الخطبة بعنوان التحذير من الزيارات الشركية، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 16 محرم 1442هـ الموافق 4 سبتمبر 2020م ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
التوحيد أساس قبول الأعمال، والشرك مظهر من مظاهر الضلال التي نهى عنها الإسلام. الدين أُكمل بنزول القرآن وإرسال النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اتخاذ القبور مساجد وبناء المساجد عليها، وحذر من تعظيمها وعبادتها من دون الله. أجاز زيارة القبور لتذكر الآخرة والدعاء لأهلها.
زيارة القبور جائزة لتذكر الآخرة، ولكن مع الالتزام بعدم شد الرحال إليها أو اتخاذها عيدًا أو قول هجر فيها. يجب أن تكون الزيارة خالية من البدع والشرك.
دعاء للأمن في الأوطان وصلاح الحكام، يتبعه تسبيح وتحميد وثناء على الله ورسوله، ثم صلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، يقول الله جل وعلا في كتابه الكريم ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنَتُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، ويقول عز وجل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾. فأخبر الله جل وعلا أنه أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا، والدين ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا، كما قال الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة: «فإن النبي عليه الصلاة والسلام ما من خيرٍ إلا ودلنا عليه، وما من شرٍ إلا وحذَّرنا منه». وأعظم خيرٍ دلنا عليه التوحيد الذي هو أصل دعوة الأنبياء والرسل، كما قال جل وعلا ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وهو أساس صحة الأعمال، وكذلك سبب قبولها عند الله جل وعلا، وهو مثمرٌ لكل خيرٍ ولكل طاعةٍ وعبادةٍ يحبُّها الله جل وعلا. وحذَّرنا من كل شر، وأعظم شرٍ حذَّرنا منه الشرك الذي هو مفسِدٌ للأعمال ومبطلُها، قال ربُّنا جل وعلا ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾، وقال سبحانه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾. وكل طريقةٍ ووسيلةٍ توصل إلى الشرك بالله حذَّرنا منها النبي صلى الله عليه وسلم سدًّا لذريعة الشرك، ومن ذلك البناء على القبور والغلو في الصالحين. في صحيح الإمام مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن يُبنى على القبر وأن يُجَصَّص»، وأخرج كذلك عن علي رضي الله عنه أنه قال: «لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثُك على ما بعثني به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع صورةً إلا طمستها ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته». قال أهل العلم: «ومعنى سويته أي هدمت ما بُني عليه من بناء وجعلته كسائر القبور، ليس فيه من الارتفاع إلا قدر التراب الذي أخرج من القبر»، وعلى ذلك نص جميع الأئمة. وفي صحيحي البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسةً رأتها بأرض الحبشة وما فيها من صور، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدًا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله». وقالت رضي الله عنها: «لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم أي مرضه طفق يضع خميصةً على وجهه فإذا اغتم كشفها، فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا». قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وكأنه علم عليه الصلاة والسلام أنه مقبوض من هذا المرض، فلعن اليهود والنصارى تحذيرًا من المشابهة أن يفعل هذه الأمة مثل فعلهم، أي أن يتخذوا قبور الأنبياء والصالحين مساجد، فحذر من ذلك عليه الصلاة والسلام». وفي مسلم عن جندب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك». وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها»، وعند الطبراني قال: «لا تصلوا على القبور ولا تصلوا إلى القبور». هذه الأحاديث فيها نهي النبي عليه الصلاة والسلام عن البناء على القبور وعن اتخاذها مساجد، سواء كان ذلك بالسجود عليها والصلاة عليها أو كان ذلك بالتوجه إليها عند الصلاة أو