التفائل وحسن الظن بالله.
يبرز المقطع أهمية التفاؤل وحسن الظن بالله كدافع للصبر والعمل عند الشدائد، مستشهداً بأقوال العلماء وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يتفائل بالأسماء الحسنة والكلمات الطيبة ولا يتطير. كما يذكر أمثلة عملية مثل صلح الحديبية وتغيير اسم حزن إلى سهل لتأكيد هذا المنهج النبوي.
يؤكد المقطع أن التفاؤل وحسن الظن بالله واجب على المؤمن مستنداً إلى أحاديث نبوية تحث على ذلك. ويستعرض قصص موسى عليه السلام وهاجر رضي الله عنها كأمثلة عملية على الثقة بالله في أصعب المواقف مما أدى إلى نصر الله وفرجه.
يستعرض المقطع نماذج من التفاؤل وحسن الظن بالله بدءاً بموقف خديجة رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم، مروراً بتفاؤل ابن تيمية بالنصر على التتار ويقينه به، وانتهاءً بدعائه الشفاء لمريض فبرئ فوراً. ويختتم بدعوة المستمعين إلى التفاؤل بفتح المساجد وزوال البلاء.
يدعو المتحدث الله أن يفرج الكروب ويمنح الصبر وحسن الظن به، مستشهداً بقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله". ويشير إلى الشيخ أبي معاذ أبي بكر باصلع المدرس بدار الحديث بالشحر كمثال لأخلاق المسلم في الشدائد.
ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أيها المستمعون الأعزاء، فإن الفأل وحسن الظن بالله من الأمور التي ينبغي أن يتحلى بها المؤمن، لا سيما في وقت الشدائد والأزمات؛ فإنها تعطيه دافعاً للعمل، فإن المتفائل عنده أمل أن يكون حاله في مستقبله خيراً من يومه، وأن يتجاوز العقبات والمحن، وأن يحقق المصالح والمنافع التي ليست في حوزته اليوم. قال الماوردي رحمه الله: «الفأل فيه تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على الظفر». فقد تفائل رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزواته وحروبه، والمراد بالتفاؤل شراح قلب المؤمن وإحسانه الظن وتوقع الخير. قال ابن الأثير رحمه الله تعالى: «التفاؤل مثل أن يكون رجل مريض فيتفائل بما يسمع من كلام، فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو يكون طلب ضالة فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه يبرأ من مرضه ويجد ضالته». والنبي صلى الله عليه وسلم حوصر وأوذي وأخرج من بلده، وقتل أصحابه، ومات له ستة من الولد، ومع ذلك كان يتفائل ويعجبه الاسم الحسن. أروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يعجبني الفأل الصالح، الكلمة الحسنة». وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفائل ولا يتطير، ويعجبه الاسم الحسن. وروى البخاري في صحيحه من حديث سعيد بن المسيب قال: فحدثني أن جده حزناً قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «ما اسمك؟» قال: اسمي حزن. قال: «بل أنت سهل». قال: ما أنا بمغير اسماً سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد. وفي صلح الحديبية، عندما جاء سهيل بن عمرو لمفاوضة المسلمين، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «سهل لكم من أمركم». أيها المستمعون الأعزاء، التفاؤل حسن ظن بالله عز وجل، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال، وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى حسن الظن بالله تعالى. روى الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عز وجل يقول: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله». وروى مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل». قال العلماء: حسن الظن بالله تعالى أن يظن أن الله يرحمه ويعفو عنه ويشفيه. والذي يتأمل في أحوال الرسل عليهم الصلاة والسلام والصالحين من بعدهم يجد أنهم متفائلون في أحلك الظروف والشدائد. فهذا موسى عليه السلام ومن معه عندما لحق بهم فرعون وجنوده، وأصبح البحر أمامهم والعدو خلفهم، كان متفائلاً ومحسناً للظن بربه، قال تعالى حاكياً عنه: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. وكذلك أم إسماعيل هاجر رحمها الله، عندما تركها إبراهيم عليه السلام في مكة مع ابنها إسماعيل، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعها هناك، ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم مضى إبراهيم منطلقاً، فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذا لا يضيعنا. انظروا يا عباد الله إلى قوة ثقتها بالله سبحانه وتعالى وحسن ظنها به، ففرج الله عنها، وأنبع بين يديها ماء زمزم، فأصبح معيناً عذباً إلى يومنا هذا. وهكذا أم المؤمنين خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، لما نزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم ورجع إليها خائفاً يقول: «زملوني، زملوني»، لغد خشيت على نفسي، قالت: «كلا، والله ما يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق». أيها المستمعون الأعزاء، ومن التفاؤل ما ذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أنه لما حصل ما حصل من تحرك التتار لغزو بلاد الشام، أخبر ابن تيمية الناس والأمراء أن الدائرة والهزيمة على التتار، وأن الظفر والنصر للمسلمين، وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمين، فيقال له: قل إن شاء الله، فيقول: إن شاء الله تحقيقاً لا تعليقاً. قال ابن القيم: وسمعته -أي سمع شيخه شيخ الإسلام- يقول ذلك، قال: فلما أكثر علي قلت: لا تكثر، كتب الله في اللوح المحفوظ أنهم مهزومون في هذه الكرة، وأن النصر لجيوش الإسلام، وما ذاك إلا لحسن ظنه بالله عز وجل. قال شيخ الإسلام: وأطعمت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو، وكان النصر حليف المسلمين. ومن التفاؤل أيضاً ما ذكره الشيخ المقرئ عبد الله بن أحمد بن سعيد: «مرضت بدمشق مرضاً شديداً، فجاء ابن تيمية رحمه الله وجلس عند رأسي وأنا مثقل بالحمى والمرض، فدعا لي ثم قال: جاءت العافية، فما كان إلا أن قام، وإذا بالعافية قد جاءت، وشفيت لوقتي». أيها المستمعون الأعزاء، أحسنوا الظن بالله عز وجل، وتفاءلوا خيراً، إن نزل بكم هذا المرض وتخوفتم منه، فأحسنوا الظن بالله عز وجل، وأن الله سيرفعه، وأن الله سيبعده، وستعود الأمور على ما كانت عليه. فيا من حرم من الصلاة في بيوت الله بسبب هذا البلاء، بسبب هذا البلاء، تفاءل خيراً، تفاءل خيراً، وأن المساجد ستفتح، وأن الصلاة ستقام في بيوت الله سبحانه وتعالى، فتفاءلوا خيراً، وانشروا الأمل بين المسلمين. أسأل الله أن يفرج عنا وعنكم جميع الكروب والهموم والغموم، ونسأل الله بمنه وكرمه أن يرزقنا وإياكم الصبر وحسن الظن بالله سبحانه وتعالى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، ومن يؤمن بالله يهد قلبه، والله بكل شيء عليم. من أخلاق المسلم في الشدائد الشيخ الفاضل أبي معاذ أبو بكر باصلع المدرس بدار الحديث بالشحر