كتاب الصلح 1

الدرس في كتاب الصلح 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شروط وأحكام الصلح بين المسلمين

الصلح بين المسلمين جائز بشروط، أهمها ألا يحل حراما أو يحرم حلالا، وأن يكون برضا الطرفين. يجب أن لا يترتب على الصلح أخذ شيء محرم أو إجبار على التنازل عن حق.

الصلح عن المال المجهول أو المتنازع عليه

يجوز الصلح عن المال المجهول بمال معلوم، كما يجوز الصلح عن الدين المجهول أو المتنازع عليه برضا الطرفين. هذا النوع من الصلح يعتبر وسيلة للتنازل عن الحقوق المالية.

الصلح في القضايا المالية والجنائية وتوضيح الفروق

الصلح في القضايا المالية والجنائية جائز، حتى لو كان بتضعيف الدية، بشرط أن يكون صلحا وليس حكما إلزاميا. الفرق بين الصلح والحكم الإلزامي هو أن الصلح تنازل عن الحقوق بينما الحكم يكون وفقا للشريعة.

حكم الصلح العرفي بين القبائل

الصلح العرفي بين القبائل لا يعتبر صحيحا إذا لم يكن مبنيا على حكم الله ورسوله. يجب أن يكون الصلح مبنيا على تراضي وتوافق على أمر معين وليس على عرف عشوائي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: كتاب الصلح، والصلح من الإصلاح، لا خير في كثير من جوانهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس. قال: هو جائز بين المسلمين إلا صلحا حل حراما وحرم حلالا، ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول، ولو عن إنكار، وعن الدم كالمال بأقل من الدية وأكثر. فأما جوازه فقد دلت عليه الأدلة، بل هو مشروع مستحب، كما جاء في الحديث: «فلا أدلكم على ما هو خير لكم من الصلاة والصدقة والصيام؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إصلاح ذات البين». إصلاح ذات البين أمره عظيم عند الله. وجاء في هذا الحديث: «الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا وحل حراما». وهذا ضعف من أكثر طرقه، لكن بعضها صححه بعض العلماء، كالشيخ الألباني رحمه الله عليه، حسن الحديث في الإرواء بإنكثار الطرق. وأفضل طرقه ما جاء من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. فالصلح جائز إلا إذا حل حراما وحرم حلالا، إذا كان هذا الصلح يحل الحرام ويحرم الحلال، فهذا لا يجوز، لا يجوز أن يكون صلح فيه تحليل الحرام، مثلا فيه حق أو مال بدون تنازل، أو أن يجبر الشخص على التنازل، أو يغصب، هذا لا يجوز، هذا ليس صلحا صحيحا. يقال له: لابد أن تتنازل عن كذا من مالك، وليس لك إلا مثلا مائة ألف، وهو يطالب بمائتي ألف، وليس عنده ما يبين، أو عنده بين، وذاك يحلف أنه ما عنده، فيدخل من يريد أن يصلح، فإن كان من باب التنازل ما في شيء. مثلا يقول هذا مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك لما حصل بينه وبين ابن أبي حدرد خصومة في المال حتى ارتفعت أصواتهما في المسجد، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فوجد كعب بن مالك وابن أبي حدرد يتقاضيان ويتقاصمان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا كعب بن مالك ضع الشطر»، قال: أنا ضع نصف هذا المال الذي تريده. فقال كعب: يا رسول الله قد وضعته، أنا مجرد ما قال له النبي صلى الله عليه وسلم ضع الشطر، قال: قد وضعت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد: «قم فقاضه النصف الآخر». هذا من باب الصلح، ما فيه شيء برضاه. أما أنه يلزم بذلك ويغصب، هذا ما يجوز. أو مثلا يلزم بأخذ شيء محرم، مثلا اشترى شيئا من الأمور فوجده فيه شيء من الحرام، فيه مثلا شيء من المسكرات أو المخدرات أو مثلا من لحم الخنزير، وهو من المأكلات الممنوعة، فرده فرفض مثلا ذاك أن يرده. فقال: هذا ما يجوز، معنى كيف أأخذ شيء حرام؟ فهنا لا يأتي إنسان يصلح فيقول: لا، خذ النصف، هذا ليس صلحا. فالصلح لابد أن يكون لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، هذا الصلح الذي يكون بين المسلمين. ثم قال رحمه الله: ويجوز عن المعلوم والمجهول بمعلوم وبمجهول. معنى المراد من هذا أنه يجوز الصلح عن المعلوم والمجهول بمعلوم. والمراد به أن قد يكون المال مثلا الذي فيه خصومة، وغالب هذه الخصومات تكون في الأموال، المال الذي فيه الخصومة معلوم، لكن يقول مجهول، أو العكس، مثلا يقول له: عندك مائتي ألف، يقول: أنا ما أدري، مثلا صاحب الذي عنده الدين، أنا ما أعترف لك أن عندي مائتي ألف، أن عندي أقل من مائتي ألف. فإما أن يتفقان على شيء معلوم، مثلا يقول: خلاص هات مائة وخمسين، فيتفقون على مائة وخمسين، فهذا صلح إلى معلوم، مجهول إلى معلوم. أو يقال مثلا: أعطني الذي ترضى به أنت، أعطني الذي يرضيك. فهذا الصلح بالمعلوم عن المجهول، مثلا يقول له: عندك مائتي ألف، فيقول: لا، أنا ما عندي مائتي ألف، عندي مائة وخمسين، فيتقاصمان على هذا. فيقول له: طيب، أنت أعطني ما يرضيك ويرضيني أنا، إما أن يكون فوق المائة وخمسين وأقل من مائتين، معنى ما يحدد له شيء معين، فيعطيه مثلا مائة وسبعين، فهذا ما في شيء. أو مثلا رجل اعتدى الدين عند تاجر، أو تاجر مثلا يأخذ بضاعة عند آخر بدين، فلكثرة أخذه البضاعة لم يعلم مثلا كم عنده، معنى هذا كان قبل ما كان مثلا ما يحسبون، أو إنسان مثلا أخ له أو صديق له صداقة عظيمة، أو شريك له فيأخذ بعض الأشياء. معنى يقول له: خذ الذي تريده، فهو يحسب، وذاك لا يحسب، أو حينئذ يضيع، فيأتي إليه في وقت الحساب يقول له: مثلا كم عندك؟ يقول: والله ما أدري، جل أخذت ما حسبت، وهذا البايع ما حسب أيضا. فكيف يفعلان الآن؟ أصبح الدين مجهول، فيتفقان على شيء معلوم، متفقان على شيء معلوم، خلاص يقول له: مثلا هات لي مائتي ألف والباقي مسامح فيه، هذا ما فيه شيء. معنى معلوم إلى مجهول، أو مجهول إلى مجهول، أنا حتى المجهول إلى مجهول صححه أكثر العلماء. وكذلك عن إنكار، ولو عن إنكار، معنى سواء كان مقر أو منكر. معنى سواء كان هذا الدين مثلا مقر به أو منكر هذا الدين، معنى يقول: أنا ما أخذت، أو أنه يقول: نعم أخذت، لكن ما أستطيع أن أعطيك هذا المبلغ كله. مثلا يقول: عندك مليونين، يقول: أنا ما أستطيع أعطيك مليونين، يقول: خلاص هات مليون ونصف والباقي مسامح، فهذا معلوم، يقول: إليش مجهول، أو كما قلنا قد يكون مجهول إلى مجهول. وهذا أيضا قد صححه العلماء لأن الصلح جائز ما لم يحل حرام أو يحرم حلالا، ويجوز برضى الطرفين، يعني ليس إلزاما، أن بعض العادات في القبائل يقولون صلح، لكنه حكم أصلا، ويلزمون الشخص بدفع كذا وكذا من المال في وقت الصلح، وهذا ليس صحيحا. فلهذا لابد أن يكون هذا الصلح على شيء رضا بين الاثنين، ليس إلزاما، لأنه صلح، كيف يكون إلزاما؟ فلهذا قال: ولو على إنكار، ولو كان منكرا. مثلا كيف الإنكار؟ مثلا الإنسان يدعي على شخص مال، قال له: أنت عندك مائة ألف لي، قال: والله ما عندي شيء لك، قد أعطيتك إياها مثلا، أو يقول: ما عندي شيء، ما أخذت شيء من عندك، ينكر هذا الشخص. فهذا يصر يقول: بلى قد أخذت، وهذا يقول: لا ما أخذت، وكيف يفعلان إذا كان ليس لأحدهما بينة، وهذا لا يحلف، قال: ما سأحلف، لكن ما عندي شيء لك. فيأتي مثلا مصلح فيقول له: خلاص حتى اتفق على خمسين، يقول: هذا ما عندي، كيف أعطيه خمسين؟ يقول: خلاص لأجل الصلح ولأجل كذا، فيرضى بذلك، فيقول: خلاص أعطيه خمسين، فهذا الصلح جائز. قالوا: وعن الدم كالمال بأقل من الدية وأكثر، معنى يتفقون أيضا في الصلح على الدم، معنى عن التنازل عن القصاص، وهذا قول جمهور العلماء، أنه يتنازل عن القصاص. وقد جاء في حديث عمر بن شعيب عن أبيه عن جده: «من قتل متعمدا دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا وإن شاءوا أخذوا الدية»، وقال: «وما صلح عليه فهو لهم». وإن كان هذا فيه ضعف، لكن قد عمل به العلماء. معنى أنه إذا قتل متعمدا ففيه القصاص، لكن يتوسط الناس لأجل الصلح، أنه في ساعة غضب كذا حصل هذا الأمر، فيقول: خلاص يصطلحون على دية مغلظة، فبعضهم يقول: نريد خمس ديات، ومن يقول: نريد عشر ديات، وهذا خلاف بين العلماء. هل يجوز تضعيف الدية؟ أنا يضعف الدية لأجل الصلح؟ لأجل الصلح يقول مثلا: نريد عشر ديات، فماذا؟ جمهور العلماء على الجواز من باب الصلح، ليس من باب الحكم، من باب الصلح يجوز. مثلا يكون هذا الذي قتل رجل له مكانة، فلا بأس، وقد حصلت قضية قبل فترة قتل رجل من أهل العلم، وهو الشيخ محمد المطري، كان عنده مركز في البيضاء، وهو رجل من طلبة الشيخ مقبل، وأيضا من أهل العلم. فكانت المنطقة التابعة له، معنى التي فيها صوفية كثير، فغاظهم نشر السنة، فوشوا برجل عنده جنون كذا، فجاء في وقت والشيخ في المسجد وقتل الشيخ، بالسلاح ضرب على الشيخ وقتل. فحاول هؤلاء أصحاب القبائل هذه أنهم يعفون عنه، فعفوا عنه أهل الميت، لكن اصطلحوا على عشر ديات، أنهم يعطونهم عشر ديات، ووافق القبائل أن يعطوا أهل الشيخ محمد عشر ديات. وكان قد حكم فيها جماعة من شيوخ أهل السنة، الشيخ عبد العزيز البرعي، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، جماعة من أهل السنة. فالمهم أن الصلح يجوز ولو كان بتضعيف الديات، لكن كما قلنا يكون صلح لا يكون حكم، لأن الحكم إلزامي، وهنا الصلح لا يكون إلزامي. والحكم لا بد أن يكون من عند الله، لا يأتي إنسان بحكم من عنده. فلهذا الآن القبائل الذي يفعلونه الآن، هذه العادات والأعراف، هذه أحكام، هم يقولون هذا صلح، ليس حكما. طيب أنتم تلزمون وتجعلونه شيء مقرر، أنه من فعل كذا فيدفع كذا، يقولون مثلا: من قتل مثلا شاب، رجل قوي، مثلا عليه كذا وكذا من الديات، هم يزيدون في الديات. طيب هذا حكم، هذا ما يجوز، هذا يرجع إلى حكم الله ورسوله، لا هم يقولون: نحن هذا صلح، صلح بين القبائل، يمشون عليه هكذا على عرف، لكن هذا الكلام غير صحيح. لأن الصلح ما يكون شيء مقرر، معنى شيء مقرر يقال له صلح، لا يصطلح الناس على شيء ثم يتراضون عليه، أما يلزم الشخص شيئا معينا، فهذا ليس صحيحا.