كان ذلك ببناء المساجد عليها وقصد الصلاة فيها، فكل ذلك من اتخاذها مساجد. وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك لأن ذلك ذريعة إلى تعظيم وقصد من فيها وعبادته من دون الله جل وعلا، كما وقع الشرك في الأمم الماضية وعبد من عبد من الناس الأصنام والأوثان بسبب هذه الذريعة، كما قال الإمام القرطبي رحمه الله. فحذر النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأمة أن تقع فيما وقعت فيه الأمم الماضية من الغلو في الصالحين وتعظيمهم واتخاذ قبورهم مساجد بقصدها وزيارتها والعبادة عندها، فكل ذلك من الأمور المحرمة التي اتفق الأئمة الأربعة على تحريمها. ولص على ذلك الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه الأم، وعدها الحافظ ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر من كبائر الذنوب. أقول ما تسمعون وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. عباد الله، إن من وسائل الشرك بعبادة الله جل وعلا التي حذَّر منها النبي صلى الله عليه وسلم اتخاذ القبور أعيادًا واتخاذها أوثانًا بقصد زيارتها وتعظيمها وسؤال من فيها والاستغاثة بها، فكل ذلك مما جاءت الشريعة بتحريمه والنهي عنه. وأجاز النبي صلى الله عليه وسلم زيارة القبور لقصد تذكر الآخرة والدعاء لأهلها، ففي صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة». فأجاز عليه الصلاة والسلام زيارتها لقصد تذكر الآخرة لأن القبور أول منزل من منازل الآخرة التي ينزلها العبد عند رحيله من هذه الدنيا، ولذلك نهى عليه الصلاة والسلام أن تشد الرحال إليها أو كذلك أن يقال عندها هجرًا أو أن تتخذ عيدًا. فإذا حصل ذلك كانت الزيارة زيارة بدعية أو شركية ولم تكن زيارة شرعية، ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»، أي لا يقصد المسجد ويسافر إليه لقصد العبادة إلا إلى هذه الثلاثة المساجد، فأما غيرها فلا يجوز شد الرحال إليها. فإذا كان ذلك لقصد بيت من بيوت الله التي يعبد فيها الله جل وعلا فكيف بقصد قبر من القبور أو كذلك قصد ضريح من الأضرحة؟ وهكذا أيضًا جاء عند الإمام النسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرًا»، أي قولًا فاحشًا. وأعظم الفحش هو الشرك بالله جل وعلا أن يزور المرء القبر فيدعوه ويستغيث به ويطلب منه المدد والولد وكشف الكربات وقضاء الحاجات كما يفعل عباد القبور عند القبور وعند الأولياء والصالحين. وهكذا أيضًا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره عيدًا، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»، رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فنهى عليه الصلاة والسلام أن يتخذ قبره عيدًا وذلك بأن يقصد زيارته في وقتٍ معين وفي زمنٍ معين إما على مدار السنة أو الشهر أو الأسبوع، فإذا كان ذلك لا يجوز لزيارة قبره وتخصيصه عليه الصلاة والسلام وهو أفضل الخلق وأشرف الأنبياء والرسل، فغيره من باب أولى أنه لا يجوز أن يتخذ قبره عيدًا. ومن نظر في هذه الزيارات التي يقيمها من يقيمها من أهل البدع والضلال في مثل هذه الأيام أو غيرها ورأى هل تنطبق ما يقام فيها على ما نص عليه الشرع من الزيارات الشرعية، فإنه يرى أنها على خلاف ذلك، بل هي زيارات بدعية وزيارات شركية مما تخالف شرع الله وتخالف دين الله وتخالف سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام. فإذا كان الأمر كذلك وجب على المسلم أن يحذر من مثل هذه الزيارات من حضورها وكذلك تكثير سواد أهلها، فإن ذلك لا يجوز، والله جل وعلا يقول ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾. بل لا يجوز كذلك المشاركة فيها حتى ببيع وشراء لأن ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، والله جل وعلا يقول ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. أسأل الله جل وعلا أن يرد المسلمين إلى دينهم ردًا جميلًا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. اللهم أمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا أرحم الراحمين. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله.