الحذر من طلب الإمارة وحب المسؤولية

الخطبة بعنوان الحذر من طلب الإمارة وحب المسؤولية، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 15 ذو الحجة 1432هـ . ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

عظم المسؤولية والنهي عن طلب الإمارة

يستعرض الخطيب حديث «كلكم راعٍ» لبيان ثقل الأمانة ومسؤولية كل ولي أمر أمام الله، محذراً من طلب الولاية مستشهداً بنهي النبي ﷺ لأبي ذر وعبد الرحمن بن سمرة. ويؤكد أن من طلبها وكل إلى نفسه، بينما من أُعطيها بغير سؤال أعانه الله، مستدلاً بعدل عمر بن الخطاب وتوفيق الله لمن قام بالحق.

أحاديث الوعيد للمسؤولين والحكام بتقصير النصيحة وظلم الرعية

يسوق الخطيب أحاديث نبوية تحذر من تولي الإمارة والقضاء والمسؤولية دون أداء الأمانة، مبيناً أن أولها ملامة وثانيها ندامة وثالثها عذاب يوم القيامة. ويشير إلى أن من احتجب عن حوائج الناس احتجب الله عنه، ومن غش رعيته حرم الجنة، بينما من نصح وعدل كان في أعلى الدرجات.

فضل الإمام العادل وعواقب الحكم بغير ما أنزل الله

يبيّن المقطع فضيلة الإمام العادل الذي يظله الله يوم القيامة، ويحذر من عواقب ترك الحكم بالكتاب والسنة التي تؤدي إلى الفرقة والبأس بين الناس. ويؤكد أن الحل الوحيد هو الرجوع إلى شرع الله وتحكيمه في جميع الشؤون.

