْكَثْرَةِ، أَيْنَ اَلْجَمَاعَةُ اَلَّتِي فِيهَا اَلْكَثْرَةُ؟ جَمَاعَةٌ عِنْدَهُمْ أَمْوَالٌ، عِنْدَهُمْ سَيَّارَاتٌ، عِنْدَهُمْ اَلْجَمَاهِيرُ اَلْغَفِيرَةُ، يَبْحَثُ فَإِذَا عَلِمَ تِلْكَ اَلْجَمَاعَةَ جَمَاهِيرُ، ذَهَبَ وَانْتَسَبَ إلَيْهَا وَلَا يُبَالِي بِأَهْلِ اَلْحَقِّ، بِحُجَّةِ أَنَّهُمْ مِنْ أَقَلَّ اَلنَّاسِ. فَعِبَادَ اَللَّهِ اعْلَمُوا أَنَّ هَذَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ اَلضَّلَالِ، أَنْ تَجْعَلَ دِينَ اَللَّهِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْكَثْرَةِ، فَهَذَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ اَلضَّلَالِ. و