التقريرات السنية على المنظومة البيقونية  38

التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 38

الدرس في التقريرات السنية على المنظومة البيقونية 38، تابع الحديث المدلس . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف التدليس في علم الحديث

يتناول تعريف التدليس لغة واصطلاحا في علم الحديث، ويشير إلى أنه يعني إخفاء عيب في الإسناد وتحسين لظاهره. يصنف التدليس إلى ثلاثة أنواع رئيسية.

حكم التدليس ورواية المدلسين

يتناول حكم التدليس ورواية المدلسين، حيث يرى العلماء أنه مكروه ومذموم وقد يكون أشد من الكذب. يُفصّل في قبول أو رد روايتهم بناء على صيغة الرواية.

تفصيل قبول رواية المدلسين

يُفصّل في قبول أو رد رواية المدلسين، حيث يُقبل حديث المدلس إذا صرح بالسماع، ويرفض إذا روى بلفظ محتمل. يتناول آراء العلماء المختلفة في هذا الشأن.

تفسير القيود على العموم في رواية المدلسين

يشير إلى أن الأحكام السابقة ليست على إطلاقها بل تحتاج إلى فهم وتفسير، مع الاعتراف بأن الله تعالى أعلم بالحقيقة المطلقة.

  • 27 جمادى الآخرة 1431هـ - 09/06/2010مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المعلق رحمه الله تعالى: تعريفه، أي الحديث المدلس. لغة: المدلس اسم مفعول من التدليس، واشتقاقه من الدلس، وهو اختلاط الظلام بالنور، ومنه التدليس في البيع. يقال: دلس فلان على فلان، أي ستر عنه العيب الذي في السلعة أو في متاعه، كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره. فمعنى التدليس مأخوذ من الإخفاء والتعمية، وأصله كما أشار ومر معنا قبل مأخوذ من اختلاط النور بالظلمة، فلا هو بالظلام الذي لا يرى شيء، ولا هو في النور الذي يرى كل شيء. ولهذا سمي ذاك الوقت وقت الدلس والغلس، أشد من الدلس كما مر معنا. وهكذا في البيع وما كان بمعناه، فهو مأخوذ من معنى الإخفاء، وكذلك التغطية. قال: وكذلك الاشتراك في الخفاء، أي اشتراك معنى الخفاء في معنى الدلس بالنسبة للوقت، ومعنى التدليس بالنسبة للبيع، ومعنى التدليس بالنسبة كذلك للحديث. قال: واصطلاحا: إخفاء عيب في الإسناد وتحسين لظاهره. هذا معنى الحديث المدلس في اصطلاح أهل العلم، لكنه ليس إخفاء كل عيب في الإسناد، وإنما إخفاء الاتصال في الرواية، سواء كما سيأتي معنى بما يكون من إسقاط ضعيف بين ثقتين، أو كذلك تسمية الشيخ بغير اسمه، أو إسقاط الشيخ الحقيقي والرواية عن من فوقه. وكلها ستأتي أنواع من أنواع الحديث المدلس. قال: أنواعه: المدلس ثلاثة أنواع: مدلس الإسناد، ومدلس الشيوخ، ومدلس التسوية. هذه الأقسام الثلاثة هي أشهر أقسام التدليس، وبعضهم يقسمه قسمين كما فعل المؤلف صاحب النظم وتابعه بالشرح، لأن مرد الأقسام ولو كثرت إلى أحد هذين القسمين الذين أشار إليهما في النظم: تدليس الإسناد، والنوع الثاني تدليس الشيوخ. فتدليس التسوية الذي ذكر هنا ثالثا يدخل في معنى تدليس الإسناد كما سيأتي معنا إن شاء الله. فإذا لا مشاحة في الإصطلاح، من قال ثلاثا أراد بذلك الأشهر، ومن قال ثنين أدخل فيه الثالث، ومن قال أكثر من ثلاثة فجعله أربعة أو خمسة، فهو بحسب ما وقف عليه من أقسام التدليس. وبعضهم يزيد تدليس العطف، وبعضهم يزيد تدليس السكوت، وكل هذه الأقسام أقسام، فبالتفصيل هي أربعة أو خمسة أو ثلاثة، وبالإجمال وتداخل بعضها ببعض فهي اثنان: تدليس الإسناد، ويدخل فيه التسوية والعطف والسكوت، وتدليس الشيوخ، وهو تسمية الشيخ بغير اسمه كما سيأتي معنا ومر مختصرا في الشرح. قال رحمه الله تعالى: مدلس الإسناد، أي الحديث الذي دلس في إسناده. قال: وهو أن يروي عن من قد سمع ما لم يسمعه منه، من غير أن يذكر أنه سمعه منه، لأنه لو ذكر أنه سمعه منه لكان كذبا كما مر معنا. وبعضهم يعبر فيقول: أن يروي عن من سمع منه ما لم يسمع منه، موهما أنه سمع منه. وهذه العبارة أحسن وأخصر. قال: وقيل: هو ما رواه الراوي عن من لقيه ولم يسمع منه، أو عن من عاصره ولم يلقه، موهما أنه سمع منه، بصيغة لا تقتضي اتصالا، كعن فلان، وقال: وأن فلان، وقال فلان: وأن فلان قال كذا. وهذا التعريف أطول، والتعريف الذي ذكر يغني عن هذا التطويل. فالمدلس تدليس الإسناد هو أن يروي عن من سمع منه ما لم يسمع منه، موهما أنه سمع منه. فإن شئت قلت: أن يروي عن من قد يسمع منه ما لم يسمع منه، موهما أنه سمع منه. وقولك قد يسمع في هذا إشارة إذا لم يقع السمع، ولكنه يمكن السمع كيف يمكن السمع باللقاء أو بالمعاصرة باللقاء أو المعاصرة. وسبقت الإشارة إلى هذا المبحث أن بعضهم شدد في هذا الباب، وبعضهم توسع، وسيأتي الكلام على قضية السمع والمعاصرة في موضعه إن شاء الله. قال: مثال ما حك بن خشرم قال: كنا يوما عند سفيان بن عيينة، فقال: عن الزهري، فقيل له: أحدثك الزهري؟ فسكت، ثم قال: قال الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري. رواه الحاكم. فهنا أسقط اثنان، وهو يروي عن من قد يسمع منه ما لم يسمع منه، موهما أنه سمع منه. وأشار إلى أن هذا المثال مثل به ابن الصلاح بمقدمته، والحاكم في المعرفة، والسيوط في التدريب، وابن كثير في الباعث. قال رحمه الله: فإن أتى الراوي فيما رواه عن من لم يسمعه منه بصيغة تقتضي الاتصال، كحدثني وأخبرني وسمعت منه، كان كاذبا لا مدلسا. فإذا قال كذلك وهو لم يسمع، فهو كذب، ولا يفعل هذا إلا من هو متهم، أي بالكذب. وأما المدلس فهو إنما يفعل ذلك مع من سمع منه أو مع من لقيه. قال: وحكمه هو مكروه جدا، وذمه أكثر العلماء. وكان شعبا من أشدهم ذما له، أي للتدليس. قال: ويروى عنه أنه قال: التدليس أخ الكذب، رواه عنه الخطيب في الكفاية وغيره. وسماه بأخ الكذب لأن المدلس يفعل شيئا يظهر له السماع وهو لم يسمع، فلذلك كان مثل الكذب. قال: وقال: لئن أزني أحب إلي من أن أدلس. قال: وهذا من شعب إفراط محمول على المبالغة في الزجر والتنفير عنه. وحمله بعضهم ليس للمبالغة في التنفير، ولكن لأن منتهى فعل التدليس الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام، والرواية بما لم يتثبت في صحته. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين». وفي رواية: «الكاذبين». وقال في الحديث الآخر: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». وفي الحديث الآخر الثالث: «من كذب علي ولم يقل متعمدا فليتبوأ مقعده من النار». ففهم العلماء أن الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام ولو ليس متعمدا أعظم من الزنا، لأنه يستوجب النار لقوله: «فليتبوأ» ليستعد لمقعده في النار، ولم يقل مثل ذلك في حق الزاني، فدل على أن الكذب على النبي عليه الصلاة والسلام في ميزان الشرع أعظم من الزنا. قال: واختلفوا في رواية من عرف بذلك، فمن الحفاظ من جرح من عرف بهذا التدليس من الرواة، فرد روايته مطلقا، وإن أتى بلفظ الاتصال، ولو لم يعرف أنه دلس إلا مرة واحدة، كما قد نص عليه الشافعي رحمه الله. وهذا الحكم وإن قال به مثل الشافعي رحمه الله، إلى أن بعضهم كما ذكر في الكتب المطولات أن الشافعي رحمه الله لم يرد هذا على إطلاقه، وإنما أراد به في أحوال خاصة. فالمهم حتى لو أراده على إطلاقه، الصواب كما سيأتي وذكره ها هنا هو التفصيل. قال: والصحيح التفصيل، فإن رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فيرد، وإن صرح فيه بالسماع كقوله: سمعت، أو حدثنا، وشبهها، فمقبول محتج به، لأن التدليس ليس كذبا، وإنما هو ضرب من الإبهام كشفته الرواية المصرح فيها. وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير، يعني من روايات المدلسين. والصحيح في هذا التفصيل بما هو أكثر من هذا كما سيأتي معنا إن شاء الله، أن التدليس أصلا أقسام، والمدلسون درجات. فمن المدلسين ما لا يقبل حديثه إلا إن صرح بالتحديث، ومن المدلسين من يقبل حديثه ولو لم يصرح بالتحديث، الأول لأن تدليسه يضر، والثاني لأن تدليسه لا يضر. ومنهم من يفصل فيه، أي من طبقات المدلسين من يفصل فيه، ففي مواضع تقبل روايتهم ولو بصيغة التدليس، وفي مواضع لا تقبل روايتهم إلا إذا صرحوا بغير التدليس، صرحوا بالسماع. قال رحمه الله تعالى: والصحيح التفصيل، فإن رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع فيرد، وإن صرح فيه بالسماع كقوله: سمعت، أو حدثنا، وشبهها، فمقبول محتج به، لأن التدليس ليس كذبا، وإنما هو ضرب من الإبهام كشفته الرواية المصرح فيها. وفي الصحيحين وغيرهما من هذا الضرب كثير. وهذا بما ذكر يفهم أنه ليس على إطلاقه. نقف هنا، والله تعالى أعلم.