دعاء لولاية الخير ونصرة الإسلام

يدعو الداعي الله أن يولّي على الأمة خيارها ويصرف شرارها، وأن يجعل الولاية فيمن يتقي الله ويتبع رضاه. كما يطلب عز الإسلام وإذلال الكفر، وأن يُبرم للأمة أمر رشد يعز فيه أهل الطاعة ويذل فيه أهل المعصية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، يقول نبينا صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راعٍ ومسؤول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راعٍ في مال سيده ومسؤول عن رعيته، فكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته». ويقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن الله سائل كل راعٍ عما استرعاه: حفظ أم ضيع؟» رواه ابن حبان من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. ففي هذين الحديثين، عباد الله، يبين النبي عليه الصلاة والسلام عظم المسؤولية، وأن من ولي شيئًا فإنه ينبغي أن يكون على قدر المسؤولية، لأنه إن لم يحط تلك الرعية بنصحه، ينصح لهم ويجهد لهم ويقوم بحقهم، سئل يوم قيامة. فإن كل واحد مننا سيسأل يوم القيامة عما استرعاه. وأعظم الناس مسؤولية يوم القيامة، عباد الله، من ولي أمر المسلمين، لأن هذا الأمر خطير، وجاءت فيه الأحاديث عن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأنها يوم القيامة ستكون حسرة وندامة على هؤلاء الذين ولوا أمورًا من أمور المسلمين. لا يقتصر ذلك على الحاكم ولا السلطان ولا الملك ولا القضاة فحسب، وإنما كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين وكان تحته رعية يأمرهم وينهاهم، فإنه يوم القيامة إن لم يعدل فيهم ويقم بحقهم، فإنه سيندم ندامة عظيمة، وسيخسر خسرانًا مبينًا. ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم ينهى صحابته الكرام الأفضال، مع إمكانياتهم وقدراتهم وفضلهم وشرفهم وخوفهم من الله تعالى، ينهاهم عن تولي الإمارة، ينهاهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يكونوا مسؤولين على أحد إلا إذا ابتلوا بذلك. يقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأبي ذر، والحديث رواه الإمام مسلم من حديثه، أنه قال: «يا رسول الله، ألا تستعملني؟» ومعنى تستعملني: أن تجعلني على بعض أمور المسلمين، تستعملني في عمل، إما أن يكون أميرًا أو مسؤولًا أو نحو ذلك من الأمور التي تلي أمور المسلمين. قال: «يا رسول الله، ألا تستعملني؟» فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى حق الله فيها». انظر يا عباد الله، نبينا عليه الصلاة والسلام ينهى أبا ذر عن تولي الإمارة، أن يكون مسؤولًا عن شيء من أمور المسلمين، وينصحه قائلًا له: «يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم». النبي عليه الصلاة والسلام ينصح هذا الصحابي الجليل أن لا يكون أميرًا على اثنين، فكيف لو كانوا أكثر من اثنين؟ عباد الله، إذن الخطب عظيم والأمر عظيم، سيكون على هذا المكلف الذي ليس له إمكانيات أو ليست عنده قدرات ومؤهلات يلي أمور المسلمين، كيف سيكون حاله؟ وأبو ذر صحابي جليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، جاهد مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أول المسلمين إسلامًا مع النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام نصح هذا الصحابي الجليل أن لا يتأمر على اثنين. وهكذا جاء أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه إلى نبينا عليه الصلاة والسلام هو ورجلان من بني عمه، فقال أحدهما: «يا رسول الله، أمرني على بعض ما ولاك الله عز وجل»، أمرني على بعض ما ولاك الله عز وجل، طلب الإمارة. وقال الآخر مثل قوله. فقال لهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنا لا نولي هذا العمل أحدًا سأله أو حرص عليه». الحديث متفق عليه. «إنا لا نولي هذا العمل أحدًا حرص عليه أو سأل هذا العمل». لأن من سأل هذا العمل، أنه ما سيقوم بحقه إلا من رحم الله. من طلب المسؤولية وطلب الإمارة والسلطة، فإنه يخشى عليه من عدم توفيق الله عز وجل له وإعانته له سبحانه وتعالى. ولهذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث الآخر لعبد الرحمن بن سمرة، يقول له: «يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها». إذن الأمر خطير، الإعانة والتوفيق لهذا الأمير أو الحاكم والمسؤول من الله عز وجل، إذا علم صدقه وعلم إخلاصه، وكان في نفسه أن يقوم بحوائج المسلمين، ولم يسأل الإمارة بل أوتيت إليه، يعان من الله عز وجل. وأما الذين يسألون الإمارة ويحرصون عليها، فإنهم لا يوفقون ولا يعانون من الله سبحانه وتعالى. يقول رجل يهودي لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، والحديث عند الطبراني وحسنه الألباني في الترغيب موقوفًا، وقد رواه سعيد بن المسيب، أن رجلين اختصما إلى عمر، أحدهما مسلم والآخر يهودي، وكان الحق لليهودي، فقضى عمر رضي الله تعالى عنه لهذا اليهودي على المسلم، لأن الحق معه. والإسلام، عباد الله، دين الحق والعدل، يعطي كل ذي حق حقه. فعمر قضى لليهودي، فقال اليهودي: «والله لقد حكمت بالحق». فقال له عمر: «وما يدريك؟» وأخذ الدرّة ليضربه، «وما يدريك أني حكمت بالحق؟» فقال له اليهودي: «إنا لنجد في التوراة أن الذي يكون مع الحق ويقضي بالحق، يكون عن يمينه ملك وعن شماله ملك، يوفقانه ويسددانه ما دام مع الحق، فإذا ترك الحق عرجا وتركاه». عرجا وتركاه التسديد والتوفيق من الله سبحانه لهذا الإنسان. وهذا المسلم الذي يبحث عن الحق ويبحث عن العدل ليقضي بين الناس بالحق وبالعدل، يوفقه الله ويسدده من فوق سبع سماوات، ويوفقه بالملائكة، يكون ملك عن يمينه وملك عن شماله، كما قال هذا اليهودي: «إنا لنجد في التوراة...». نعم، عباد الله، وأما الذين يبحثون عن مصالحهم الشخصية ومآربهم وأغراضهم، ويريدون أن يستكثروا من الأموال والدنيا، فإن الله عز وجل قد توعدهم بعذاب أليم يوم القيامة، يوم الخزي والندامة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عوف بن مالك عند البزار، وقد حسنه العلامة الألباني رحمه الله، يقول لهم: «إن شئتم أخبرتكم عن الإمارة وما هي؟» قال عوف: فناديت بأعلى صوتي: «وما هي يا رسول الله؟» قال: «أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة». ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إنكم ستحرصون على الإمارة، وإنها ستكون ندامة يوم القيامة، فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة». رواه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. نعمت المرضعة، أي الإمارة في الدنيا يحلبها صاحبها حلبًا، فما أن يستولي على الإمارة يصير مسؤولًا كبيرًا في الدولة أو حاكما أو غير ذلك، إلا ويحلب من هذه المرضعة. فما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فما أن يستولي على ذلك إلا وتظهر العمارات، وتظهر الشركات والسيارات والأراضي والعقارات ونحو ذلك، وهذا لا ينكره أحد، ويعايشه الناس في أوضاعهم لمن استولوا على المناصب. لأن الإعانة من الله سبحانه وتعالى، وقليل ما هم، قليل من يستكفي من الدنيا، عباد الله، ويطلب الآخرة. النبي عليه الصلاة والسلام يقول في هذا الحديث: «فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة»، إن رضع ما رضع في الدنيا، لكنه سيفطم يوم القيامة عن خزي وعذاب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام: «ويل للأمراء، ويل للعرفاء، ويل للأمناء»، أي الذين جعلوا على حوائج الناس وعلى قضايا الناس. النبي عليه الصلاة والسلام يقول في هذا الحديث: «ويل لهم، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن دوائبهم، أي شعورهم، معلقة بالثريا، يدلدلون بين السماء والأرض، يتمنون يوم القيامة أنهم ما ولوا شيئًا من أمور المسلمين، وما دخلوا تلك المناصب ولا السلطة، يتمنون يوم القيامة أنهم لو دلدلوا بين السماء والأرض، وأن شعورهم معلقة بالثريا، من هول ما يرون من العذاب». ويقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أبي هريرة عند الترمذي وأبي داود، يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين». إذا كان قاضيًا يحكم بين الناس، إذا تولى القضاء عن مسألة، هذا كالمذبوح، لكنه يذبح في كل يوم وفي كل آن بغير سكين، إلى أن يلقى الله سبحانه وتعالى. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ما من أمير عشرة فما فوق، ما من أمير عشرة فما فوق إلا جئ به يوم القيامة مغلولة يده إلى عنقه، يفكه بره أو يوثقه إثمه». إما أن يفكه بره وعدله بين الناس، أو يوثق ويصبح مغلولًا يوم القيامة موثقًا بتلك الأغلال العظيمة، بسبب جوره وبسبب ظلمه للناس، والعياذ بالله. وهكذا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي مريم الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو يخبر عن حال أولئك الذين يحتجبون عن الناس ويغلقون أبوابهم دون حوائجهم ودون حاجتهم وفقرهم وخلتهم. كم من أمير ومسؤول ربما يغلق بابه دون الناس، ويجعل الحراس لا يدخل إليه أحد إلا من كان يعرفه، أو بواسطة، أو بمال. النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث أبي مريم، وأبو مريم الأنصاري قال هذا الحديث لإمام من أئمة المسلمين وخليفة من خلفائهم، وهو معاوية رضي الله تعالى عنه، دخل عليه ناصحًا له، ناصحًا له فيما بينه وبينه، يخبره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يقع يوم القيامة في شيء من ظلم العباد في الدنيا. يقول له: «قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من احتجب دون حاجة الناس وفقرهم وخلتهم، احتجب الله عنه يوم القيامة دون حاجته وخلته وفقره». يوم القيامة يتبرأ الله عز وجل من هؤلاء الذين أغلقوا أبوابهم دون الناس وحاجياتهم، لا يسمعون قضاياهم، لا يريدون أن يصلحوا أوضاع الناس المتردية والسيئة، البلاد فلتة والعباد في ضنك وفقر وحاجة شديدة، لكن هؤلاء أغلقوا أبوابهم وأوصدوها، فيوم القيامة يكونون أشد الحاجة إلى الله سبحانه وتعالى، والكل فقير إلى ربه جل وعلا. يقول: «من احتجب دون حاجة الناس وفقرهم وخلتهم، احتجب الله عنه يوم القيامة دون حاجته وخلته وفقره». قال: فجعل معاوية رجلًا على حوائج المسلمين. معاوية رضي الله تعالى عنه كان لبيبًا، جعل رجلًا على حوائج المسلمين، أي أنه قد لا يصل إلى ذلكم الحاكم والسلطان، لا تصل إليه حوائج الناس وما يعانيه الناس، لأن دونه ربما تكون بطانة سيئة، أو يكون مشغولا ببعض أمور المسلمين. ولهذا معاوية رضي الله تعالى عنه جعل رجلًا على حوائج المسلمين، يستشعر ما يعانيه الناس، يبحث في أمور المسلمين، ماذا ينقصهم. كما نحن الآن يا عباد الله، كم من قرى تشتكي من نقص المواد الغذائية، وكم من قرى تشتكي من المياه، وكم من قرى تشتكي من الكهرباء، ومن المدارس، وغير ذلك من مستلزمات وضروريات الحياة، لكن كثيرا من المسؤولين لا يبالون بأمور الناس، إلا من رحم الله عز وجل. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث معقل بن يسار عند الإمام مسلم: «ما من... أو قال: من ولاه الله شيئًا من أمور المسلمين ثم لم يحطهم بنصحه، لم يرح رائحة الجنة». وفي رواية أنه قال: «يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة». وفي حديث أنس عند الطبراني أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «من ولي من أمر المسلمين شيئًا ثم غشهم، فهو في النار». هذه أحاديث الوعيد، أحاديث الوعيد، عباد الله، لكل من ولي شيئًا. وأنتم سمعتم قوله عليه الصلاة والسلام: «شيئًا»، وهي نكرة في سياق الشرط، وهي تعم، لو كان شيئًا يسيرًا. أنت يا عبد الله مسؤول عليه، فينبغي أن تراعي حقه، وأن تكون أمينًا، وإلا خسرت وندمت يوم القيامة، والعياذ بالله. فنسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، عباد الله، سمعنا من أحاديث الوعيد لمن ولي من أمر المسلمين شيئًا ثم لم يحطهم بنصحه، أو أغلق دونهم الأبواب، أو غشهم في دينهم ودنياهم، فإن الله عز وجل توعده بالعذاب الأليم يوم القيامة، إلا من أخذ المسؤولية بحقها وقام بما أوجب الله عز وجل تجاهها، فإن الله سبحانه وتعالى يدنيه ويقربه، ويجعله يوم القيامة في أعلى الدرجات، لأنه قام بما أوجب الله عز وجل عليه، ونصح وبرّ وعدل في حكمه، فإنه يوم القيامة يكون في منزلة عالية. جاء في الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله»، وذكر منهم: «إمام عادل». إمام عادل، إذا عدل الإمام في حكمه واتقى الله عز وجل في حكمه ما استطاع، فإن الله عز وجل يكرمه من بين الخلائق يوم القيامة بأن يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ويقول نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا». رواه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. ليس فقط على ولاية المسلمين يعدل في حكمه إذا حكم، سواء بين اثنين أو أكثر من ذلك، فيدخل مشايخ القبائل، ويدخل العرفاء وغيرهم ممن يحكمون بين الناس، يعدلون في حكمهم وفي أهلهم وما ولوا من حوائج المسلمين وأمور المسلمين، يكونون يوم القيامة عن يمين الرحمن سبحانه وتعالى. ويقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث عياض بن حمار عند الإمام مسلم، قال: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، والمقسط هو العادل في حكمه، والموفق من الله عز وجل في حكمه، ورجل رحيم القلب لكل ذي قرابة ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال». فذكر النبي عليه الصلاة والسلام أن من أهل الجنة ذلكم الذي حكم وعدل في حكمه، ووفق من الله سبحانه وتعالى. فالأمر يا عباد الله ليس بالهيّن، الأمر ليس بنهي بين الراعي والرعية، فعلى الراعي أن يرفق بالرعية، وعلى الرعية أن تسمع وتطيع للراعي في المعروف وفي طاعة الله سبحانه وتعالى. نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا دعوة عظيمة لمن رفق بالأمة، لمن رفق بالأمة أن الله عز وجل يرفق به، ومن شق عليهم أن الله عز وجل يشق عليه. جاء في مسلم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن شق عليهم فاشقق عليه». هذه دعوة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وربما أهل الإسلام يرون ذلك في حكام العدل وفي حكام الجور، فمن عدل في حكمه ورفق بالناس، فإن الله يرفق به، وربما يدوم حكمه، ومن شق على الناس وتعنت في حكمه وجار وظلم، فمهما طال الأمد، فإن الله عز وجل إذا أخذه أخذه أخذ عزيز مقتدر. فلذلك، عباد الله، ينبغي على ولاة الأمر أينما كانوا أن يرفقوا بعباد الله، وأن يتخيروا مما أنزل الله عز وجل في كتابه وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإلا إذا لم يحكموا بما أنزل الله تعالى في الكتاب والسنة، ويتخيروا مما لم ينزل الله عز وجل في الكتاب والسنة، فإن الله عز وجل يجعل البأساء بين الناس، فيتقاتلون فيما بينهم، ويتناحرون فيما بينهم، بل ويعم الفقر في البلاد والعباد، كما أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء عند ابن ماجه من حديث ابن عمر، وعند الحاكم من حديث بريدة، وصححهم العلامة الألباني وشيخنا مقبل رحمهم الله تعالى، أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله، ويتخيروا مما أنزل الله، إلا جعل الله بأسهم بينهم». إذا تركوا العمل بالكتاب والسنة، والرد عند التنازع والاختلاف إلى الكتاب والسنة، فإنه سبحانه وتعالى يجعل بأسهم بينهم. ماذا نرى، عباد الله، نحن في هذه الأزمان وفي هذه الأوقات؟ أليس التقاتل موجودًا بين الناس؟ أليس البأس بينهم موجودًا الآن؟ نعم، لأنهم لم يردوا ما تنازعوا فيه وما اختلفوا فيه إلى كتاب الله وإلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾. فإذا ردوا ما تنازعوا إليه إلى الكتاب والسنة، فإن الله عز وجل يهيئ لهم أمورهم، ويبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وينزل عليهم من بركات السماء والأرض. يقول الله عز وجل في وصف المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾. ليس الأمر للهوى ولا للكيف، وإنما الأمر، عباد الله، شورى بينهم. هذا وصف عباد الله المؤمنين، أن الأمر فيما بينهم يتشاورون، لا ديمقراطية، ولا انتخابات، ولا ثورات، ولا انقلابات، ولا اعتصامات، ولا إضرابات، لأن الله عز وجل ما أمر بها ولا رسوله صلى الله عليه وسلم في سنته، ليست من الكتاب والسنة، وليست من دين الإسلام في شيء. فلماذا يلجأ الناس إلى هذه الأمور المستقاة من أهل الكفر من الشرق والغرب؟ بل الأنكى والأمر من ذلك، عباد الله، أن ترى بعض المسلمين أين ذهبت عقولهم، يولون أمرهم النساء، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة». امرأة تولون رأيهم وأفكارهم، وتتكلمون عن حالهم، وألسنتهم تذهب إلى أمريكا وإلى مجلس الأمن، تتكلم عن هؤلاء الذين يسمون أنفسهم بالثوار. سبحان الله، فمتى كان هذا حلًا يا عباد الله لما نعانيه؟ الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. ويقول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾. إذا أراد الله بهؤلاء الأقوام سوءًا، لا أحد يستطيع يرده. لكن متى يحصل السوء؟ متى يحصل الشر؟ متى تحصل البلوى، عباد الله؟ عندما لا يطبق الكتاب والسنة، ولا يعمل بالكتاب والسنة، ولا يرد عند التنازع والاختلاف للكتاب والسنة، لا يعمل بالإسلام، هنا يسلب الله عز وجل منهم النعم، ويبدلهم النقم، ما دام لم يتوبوا ولم يرجعوا، ولم يرفعوا أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى المنقذ. ربنا عز وجل هو الذي قال في كتابه الكريم: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾. الخير ليس بيد أحد من الناس، لا رئيس ولا مرؤوس، وإنما الخير بيد الله، إذا أراده على قوم، وإذا أراده لقوم، فإنه لا راد لفضله، ولا ممسك لرحمته، وإذا نزعه عن قوم، فلا أحد يستطيع أن يأتي بالخير للبلاد والعباد. ينبغي علينا أن نؤوب ونتوب ونرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ونحكم كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. نسأل الله عز وجل بمنه وكرمه وإحسانه أن يرفع عنا الغلاء والأذى والوباء وسوء المحن والفتن، ما ظهر منها وما بطن. اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، واصرف عنا شرارنا. اللهم اجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، يا قوي يا متين. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر. وصلى اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.